أمريكا حمراء أم زرقاء .. الدين والسياسة في أمريكا

 

 

عقد معهد بروكينغز بالعاصمة الأمريكية واشنطن ندوة هامة حول قضية "السياسات الأمريكية والانقسام الديني  American Politics and the Religious Divide"  في أمريكا ضمن سلسلة من ثلاث ندوات تدور حول قضية الاستقطاب الديني في الولايات المتحدة.

وستناقش الندوة الثانية (30 أكتوبر 2006) العلاقة بين الدوائر الانتخابية والاستقطاب الديني. وأخيرا ستخصص الورشة الثالثة (نوفمبر 2006) لمناقشة دور الإعلام في الاستقطاب الديني.

وتمثل هذه الحلقات الثلاث مشروع كتاب يقوم بإعداده معهد بروكينغز  بعنوان: "أمة حمراء أحمر وزرقاء؟ سمات وأسباب استقطاب السياسات الأمريكية" Red and Blue Nation? Characteristics and Causes of America's Polarized Politics  والمتوقع صدوره في شهر ديسمبر 2006. 

وعكست مناقشات الندوة ثلاثة اتجاهات رئيسية في العلاقة بين السلوك السياسي والانقسام الديني في الولايات المتحدة

المشاركون في ورشة العمل: "إ ج. ديوني" E, J. Dionne خبير من معهد بروكينغز،  و"آلان ولف" Alan Wolf أستاذ العلوم السياسية بجامعة بوسطن، و"كارلين باومان" Karlyn H. Bowman من معهد أمريكان إنتربرايز ، بالإضافة إلى عدد من المتخصصين.

1. الدين محدد رئيسي للتصويت، تفاعل الدين ومتغيرات العرق، والطبقة، والولاية

خلص"إ. ج. ديوني" E.J. Dionne " استنادا إلى البيانات الإحصائية حول اتجاهات التصويت في انتخابات الرئاسة الأمريكية في عام 2004 إلى أنه رغم أهمية الدين كمحدد مهم للسلوك التصويتي فإنه ليس هو العامل الوحيد لعملية الانقسام والاستقطاب السياسي داخل المجتمع الأمريكي. كما أن عملية التفاعل بين الدين والسلوك السياسي هي عملية معقدة، فالدين يلعب دوره في خلق حالة الاستقطاب من خلال عوامل أخرى وسيطة مثل العرق، والطبقة، والولاية.. إلخ. وهنا يطرح "ديوني" عددا من الاتجاهات العامة بشأن العلاقة بين الدين والاستقطاب السياسي داخل المجتمع الأمريكي، اعتمادا على البيانات الخاصة باتجاهات التصويت في الانتخابات الرئاسة الأمريكية في عام 2004.

- أن خطوط الانقسام الديني داخل المجتمع الأمريكي لا تتطابق مع خطوط الانقسام السياسي، وبمعنى آخر، فإن خطوط الانقسام السياسي والتصويتي داخل نفس الجماعة الدينية أو على مستوى أتباع المذهب الديني الواحد لا تقل أهمية وربما تكون أكثر وضوحا من خطوط الانقسام الديني. وعلى سبيل المثال، فإن الليبراليين الكاثوليك، والليبراليين البروتستانت، والليبراليين اليهود يتبنون سلوكا تصويتيا واحدا إلى حد ما، بينما يتخذ المحافظون من الكاثوليك والبروتستانت واليهود سلوكا تصويتيا واحدا إلى حد ما.

- هناك علاقة ما بين الالتزام الديني ومدى الارتباط بالكنيسة والمؤسسة الدينية من ناحية، والسلوك السياسي من ناحية أخرى، فالأكثر ترددا على الكنيسة وممارسة الشعائر الدينية هم الأكثر ولاء للحزب الجمهوري، بينما الأقل ارتباطا بالكنيسة وممارسة الشعائر الدينية هم الأكثر ولاء للحزب الديمقراطي.

- كما سبق القول، هناك عوامل مهمة في تحديد تأثير الدين على السلوك التصويتي والتي تؤدي إلى وجود استثناءات مهمة في العلاقة بين الالتزام الديني والسلوك التصويتي. يأتي في مقدمة تلك العوامل الأصل العرقي. فما يقال عن العلاقة بين الالتزام الديني والارتباط بالكنيسة والسلوك التصويتي لا ينطبق بالضرورة على بعض الجماعات الديموغرافية. فما يقال، على سبيل المثال، عن السلوك التصويتي للمسيحيين الإنجليكانيين المحافظين white conservative evangelical البيض لا ينطبق بالضرورة على هؤلاء من أصل أفريقي، فالأمريكيين من أصل هم أحد أكثر الجماعات الديموغرافية اللاهوتية المحافظة theologically conservative في الولايات المتحدة ولكنهم في الوقت ذاته من أكثر الجماعات الديموغرافية ولاء للحزب الديمقراطي. ولذلك، عندما نتحدث عن السلوك السياسي للمسيحيين الإنجليكانيين المحافظين يجب أن نميز بين الإنجليكانيين البيض (الأكثر تأييدا للحزب الجمهوري) والأمريكيين من أصل أفريقي (الأكثر تأييدا للحزب الديمقراطي). وينسحب الوضع ذاته على الأمريكيين اللاتينيين Latino، فالأمريكيين اللاتينيين البروتستانت هم الأكثر تصويتا للحزب الجمهوري من اللاتينيين الكاثوليك.

ولايات الجنوب... وولايات الشمال

أيضا يلعب الانتماء الجغرافي دورا مهما كعامل وسيط في تأثير الدين على السلوك التصويتي. فالولايات الجنوبية هي الأكثر تدينا في الولايات الشمالية، ومن ثم فإن الأولى هي الأكثر تصويتا للحزب الجمهوري، ولذلك هناك اختلاف واضح بين السلوك التصويتي للأمريكيين البيض في الولايات الجنوبية عن الأمريكيين البيض في الولايات الشمالية، فقد حصل الرئيس بوش على 70% بين الأمريكيين البيض في الولايات الجنوبية بالمقارنة بنسب تراوحت حول 50% في باقي الولايات. ومع ذلك، فإن تلك القاعدة لا تنطبق على الأمريكيين من أصل أفريقي الأكثر تأييدا للحزب الديمقراطي بصرف النظر على الانتماء الجغرافي (الولاية)، وذلك على العكس من حالة الأمريكيين من أصل لاتيني حيث يعتمد سلوكهم التصويتي إلى حد كبير على الانتماء الجغرافي، فرغم أن البروتستانت اللاتين هم الأكثر تأييدا للحزب الجمهوري من الكاثوليك اللاتين، إلا أن عامل الولاية يسبق عامل الدين بالنسبة لهؤلاء، فالبروتستانت اللاتين في كاليفورنيا أكثر ولاء للحزب الديمقراطي بالمقارنة ببروتستانت ولاية تكساس. 

وأخيرا، يشير "ديوني" إلى الدور المهم للانتماء الطبقي، مقاسا بمؤشر متوسط الدخل، كعامل وسيط ومهم في تأثير الدين على السلوك التصويتي. إذ تشير اتجاهات التصويت في انتخابات 2004 وفقا لمستوى الدخل إلى أن نسبة التصويت للحزب الجمهوري [الرئيس بوش] بلغت 43% بين أصحاب الدخول أقل من 15 ألف دولار سنويا، و 51% لأصحاب الدخول (15- 30) ألف دولار، وحوالي 100% بالنسبة لأصحاب الدخول أعلى من 200 ألف دولار. ويعني ذلك عدم دقة القول بأن الحزب الديمقراطي هو حزب النخبة، إذ يجب التمييز بين النخبة العلمية الأكاديمية ونخبة أصحاب الأعمال، فالحزب الجمهوري هو حزب الطبقة الغنية. فإذا أضفنا عامل الدين في تلك العلاقة، سوف نكتشف أن الذين صوتوا لصالح بوش داخل فئة أصحاب الدخول أقل من 15 ألف دولار هم المترددين على الكنيسة مرة أسبوعيا على الأقل [55% لبوش، 44% لجون كيري] بينما الأكثر فقرا والأقل تدينا هم الأكثر تصويتا لصالح الحزب الديمقراطي [74% لكيري، 24% لبوش]، وأن الأعلى دخلا والأكثر تدينا في شريحة الدخل 150 ألف دولار هم الأكثر تصويتا للحزب الجمهوري [76% لبوش، 23% لكيري]، وأن الأعلى دخلا غير المتدينين هم الأكثر تصويتا للحزب الديمقراطي [56% لكيري، 42 لبوش].

2- أولوية السياسة على الدين

اتفق "آلان ولف Alan Wolf" مع "ديوني" فيما يتعلق بتصاعد دور الدين في المجتمع الأمريكي، فأكد في هذا السياق على أن الاهتمام بالدين لم يقتصر على المواطنين الأمريكيين، ولكنه امتد إلى النخبة الصحفية والأكاديمية، فقد تحولت تلك النخبة من إغفال دور الدين لمدة طويلة إلى الاهتمام المبالغ فيه بالدين. ووقعت الصحافة الأمريكية في الخطأ ذاته، فقد زادت المساحة المخصصة للتقارير الدينية داخل الصحافة الأمريكية، ولم تخل معظم التقارير والموضوعات الصحفية من زاوية دينية في المعالجة، بل أن الجمعية الأمريكية للعلوم السياسية ذاتها قررت إنشاء فريق بحثي حول العلاقة بين الديمقراطية والدين.

وطرح "ولف" عاملين رئيسيين لتفسير الاستقطاب الديني في المجتمع الأمريكي. الأول هو تراجع الكنائس الأساسية، وهو ما أدى بدوره إلى نمو الكنائس الإنجليكانية Evangelical أو الأصولية البروتستانتية. ويعود هذا التراجع بدوره إلى انخفاض معدل المواليد داخل الجماعات الدينية ذات التوجهات الليبرالية وهو ما أدى إلى تراجع كبير في حجم أتباع الكنائس الأساسية ذات التوجهات الليبرالية، إذ لا توجد مؤشرات تؤكد أن هذا الخلل جاء نتيجة تحول أعداد كبيرة من أتباع أتباع الكنائس الليبرالية إلى الكنائس المحافظة. العامل الثاني هو الاستقطاب السياسي، بمعنى أننا قد نكون أمام حالة من الاستقطاب الديني يستند إلى أسباب سياسية بالأساس، وذلك في ضوء علاقة الصراع التاريخي بين البروتستانتية الإنجليكانية Evangelical Protestantism والكاثوليكية. وفي حالة دقة هذا التفسير، تصبح العلاقة الأدق بين الدين والسياسة في المجتمع الأمريكي من وجهة نظر "ولف" هي أن السياسة تقود الدين وليس العكس. ويطرح "ولف" هنا حالة المجتمع الأمريكي في عشرينيات القرن العشرين. فقد شهدت تلك المرحلة تحولات مهمة من وجهة نظر البروتستانت الإنجليكانيين تمثلت في تصاعد الدور السياسي للكاثوليك بعد ترشيح الحزب الديمقراطي لآل سميث للرئاسة Al Smith كأول كاثوليكي يتم ترشيحه من حزب كبير، بالإضافة إلى تزايد موجات هجرة الكاثوليك للمدن الكبيرة وتحولها إلى مدن حضرية، وهو ما أدى إلى نمو إدراك قوي لدى البروتستانت بإمكانية فقدانهم "الدولة"، وتحول المدن الكبيرة إلى مدن ذات أغلبيات غير بروتستانتية. وقد أدى هذا الإدراك إلى اعتزال البروتستانت السياسة خلال الفترة من العشرينيات حتى نهاية السبعينيات وأوائل الثمانينيات. ويرى "ولف" أن المجتمع الأمريكي ربما يمر الآن بحالة مشابهة لتلك المرحلة.

وقد أيد هذا الرأي عالم اجتماع الأديان "أنتونيو" Bill D'Antonio، الذي أكد على أن الانتماء الحزبي هو المحدد الرئيسي للموقف السياسي من القضايا الاجتماعية والدينية، وليس المذهب أو الطائفة الدينية. ولا يظهر الاستقطاب الديني إلا في حالات محدودة مثل قضية الإجهاض. ووفق دراسة قام بها أنتونيو حول اتجاهات التصويت داخل الكونجرس منذ عام 1972 وجد أن 34% صوتوا وفقا للخط الحزبي مقابل 7% فقط صوتوا على أساس ديني. كما استشهد "أنتونيو" بدراسة أخرى حديثة لـ "ديفيد بوردرز" David Borders انتهت إلى أن نسبة التصويت على أساس حزبي وصلت إلى 88% بين الأعضاء الديمقراطيين، و90% بين الجمهوريين. بل أن تحليل اتجاهات التصويت داخل الكونجرس حول قضية الإجهاض يوضح أنها تتحدد على أساس الخط الحزبي وليس على أساس الانتماء الطائفي الديني. وعلى سبيل المثال، بلغت نسبة التصويت داخل مجلس الشيوخ في عام 2002 لصالح بديل "حرية الاختيار" في قضية الإجهاض 80% بين الأعضاء الكاثوليك، كما بلغت النسبة نفسها في حالة الديمقراطيين البروتستانت، بينما انخفضت إلى صفر تقريبا في حالة الجمهوريين البروتستانت.

3- لا يوجد استقطاب عميق في المجتمع الأمريكي- هناك توافق عام حول الدين

تبنت "كارلين باومان Karlyn H. Bowman" موقفا وسطا بين الاتجاهين السابقين، فقد أكدت باومان أن لا يوجد استقطاب عميق داخل المجتمع الأمريكي بفعل عامل الدين. وطرحت "باومان" هنا نتائج عدد من استطلاعات الرأي الأمريكية حول الرؤية الدينية للرئيس بوش وعلاقته بالدين، أشارت إلى أن هناك مساحة مشتركة كبيرة بين الشعب الأمريكي حول الموقف من الدين بشكل عام. فقد أجرت شبكة أخبار CBS ثلاثة استطلاعات منذ فبراير 2003 وجهت سؤلا واحدا هو: "بعض المواطنين يحبون الطريقة التي تحدث بها بوش عن معتقداته الدينية القوية. ما رأيك؟ هل تحب تلك الطريقة أم أنها تسبب لك قلقا؟". أجابت الأغلبية في الاستطلاعات الثلاثة أنها تحب طريقة حديث بوش عن معتقداته الدينية، ولم تتجاوز أعلى نسبة رفض لتلك الطريقة 36% وجاءت في عام 2004 في أوج الحملة الانتخابية.

وفي استطلاع آخر أجرته مؤسسة Pew طرحت خلاله سؤالين. الأول: "هل تعتقد أن إشارات جورج بوش إلى معتقداته الدينية وصلواته كانت على النحو المعقول، أم كثيرة جدا، أم قليلة جدا؟". وقد تم إجراء هذا الاستطلاع أربع مرات منذ 2003. وفي آخر استطلاع أجاب 52% أنها كانت على النحو المعقول، ورأى 24% أنها كانت أكثر من اللازم، ورأى 14% أنها كانت محدودة جدا. أما السؤال الثاني فهو: "في صناعة قرارات السياسة الأمريكية، هل ترى أن بوش يعتمد على معتقداته الدينية كثيرا جدا، أم بدرجة معقولة، أم بدرجة محدودة جدا؟". وجاءت الإجابات في آخر استطلاع أيضا على النحو التالي: رأى 53% أنه يعتمد على معتقداته بدرجة معقولة، ورأى 15% أنه يعتمد عليها بدرجة كبيرة جدا، ورأى 21% أنه يعتمد عليها بدرجة محدودة جدا.

وفي استطلاع ثالث أجرته شبكة CBS ونيو يورك تايمز ومؤسسة جالوب، طُرح خلاله سؤالين، جاء كل منهما في استطلاع مستقل. السؤال الأول: هل تعتقد أن اليمين الديني له تأثير قوى، أم معقول، أم قليل جدا على إدارة بوش؟. وجاءت الإجابات وفقا لاستطلاع جالوب في أبريل 2005 على النحول التالي: رأى 39% أنه تأثير قوي، ورأى 39% أنه تأثير معقول، بينما رأى 18% أنه تأثير محدود جدا. أما السؤال الثاني فقد تعلق بتأثير رجال الأعمال، حيث جاءت الإجابات على النحو التالي: رأى 64% أنه تأثير كبير جدا، ورأى 23% أنه تأثير معقول، بينما رأى 5% أنه محدود جدا.

ومن الاستطلاعات ذات الدلالة المهمة ذلك الذي أجرته مؤسسة جالوب بشكل متكرر حتى عام 1999 حول مدى قبول الأمريكيين للتصويت لصالح أحد مرشحي جماعات وطوائف دينية معينة في الانتخابات الرئاسية، حيث طرح كل استطلاع سؤالا: هل تصوت لرئيس يهودي؟، أسود، معمداني Baptist (أحد أتباع مذهب بروتستانتي يرى إن المعمودية يجب ألا تتم إلا بعد أن يبلغ المرء سنا تمكنه من فهم معناها)، مورموني Mormon (طائفة أسسها جوزيف سمث سنة 1830 أباحت تعدد الزوجات فترة ثم حظرته)، إلحادي، مرأة؟.. إلخ. وفي كل مرة أجري فيها الاستطلاع حول فئة أو طائفة معينة أيدت الأغلبية إمكانية التصويت لمرشح من تلك الفئات أو الطوائف الدينية، باستثناء الإلحاديين فقط، إذ رفض 49% التصويت لإلحادي، بينما وافق 48%. 

وهكذا، تشير نتائج تلك الاستطلاعات –وفقا لرؤية باومان- إلى وجود اتفاق عام داخل المجتمع الأمريكي حول دور الدين، على الأقل في الحياة العامة، وهو ما ينفي وجود حالة استقطاب عميق داخل المجتمع الأمريكي استنادا إلى عامل الدين.

وقد انتقد "ديوني" قراءة باومان لنتائج تلك الاستطلاعات للتدليل على غياب الاستقطاب. ووفقا لرأي "ديوني" فإن تلك الاستطلاعات لا تكشف إلا عن المساحة المشتركة بين الطوائف والمذاهب الدينية بينما تغفل الخلافات المهمة على مستوى الطائفة الواحدة والتي تكون أكثر أهمية ووضوحا من الانقسامات بين الجماعات والطوائف الدينية. فضلا عن أنها أسئلة تتعلق بـ "وافق" أو "لا أوافق" ومن ثم فإنها تخفي المواقف التفصيلية بشأن موضوعات الأسئلة.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: تقرير واشنطن-العدد79