الدستور الأميركي لم يعد ملائماً للعصر!

 

 سانفورد ليفينسون*

 

 

ربما يكون الدستور هو أهم النصوص الأميركية وأكثرها احتراماً... فهذا الدستور هو الوثيقة التأسيسية للأمة الأميركية التي يتعهد أي رئيس يتولى الحكم بالمحافظة عليها وحمايتها... وهو أيضاً الوثيقة التي يقوم القضاة الأميركيون بتفسيرها وإعادة تفسيرها باستمرار، رغم مضي 200 عام على العمل بها... وهي في النهاية رمز الديمقراطية الأميركية التي نصرُّ دائماً على أنها أعظم ديمقراطية في العالم.

أما في الواقع فنجد أن هذا الدستور هو أبعد ما يكون عن الكمال، لدرجة يمكن معها القول إنه أصبح يحد من قدرتنا على حل معضلات مخيفة تواجه مجتمعنا. فضلاً عن ذلك فإن هذا الدستور خلق نظاماً سياسياً يعاني من "قصور ديمقراطي". وهو ليس قصوراً نظرياً فحسب، بل تتبدى نتائجه العملية بوضوح، حيث نجد الآن أن نصف عدد الناخبين الأميركيين لا يوافقون على ما يقوم به الكونجرس والرئيس... وأن ثلاثة أرباع الذين يتم استطلاع آرائهم يعتقدون أن الولايات المتحدة تمضي في الاتجاه الخاطئ حالياً.

قد يقول البعض إن هذا الوضع طارئ، وإنه يعبر عن نفور وقتي من شاغل المنصب الرئاسي، وأن هناك انقلاباً سيحدث في انتخابات الشهر القادم يجلب السعادة من جديد للساخطين والحانقين. في رأيي أن هذا رأي خاطئ، والحقيقة المؤلمة هي أن دستورنا هو السبب الذي سيجعل نتائج تلك الانتخابات أقل أهمية بكثير مما كنا نأمل.

دعونا نبدأ بنقطة تقول إنه مهما كانت نتيجة تلك الانتخابات فإن جورج بوش سيستمر في البيت الأبيض حتى 20 يناير 2009، رغم أن 60% من الأميركيين لا يوافقون على طريقة آدائه.

إن معظم النظم السياسية في العالم، تحتوي على آليات تُحدد بها الكيفية، التي يتم فيها عزل رئيس من منصبه، طالما أن الشعب لا يوافق على الطريقة التي يؤدي بها مهام هذا المنصب. فبريطانيا مثلاً تقدم نموذجاً لذلك. فـ"المحافظون" على سبيل المثال قاموا بإزاحة مارجريت تاتشر بطريقة تفتقر إلى اللياقة عندما أدركوا أنها لم تعد تصلح كرئيسة للوزراء، وهو ما ينوي أيضاً أعضاء "حزب العمال" أن يقوموا به مع رئيس الوزراء الحالي توني بلير... في حين أن دستورنا ينص على أنه من الممكن أن يتم عزل الرؤساء الذين يرتكبون جرماً، أما إذا ما كانوا غير أكفاء فإنه يجب حمايتهم دستورياً.

وأنا هنا لا أدعو لتبني نظام سياسي جديد، وإنما أقول إن كل ما نحتاجه هو أن نجعل الكونجرس قادراً على "حجب الثقة" عن الرئيس إذا ما تبين له عدم كفاءته تمهيداً لاستبداله.

وإلى أن يتم ذلك فإن بوش سيظل محتفظاً بصلاحياته التي يكفلها له الدستور الأميركي، ومنها صلاحية الاعتراض على أي تشريع يريد الكونجرس إصداره... وهو في الحقيقة بند غريب في الدستور الأميركي لأنه يتيح الفرصة لرأي فرد أن يعلو على آراء الأغلبية.

وربما يكون أكثر من يشعر بالغضب جراء هذا التشريع هم سكان ولاية كاليفورنيا لأن ولايتهم التي يسكنها قرابة 35 مليون نسمة لها نفس عدد الأصوات في مجلس الشيوخ التي لولاية صغيرة مثل "وايومينج" التي لا يزيد عدد سكانها عن 500 ألف نسمة.

وهذه المشكلة ليست نظرية بل لها شواهد عملية؛ منها أن الولايات التي لا يزيد عدد سكانها على خمس عدد سكان أميركا تسيطر على 25 في المئة من مجموع الأصوات في مجلس النواب الأميركي... وهو ما يؤدي إلى أن جزءاً أكبر مما يجب من الاعتمادات والمخصصات المالية يذهب إلى مثل هذه الولايات، والتي قد تنفقها على مشروعات ليست بها حاجة ماسة إليها، كذلك الجسر سيئ الصيت الذي أنشأته ولاية ألاسكا -والتي لا يسكنها سوى عدد ضئيل من السكان ولكنها تتمتع بنفوذ قوي في الكونجرس- وقد أطلق عليه الأميركيون من باب التهكم "الجسر الموصل للاشيء".

وكاليفورنيا أيضاً لا تستفيد على النحو الذي يعتقده البعض بكونها الولاية التي تمتلك أكبر عدد من الأصوات الانتخابية في أميركا... ويرجع السبب في ذلك إلى أن جمهور الناخبين في تلك الولاية ليس منقسماً على نفسه وإنما هي ولاية تكاد أصواتها تكون مضمونة لحزب دون آخر مما يجعل بعض المرشحين غير راغبين في الاهتمام بها كثيراً. وفي نظام مثل النظام الأميركي يعتمد فيه فوز الرئيس على حصوله على غالبية الأصوات، فإن الشيء الذي كان مفترضاً هو أن يسعى المرشحون للرئاسة لكسب ود ولاية مثل كاليفورنيا يوجد فيها أكبر عدد من الأصوات الانتخابية في البلاد، ولكن هذا لا يحدث غالباً حيث نرى هؤلاء المرشحين يغضون الطرف عن ناخبي كاليفورنيا ويسعون إلى كسب ود عمال مصانع الصلب في أوهايو والأميركيين من أصل كوبي في ميامي.

هذه ليست سوى بعض المشكلات التي يعاني منها دستورنا والتي تجعلنا نقول -على عكس ما قد يقتنع به البعض- إن هذا الدستور هو أبعد ما يكون عن الكمال، بل وأستطيع أن أقول بلا تحرج، إنه دستور لم يعد ملائماً للعصر الذي نعيش فيه.

والقول إنه بالإمكان الاستمرار في استخدام هذا الدستور على حالته الحالية، كالقول مثلاً إنه يمكنك مواصلة قيادة السيارة المتداعية التي تقودها حتى إذا ما كانت المكابح لا تعمل وكانت الإطارات على درجة من القدم والتلف تهدد بانفجارها في أية لحظة.

لذلك كله يجب علينا أن نراجع هذا الدستور، وأن نبحث بدقة مدى ملاءمته للأحوال والظروف المتغيرة أو المستجدة، وأن نعمل بعد ذلك على اتخاذ الخطوات الكفيلة بتقليص عدد المخاطر غير المقبولة التي يمثلها بالنسبة لـ"حكومة الشعب، وبالشعب، ومن أجل الشعب"!

*أستاذ بجامعة تكساس- أوستن

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"-23-10-2006