أبعاد العولمـة ومسـتوياتها

 

د. علي وتوت*

 

تبدو العولمة بوصفها أنموذجاً للتحولات الكبرى التي تمرُّ بها المجتمعات. وهي بهذا التوصيف تبدو حداً فاصلاً بين مرحلتين حضاريتين، لكل منهما تصوراته ودلالاته للظواهر والأشياء التي اكتسـبت علاقاتها الجديدة في ضوء هذا التحول([1]). ولأنَّ العولمة لم تكن سـوى حصيلة طبيعية للتطور البشـري متعدد المسـتويات (المسـتوى التقاني Technical Level يليه المستوى الاقتصادي Economic Level ثم بعده المسـتوى الثـقافي Cultural Level ثم يأتي المسـتوى السـياسي Political Level أخيراً) فإنها أخذت شـمولها الحالي وتأثيرها الواضح بسببٍ من تواجد عوامل موضوعية، من أهمها :-

1. ثورة المعلومات.

2. التدفق الإعلامي المذهل.

3. التقدم التقاني.

هذه العوامل التي أدت بمجموعها إلى تصغير العالم، وسـهولة إطلاع أي ّ جزء منه على تجارب وهموم واهتمامات وقيم وسـلوك ونشـاط الأجزاء الأخرى إطلاعاً عميقاً وكثـيفاً وسـريعاً. ولمّـا كانت معظم هذه العوامل أو الشـروط بحوزة المجتمعات الغربية الرأسمالية المتقدمة، وتحديداً مجموعة من المؤسـسات أو الشـركات الرأسـمالية الأمريكية والأوربية الكبرى، فقد تمكّنت من الاسـتحواذ على انتبـاه الأفراد والجماعات في مختلف مجتمعات العالم، عبر سـيطرتها على وسـائل الاتصال والإعلام ومراكز المعلومات، فانتهزت الفرصة لتشـكيل وعي الأفراد والجماعات في باقي أجزاء العالم، وذلك بنشـر أنماطٍ ثـقافية مرغوبة تدعمها هذه المؤسـسات والشـركات الرأسـمالية، وذلك لأنها تؤكد علاقـات اقتصادية واجتماعية وثـقافية بعينها تؤدي إلى زيادة أرباح هذه الشـركات وإدامة سـيطرتها على أسـواق العالـم، وبالضرورة على مجتمعاتـه([2]). وعليـه فقد حلَّ تـنميط مجتمعات العالم، كجوهرٍ للعولمة وأطروحةٍ أسـاسـيةٍ في أطروحاتها، بديـلاً للأنماط الثـقافية المتعددة التي تزخر بها مجتمعات العالـم. ولكن ما الذي يعنيه تنميط المجتمعات ؟

لنـا أن نتصور أخيراً ـ وكما يشـاع ـ بأن نمطاً ثـقافياً واحداً سـيكون ذائعـاً بسـلوكياته وقيمه ومعايـيره وأخلاقياتـه وتقاليـده ونظمـه. إنّ آليـة هذا التصور ـ الذي ينادي بـه دعـاة العولمة ـ تؤكد بأن العولمة بمسـتوياتها هي الحلّ الأمثل لجميع مشـكلات العالم، وهي تضع الولايات المتحدة الأمريكية مثـالاً لمجتمع العولمة، وكأنه مجتمع بدون مشاكل !!!، على الأقل في المسـتويين الأول (التقاني) والثاني (الاقتصادي). فهي في هذين المسـتويين سـتغدق على الأفراد ما سـيفيض عن حاجاتهم من الإشـباع الجسـدي([3]). لكن ماذا عن المسـتويين الثالث (الثـقافي) والرابع (السـياسـي) ؟

تقترح العولمـة على البشـرية اليوم نمطاً ثـقافياً واحداً، ومما لاشـكّ فيه أن هذا النمط ارتبط بدرجةٍ كبيرة بالتراث الثـقافي للمجتمعات الرأسـمالية الغربية والذي تبلور خلال عشـرات ومئـات السـنين، وهو وإن كان نتاجـاً فكريـاً وثـقافيـاً طبيعيـاً للواقع الاجتماعي لتلك المجتمعات([4])، فإنه يكون مفروضاً من أعلى أو من خارج النسـق الاجتماعي لمجتمعات الدول الأخرى ( النامية أو المتخلفة أو دول الجنوب كما تسـمّى) ، ولابد من أن ذلك سـيولّد تناقضاً خطيراً ، إذ سـتنشـأ في وعي الأفراد ثـقافة وقيم ومعايـير وأخلاقيات ثـقافية ، بل وحتى سـلوكيات ، لا تمّت بصلةٍ إلى الواقع الاجتماعي الذي ينتمون إليه.

فحين يتبـنى الأفـراد والجماعات منظومات من الأفكار والقيم التي لم تخرج من رحم تنظيماتهم الاجتماعية ـ وذلك بتأثير التدفق الإعلامي اليومي الذي يفرض عليهم والذي يكون صوراً في معظم الأحيان ـ فليس هناك ثمة ما يدعو إلى الدهشـة إذا ما أدى ذلك التباعد الثـقافي والاجتماعي بين أفكار الأفراد أو الجماعات في المجتمع وبين واقعهم الاجتماعي إلى أنواعٍ أخرى من الخلل في البنى والأنسـاق الاجتماعية، الأمر الذي يعرضُّها إلى تشـويهٍ مضاعف، يضاف إلى التشّـوه الأصلي الذي نشـأ عن عمليات التحديث الرث التي شـهدتها هذه البنى دون مقدماتٍ وتمهيد.

يضاف إلى هذا، أن المضامين التي تصّدرها الدول والمؤسـسات الغربية، والتي تعمل بعـد ذلك على صياغة الأنماط والنماذج في الدول النامية والمتخلفة، تنتج في الأساس للأسواق المحلية للدول والمؤسـسات الغربيـة، وهي تمثل التقاليد والأنماط والقيم الاجتماعية والروحية والثـقافية والفكرية والأخلاقية لتلك المجتمعات وتعكسـها أيضاً، الأمر الذي يجعل الطرف الآخر أو المسـتورد ( الدول النامية أو المتخلفة ) يقـع في ارتباكٍ شـديد، ذلك أنّ الأنماط كلها ليسـت سـيئة، ولأنّ بعضها أو الكثير منها يمكن الاستفادة منه بشـكلٍ أو بآخر، بمعنى أنه صالحٌ للتطبيق، مع إجراء بعض الإزاحات النوعية بما يوازي قيم وثقافات المجتمعات والدول المستوردة([6]).

انطلاقـاً من هـذا التصـّور، يمكن أن نتبيّن الجوانب الايجابية للمسـتوى السـياسي للعولمـة في خضم مسـتوياتها الأخرى ( والذي يضم مفاهيم وسـلوكيات مثل الديمقراطية وحرية الرأي وحريـة المعتقـد والتعدديـة الحزبيـة و... ما إلى ذلك ) فمعظم المجتمعات الناميـة والمتخلفـة تبدو بحاجةٍ ماسـة إلى التنظيرات السـياسـية للعولمـة، إلاّ أنها تُعّدُ من المحرمات taboo في هذه المجتمعات، وهذا المسـتوى غالبـاً ما يغفـله مَن يرفضون العولمة. وسـنفترض مضطرين أن هؤلاء الرافضين لدعوات العولمـة ذوي نوايـا طيبـة، فهم يودّون كل ما هو صالح لمجتمعهم ، معتبرين أن العولمة هي شـّرٌ برمتـها.

تأسـيسـاً على ما سـبق، يمكن للعولمـة أن تحمل النفع للمجتمعات الإنسـانيـة، لـو أنهـا عملت على إيجاد مناخٍ صحيٍّ متكافىء لحوار ثـقافات هذه المجتمعات، والسـعي لتبادل الخبرات والتجارب فيما بينهـا، والابتعاد عن التنميط القسـري ( من خلال شـروط مفروضة مثالها القروض والمنح المشـروطة ) واحترام الخصوصيات والهويـّات الثـقافية للشـعوب، والكفِّ عـن الهيمنـة بكل وحشـيتها ... فلـو تحقق هذا لكانـت العولمـة تكامـلاً وتعاونـاً وتـثاقفـاً وغنىً وتـنوعّـاً للمجتمعات الإنسـانيـة جمعـاء([7]).

.....................

الهوامش

* كاتب وباحث في سوسيولوجيا السياسة: قسم علم الاجتماع- كلية الآداب / جامعة القادسية

([1]) خير الدين حسيب: العرب والعولمة، بحوث ومناقشات ندوة مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ، ط3، 2000، ص15

 ([2]) حسين العويدات: العولمة ووسائل الثقافة والإعلام، الشارقة، مجلة الرافد، العدد 81، ص35

 ([3]) رسول محمد رسول: فضائياتنا العربية، العولمة والصورة والجسد، عمان، صحيفة الرأي، السبت، 1 أبريل 2000

 ([4]) أشـرف الصباغ: صناعة النمط المحلي لمواجهة تنميط المجتمعات، الشارقة، مجلة الرافد، العدد 81، ص 30

([6]) نفسه

 ([7]) نفسه

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: http://me.friendsofdemocracy.net/default.asp?item=101837

 

مواضيع ذات علاقة:

الصياغة الجديدة للعولمة للإمام الشيرازي الراحل

العولمة: التحديات ومقومات النجاح

هلْ العالم يشهد تحولاً متصلاً بالعولمة؟

بدائل إفلاس العولمة

الهوية في مواجهة العولمة

ثوابت الديمقراطية والتنمية في أزمنة العولمة.

الصراع بين الديمقراطية والعولمة