مبارك.. ربع قرن من "الطوارئ"

 

همام سرحان

 

تباينت وجهات نظر عدد من المحللين السياسيين وخبراء في الدبلوماسية والعلاقات الدولية، حول تقييم فترة حكم الرئيس المصري محمد حسني مبارك، والتي امتدت لربع قرن من الزمان، لتمثل واحدة من أطول فترات الحكم عبر التاريخ المصري، الممتد لثمانية آلاف عام، وثاني أطول مدة حكم، بعد محمد على باشا، مؤسس مصر الحديثة.

ففيما يرى بعضهم أن "مشكلة الرئيس مبارك تكمُـن في طول مدة حكمه (25 سنة)، إضافة إلى طبيعته الشخصية التي لا تميل إلى التغيير" ويرى آخرون أن "سياسة الرئيس مبارك اتّـسمت بالاستمرارية وعدم وجود تحولات دراماتيكية، يؤكّـد آخرون أن "أهم ما ميّـز فترة حكم الرئيس مبارك هو الاستقرار ومحاولة دعم الاقتصاد والتركيز على البنية الأساسية".

ربع قرن من الزمان!!

في البداية، يشير المحلل السياسي الدكتور عمرو الشوبكي، الخبير بمركز الدراسات السياسية بالأهرام، إلى أن مشكلة نظام الرئيس مبارك تكمن في طول مدة حكمه (25 سنة). فبلا شك، فإن أحد المشكلات الأساسية في الموضوع هي بقاؤه في السلطة ربع قرن من الزمان، وهو ما انعكس بالطبع على الملفات الداخلية والخارجية، إذا أضفنا إليه الطبيعة الشخصية للرئيس مبارك، التي لا تميل إلى التغيير وتفضل بقاء الأمور على ما هي عليه.

ويقول الشوبكي في تصريحات خاصة لسويس إنفو: "كما يجب أن نوضح أن الرئيس مبارك لم يمتلك أي خِـبرة سياسية قبل وصوله إلى الحكم، بعكس الرئيسين السابقين له جمال عبد الناصر ومحمد أنور السادات، اللذين امتلكا خبرة وتكوينا سياسياً قبل وصولهما للسلطة".

ويوضح الشوبكي أنه "عندما يتحدّث البعض عن إنجازات الرئيس مبارك، فإنهم لا يجدون إلا الحديث عن البنية التحتية وتزايد عدد الأنفاق والجسور وتشغيل مترو الأنفاق وتوسيع شبكة الاتصالات والكهرباء والصرف الصحي، إلخ...، وهي أشياء – رغم أهميتها – يمكن أن تنجزها شركة كبرى!

ويستطرد قائلاً: "يمكن النظر إلى سياسة الرئيس مبارك في الحكم على أساس أنها تقوم على فكرة (إدارة الوضع القائم)، حيث لا تغيير للواقع ولا تمرّد عليه ولا يوجد حتى حلم لتغييرات كبرى أو طفرات واضحة.

مشروع بلا رؤية

ويضيف الشوبكي: "من ثم، فقد غاب عن مشروع الرئيس أي رؤية حقيقية للإصلاح السياسي أو لبناء حياة حزبية نشطة أو لبناء دولة القانون والمؤسسات، كل ذلك غاب لصالح إدارة الدولة على طريقة المشروعات وفقاً لنظام "إدارة الوضع القائم".

ففي العشرية الأولى من حكمه، كان يتحرّك في إطار مشروع الرئيس السابق أنور السادات، وبالتالي، لم يشعر المصريون بأن هناك أزمة، كما لم يشعروا بأن هناك رئيس جديد يُـدير الوضعية القائمة.

وفي العشرية الثانية، بدأوا يستشعرون أزمة غياب الرؤية السياسية للرئيس وصعوبة أن تنجح سياسة (إدارة الوضع القائم).

ومع بداية الألفية الثانية، تعمّـقت أزمة غيار الرؤية السياسية، فيما شاهدنا زيادة حالات الفساد والفوضى والانعدام المذهل في إدارة مؤسسات الدولة، وكثرت الحوادث، فبدأ الناس يشعرون بالجمود وأن حالة الاستقرار ما هي إلا حالة من الجمود، وأن هناك خطر حقيقي من انهيار أداء الدولة.

وقد شاهدنا ردود فعل غاضبة من الناس مع كثير من الحوادث التي وقعت في فترة قصيرة وهزت الناس بعنف، مثل: أنفلونزا الطيور، وغرق العبارة وتصادم القطارات وما خلفته من قتلى وجرحى ومفقودين.

ويختتم الدكتور عمرو الشوبكي حديثه بالقول بأن "الفترة الأخيرة شهدت زيادة حالة النقد والاعتراض على أداء الرئيس، وظهرت في المشهد الحركات المعارضة التي كان لها دور ملموس في كسر حالة الجمود الذي كاد يُـصيب الحياة السياسية بالشلل التام، غير أنها – للأسف- ظلّـت حبيسة إطار النّـخب المثقفة، وبعيدة كل البُـعد عن الشارع السياسي.

أكثر اتزانا وأكثر رتابة!!

ويرى الخبير السياسي الفلسطيني، الدكتور محمد حمزة، مدير مركز مقدس للدراسات السياسية والإستراتيجية، أن "سياسة الرئيس مبارك على مدى ربع القرن الماضي، اتّـسمت بالاستمرارية وعدم وجود تحولات دراماتيكية، بعكس فترتي حكم الرئيسين السابقين له، عبد الناصر والسادات، على الصعيدين الداخلي والخارجي، وهي في مُـجملها سياسة أكثر اتِّـزانا وأكثر رتابة.

ويقول الدكتور حمزة، المتخصص في العلاقات الدولية في تصريحات خاصة لسويس إنفو: "حاول مبارك طيلة حُـكمه أن يبقي على دور مصر الإقليمي، الذي أرى أنه قد تراجع، فلم يعد الدور المصري هو الدور المركزي أو المِـحوري، سواء في الشرق الأوسط أو في العالم العربي.

ففي الجانب العربي، ونتيجة لتآكل الدور المصري، ظهرت دول صغيرة مثل قطر وبدأت تلعب دوراً ملموساً في ملفات كانت مغلقة على مصر، وعلى مستوى القضية الفلسطينية، فإن الدور المصري كان ثابتاً نحو تسوية سياسية سلمية في الشرق الأوسط، ولكنه عارض بشكل مفاجئ – وإن لم يكن بشكل علني - التوصل إلى تسوية سلمية!

تآكل الدور المصري!

ويشير حمزة إلى أن مصر عارضت تسوية كامب ديفيد، لأنها لم تكن طرفا أساسياً فيها، وعندما حدث تطور جديد في القضية وانسحبت إسرائيل من غزة، أصبح قطاع غزة عِـبئاً أمنياً على مصر.

ومن ثم، فقد حدث تآكل شديد في الدور المصري، ونشهد الآن وساطة قطرية في موضوع الجندي الإسرائيلي، كما أن هناك تدخل إيراني في المسألتين، الفلسطينية واللبنانية، فلم تعد مصر اللاعب الأساسي أو الوحيد في الملف الفلسطيني الإسرائيلي، كما كان عليه الوضع سابقاً.

ويختتم الدكتور محمد حمزة، رئيس الهيئة الفلسطينية المستقلة لملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين، حديثه قائلاً: "لقد نجح مبارك طيلة 25 سنة أن يحافظ على "سلام بارد" مع إسرائيل، فيما نجحت إسرائيل في مدّ علاقات قوية مع دول عربية، سواء مغاربية (تونس والمغرب) أو خليجية (قطر)، كما حافظ على علاقة طيبة وإستراتيجية مع الولايات المتحدة، بينما لم يستفد من الشراكة الاقتصادية مع أوروبا. فالعلاقات المصرية الأوربية ما تزال محدودة.

الاستقرار.. أهم المزايا

ومن جهته، يعترض المحلّـل السياسي، السفير طه الفرنواني، المساعد السابق لوزير الخارجية المصري والمدير الأسبق للشؤون العربية على أولئك الذين لا يرون إلا السّـلبيات في فترة حكم الرئيس مبارك، مشيراً إلى أن "أهم ما ميّـز فترة حكم الرئيس مبارك هو الاستقرار ومحاولة دعم الاقتصاد والتركيز على البنية الأساسية والارتقاء بمستوى التعليم والخدمة الصحية، فضلا عن حِـرصه الشديد على إقامة سلام شامل ودائم في المنطقة".

ويقول الفرنواني، الذي تحمل مسؤولية الملف الفلسطيني بوزارة الخارجية المصرية، ردحاً من الزمن في تصريحات خاصة لسويس إنفو: "لقد تولّـى مبارك الحكم وكانت المرحلة النهائية للانسحاب الشامل في أبريل 1982، فأرادت إسرائيل أن تؤجّـل هذا الموعد بحجّـة عدم تأكـدها من استعداد الرئيس الجديد (مبارك) لتنفيذ تعهّـدات الرئيس الراحل أنور السادات، لكن مبارك كان حاسماً.

ويضيف السفير الفرنواني أن "الرئيس مبارك تولّـى الحكم في ظل موقف عربي شِـبه جماعي للقطيعة مع مصر، بدأ باستبعادها من جامعة الدول العربية ثم منظمة المؤتمر الإسلامي، على الرغم من أنها دولة مؤسسة لها، كما كانت هناك محاولات لاستبعادها من منظمة دول عدم الانحياز وكذا منظمة الوحدة الإفريقية.

أعاد مصر للعرب

ويوضِّـح الفرنواني أن "الوضع في الملف الخارجي كان سيئاً للغاية، كما كان شائكاً. فالمقاطعة كانت عربية وإسلامية، بل وكانت هناك محاولات جادة لمقاطعة إفريقية، ولولا جهود الرئيس مبارك، والدبلوماسية المصرية، لأبعدوا مصر من منظمة عدم الانحياز ومن منظمة الوحدة الإفريقية.

فقد استطاع مبارك أن يجعل الدول العربية تستشعر أنها قد ارتكبت خطيئة في حق مصر، عندما أقدمت على مقاطعتها شبه الجماعية، لم يشذ عنها سوى: السودان وعمان والصومال، فلم يدّخِـر وسعاً في إيجاد وسائل للتفاهم مع الرؤساء العرب لرأب الصّـدع ولَـمّ الشمل.

أما عن رؤيته لملف السياسة الخارجية، فقد كانت واضحة وذات ملامح ثابتة. فمنذ اللحظة الأولى وهو يضع نصب عينيه ضرورة إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس، وضرورة إقامة سلام شامل ودائم في المنطقة، وقد كانت له مبادرات كثيرة في هذا الشأن.

ويختتم السفير طه الفرنواني حديثه قائلا: "أما على مستوى الملف الداخلي، فقد أبقى الرئيس على الأحزاب السياسية التي سمح لها سلفه السادات، وإن لم يسمح بأحزاب جديدة لأي قوى في المجتمع، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين المحظورة قانونا.

الـسـيـاق

تعتبر فترة حكم الرئيس المصري محمد حسني مبارك، (1981 - حتى الآن)، واحدة من أطول فترات الحكم عبر التاريخ المصري الممتد لثمانية آلاف عام، وثاني أطول مدة حكم بعد مؤسس مصر الحديثة محمد على باشا (43 عاماً)، متقدمًا على الخديوي عباس الثاني (22 عاماً) والملك فؤاد الأول (19 عاماً)...

ففي 14 أكتوبر 2006، يكمل الرئيس المصري محمد حسني مبارك ربع قرنِ من الزمان على كرسي الحكم، ويكون قد قضى عاماً كاملاً من الفترة الخامسة لحكمه للبلاد، مدة كل فترة 6 سنوات، 25 عاماً بالتمام والكمال في حكم مصر، التي لم يعاصر قرابة 50% من سكانها رئيسًا غيره (الأطفال والشباب دون سن الـ 25).

معلومات أساسية

- تولى الرئيس الحالي محمد حسنى مبارك مقاليد السلطة في البلاد، بعد اغتيال الرئيس أنور السادات في يوم احتفال مصر بالذكرى الثامنة لانتصارات أكتوبر 1973 على إسرائيل.

- وشغل مبارك منصب نائب رئيس الجمهورية فى عصر سابقه الرئيس السادات. وقد عمل على تحسين العلاقات الخارجية مع الدول العربية وأشرف على انسحاب إسرائيل تماما من سيناء يوم 25 أبريل عام 1982.

- فى يناير عام 1984، قبلت مصر الدعوة للانضمام إلى الأعضاء الـ 42 للمؤتمر الإسلامي. 

- فى أكتوبر 1987، أعيد انتخاب الرئيس مبارك، رئيسا للبلاد لفترة رئاسية ثانية تنتهي في 1993.

- فى أكتوبر 1993، تم انتخاب مبارك رئيساً للبلاد لفترة رئاسية ثالثة تنتهي في1999.

- في أكتوبر 1999، تم انتخاب مبارك، رئيساً للبلاد، لفترة رئاسية رابعة تنتهي في 2005.

- في عام 2004، تأسست الحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية)، والتي أطلقت قبيل انتهاء الفترة الرابعة من حكم الرئيس مبارك في 2005 بعام واحد، حملة شعبية لمعارضة التمديد لمبارك والتوريث لنجله الأصغر جمال مبارك، تحت شعار (كفاية .. لا للتمديد .. لا للتوريث)، وقد أحدثت هذه الحركة وحملتها حالة من الحراك السياسي في الشارع المصري، تمثل في خروج المظاهرات للشوارع والميادين لأول مرة منذ فترة طويلة، فضلاً عن إطلاق عدد من المواقع الإلكترونية والمنتديات على الشبكة العالمية للإنترنت التي تعارض الرئيس مبارك وتدعوه للتنحي عن حكم البلاد.

- في أكتوبر 2005، فاز الرئيس مبارك بفترة حكم خامسة، تنتهي في 2011، في أول انتخابات تنافسية تجري في البلاد بين أكثر من مرشح، وذلك بعد تعديل المادة 76 من الدستور.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر:swissinfo-14-10-2006