في ليبيا قوة تغيير أم إسفنجة للإمتصاص؟

 

رشيد خشانة

 

الإصلاحات في ليبيا .. هل تنطلق هذه المرة ؟

تباعدت التأويلات لتصريحات سيف الإسلام القذافي الذي طالب بسن دستور للبلد وحمل على "حالة الفوضى" الناجمة عن سيطرة "اللجان الثورية" على الحياة السياسية.

البعض رأى فيها مؤشرا إلى خطوات انفتاحية مرتقبة، فيما شكك آخرون في صدقيتها واعتبروها منسجمة مع الدور المرسوم لمُطلقها بوصفه "الكُوَة" التي يلجأ لها الحكم لتنفيس الإحتقانات.

وكان سيف الإسلام الذي يرأس مؤسسة خيرية تحمل اسم والده، انتقد في كلمة ألقاها يوم الأحد 20 أغسطس 2006 في اجتماع شبابي في سيرت (500 كلم شرق العاصمة طرابلس) ما اعتبره "التفافا على النظام الديمقراطي" نافيا أن تكون ليبيا "تحت سلطة الشعب"، خلافا لما دأب والده على إعلانه في خطبه منذ إرساء "النظام الجماهيري" في ليبيا سنة 1976.

وذهب الإبن إلى حد انتقاد سجن المعارضين و"بهدلة" المخالفين في الرأي باسم الشعب، وغياب حرية الإعلام بل أكد أن "الصحافة معدومة في ليبيا أصلا، إذ هي لا تعني شيئا عندما يسيطر عليها أربعة صحف باهتة وركيكة يكتب فيها عدد محدود من الأشخاص".

توقيت استثنائي

ظاهريا لم تخرج تلك الإنتقادات من حيث الجوهر عما أطلقه سيف الإسلام في الماضي من دعوات جسورة لإصلاح الأوضاع في ليبيا ووضع البلد على سكة الإنفتاح السياسي والإقتصادي. غير أن جديد تصريحات سرت، التي أتت قبل عشرة أيام من انطلاق الإحتفالات بالذكرى السابعة والثلاثين لجلوس والده على سدة الحكم مطلع الشهر المقبل، يكمن في أنه عزا حالة الفوضى السائدة في ليبيا إلى "غياب الدستور والقوانين والمرجعية الثابتة وعدم وجود خطط مستقبلية للنظم الإدارية".

وغير خاف أن هذا التشخيص يتضمن اتهاما واضحا للجان الثورية التي تمسك البلد بقبضتها منذ أكثر من ثلاثة عقود وإقرارا بفشلها في تأطير الناس، مما حمله على الدعوة في التصريحات نفسها إلى "إعادة تأسيس (سنَ) دستور ثابت للمائة سنة المقبلة".

طبعا هذا كلام يتجاوز النقد القشري الذي تُطلقه أحيانا أجنحة في أنظمة الحكم العربية لامتصاص الغضب، فهو يطرح مسألة أساسية تخص إعادة العمل بالدستور الذي ألغي منذ الإطاحة بالملكية في سبتمبر 1969، واستطرادا إنهاء العمل بالشرعية الثورية التي أرسى القذافي نظامه على أركانها. لكن لاشيء يدل على أن هذه ليست رغبة القذافي الأب أيضا.

فتصريحات سيف الإسلام ربما تعكس مبادرات قد يكون معمر القذافي نفسه يستعد للإعلان عنها شخصيا أو بالوكالة لتجديد شباب حكمه وضخ دماء جديدة في شرايينه التي شاخت بفعل التربع نحو أربعة عقود على رأس هرم السلطة. ومن هذه الزاوية يمكن أن تشكل التضحية باللجان الثورية وحتى بالمؤسسات المنبثقة من "النظام الجماهيري" مثل "مؤتمر الشعب العام" (البرلمان) عنوان مقايضة قابلة للتسويق داخليا وخارجيا.

فعلى الصعيد الداخلي تزامنت تصريحات سيف الإسلام "الجسورة" مع تكثيف عودة المعارضين إلى البلد عبر اتصالات ومفاوضات سرية على مدى الأشهر الماضية. وكان الشرط الرئيسي للسماح لهؤلاء بالعودة من الخارج هو التخلي عن فكرة الإطاحة بالنظام.

ومن أبرز وجوه المعارضة العائدين طبقا لتقرير نشرته صحيفة "الشرق الأوسط" محمد صالح بويصير نجل وزير الخارجية الليبي الذي لقي حتفه في حادث إسقاط إسرائيل لطائرة مدنية ليبية فوق صحراء سيناء سنة 1973 والرئيس السابق لمنظمة ألفا «التحالف الليبي - الأميركي من أجل الحرية»، بالإضافة إلى رمضان أبو زعكوك أحد مؤسسي "الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا".

وفي هذا السياق أفيد أن السلطات الليبية أسقطت الاتهامات الرسمية بحق من عادوا كما أعادت لهم منازلهم التي كانت مصادرة قبل سنوات، وأنها في طريقها إلى إعادة النظر في عودة ممتلكاتهم التي كانت قد استولت عليها بعد خروجهم من ليبيا.

مخاوف "النومونكلاتورا"

بهذا المعنى تحمل مبادرة سيف الإسلام طعم "الباكورة السياسية" حتى وإن لم يتجسد ما أعلن عنه في غضون الأسابيع المقبلة، بسبب المعارضة الشديدة ل"النومونكلاتورا" الخائفة من خسارة امتيازاتها، والتي وصفها هو نفسه بكونها تحالف بين "مجموعة من الموظفين في الدولة وبعض القطط السمان (في القطاع الخاص) في تزاوج غير مقدس لخلق مافيا ليبية".

ويُعتبر هذا التطور سفينة ذات وجهين:

 الأول اقتصادي والثاني سياسي، إذ خصص أربعين في المئة من التصريحات المنقولة عنه للتأكيد على ضرورة الإنفتاح الإقتصادي متقصدا مهاجمة البيروقراطية الحزبية والإدارية التي تشكل معاقل المعارضة للإصلاحات الإقتصادية والتي سبق أن أطاحت برئيس الوزراء القريب من سيف الإسلام شكري غانم.

ومن اللافت أن دفاع سيف الإسلام عن برنامج خصخصة القطاع العام بما في ذلك قطاعي الإتصالات والمصارف، اللذين أعلن أنهما سيُفتحان أمام الشركات الأجنبية اعتبارا من العام المقبل، تزامن مع إعلان وزير االإقتصاد والتجارة الصافي الطيب الصافي قبل فترة قصيرة اعتزام الحكومة إعادة هيكلة الإقتصاد الليبي بما يمنح دورا محوريا للقطاع الخاص المحلي والأجنبي.

وشدد الوزير في "المؤتمر الثاني حول ممارسة الأنشطة الإقتصادية" الذي عُقد في طرابلس على أن ليبيا "في حاجة للخبرات الأجنبية خاصة في مجال الإدارة المصرفية والنقدية"، داعيا في الوقت نفسه إلى "عدم التحسس والخوف من من الإستثمار الأجنبي". وفي هذا السياق وضعت الحكومة الليبية مؤخرا لوائح لتنظيم وإدارة المناطق الحرة بمساهمة مستثمرين أجانب، وتشكل المنطقة الحرة في مصراتة التي تفتتح قريبا الخطوة الأولى في هذا السبيل.

الأمريكيون يتربصون

أما على الصعيد الخارجي فتتقاطع تصريحات سيف الإسلام مع الدعوات الأمريكية لإطلاق قطار الإصلاحات الإقتصادية والذي يمني الأمريكيون أنفسهم بالإستفادة منه سعيا لتعزيز مواقعهم أمام الشركات الأوروبية والآسيوية التي انتهزت غيابهم طيلة عشرين عاما لتستأثر بالسوق الليبية، وخاصة قطاع النفط استكشافا وإنتاجا.

وكان هذا الموضوع في قلب المحادثات التي أجراها المسؤولون الأمريكيون الذين زاروا ليبيا وآخرهم وكيلة وزارة الخارجية الأميركية للديموقراطية والشؤون الدولية باولا دوبريانسكي التي اختتمت زيارة رسمية لطرابلس على رأس وفد كبير في اليوم الرابع من العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان (17 يوليو 2006).

وشكلت زيارة دوبريانسكي علامة قوية على مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية، خصوصا أن كثافة الإستثمار الأميركي في ليبيا وكثرة الوفود الليبية الرسمية والخاصة التي باتت تزور الولايات المتحدة أعطيا إشارة قوية على حدوث نقلة في العلاقات بين الحكومتين.

ومن علامات هذه النقلة أن الوفد المغاربي الوحيد الذي حضر أخيرا فعاليات المنتدى الإقتصادي السنوي العربي – الأميركي في هيوستن كان وفدا ليبيا فيما غابت بلدان معروفة بعلاقاتها العريقة مع أميركا مثل المغرب وتونس. كما أن العقيد القذافي بات يقبل بأدوار الوساطة الحرجة التي يتحاشاها حلفاء واشنطن مثل وعده بالتدخل لدى كوريا الشمالية لإقناعها بالتخلي عن الأسلحة النووية والإقتداء بالتجربة الليبية في هذا المجال.

ولم يُخف سيف الإسلام التطابق الواضح بين برنامجه الإصلاحي والأجندة الأمريكية فقد شكا في اجتماع سرت الأخير مع الشباب من العراقيل التي اصطدم بها والمتمثلة في اتهامه بكونه يسوَق "مشروعا امبرياليا أمريكيا من صنع المخابرات المركزية الأمريكية"، بالإضافة لاعتبار ما يطرحه من إصلاحات مدخلا لتخريب البلد، وهو بلا شك يغمز من قناة "اللجان الثورية" المتحفظة على كل إجراء إصلاحي والمتحفزة لمقاومته وإفشاله.

قوة تغيير أم إسفنجة للإمتصاص؟

مع ذلك لا يمكن للمراقب إنكار الشعبية التي باتت تحظى بها دعوات سيف الإسلام الإصلاحية ليس فقط لدى النخبة (حيث بادرت جماعة الأخوان المسلمين بالإعلان عن دعمها لها) وإنما لدى رجل الشارع أيضا، بوصفها تمنح بارقة أمل بالتغيير بعد ثلاثة عقود من الإستبداد المطلق وملاحقة المعارضين وتخوين الأحزاب وضرب الرأي المخالف.

وفي هذا الإطار اعتبر الجامعي المستقل زاهي بشير المغربي أستاذ العلوم السياسية في جامعة بنغازي أن "ظاهرة سيف الإسلام وما يقوم به من مساع وحركات ومبادرات ذات منحى إصلاحي هي معقد آمال كثير من الليبيين. فإصلاح النظام من داخل أحد أجنحته ومراكز النفوذ فيه قد تكون طريقة ليبيا المُبتكرة في التغيير السلمي والإصلاح السياسي والإقتصادي تجنبا لهزات اجتماعية ومغامرات سياسية لايحتملها البلد".

بالمقابل ترى تيارات أخرى في ليبيا أن هناك تقاسم أدوار بين أركان النظام تُسند بموجبه لكل جناح وظيفة محددة بما يحول دون انهيار الحكم في ظل التيارات الإقليمية والدولية القوية المنادية بالإصلاح والديمقراطية.

ولا ينفي هؤلاء وجود صراع حقيقي بين الأجنحة لكنهم يشددون على أن بروز تيار سيف الإسلام ضروري لاستمرار النظام، لأنه يقطع الطريق أمام بدائل محتملة من خارجه ويرسم سقف التغيير الذي سيعقب استقالة معمر القذافي أو منحه دورا فخريا، إذ سيبقى زمام الأمور في دائرة مقفلة، وتحديدا بأيدي الأسرة على نحو يُبعد شبح المحاسبات ويخفف من حدة تصفية الإرث السابق.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: swissinfo-26-8-2006