بعد الحديث عنه في هيئة المصالحة العراقية: العفو فــي الأحكــام الدســتورية والقــانونية

 

 المحامي طارق حرب

 

العفو لغة القصد لتناول الشيء، يقال عفاه واعتفاه وعفوت عنه،قصدت أزالة ذنب صارفاً عنه  فالعفو هو التجافي عن الذنب وقد وردت كلمة عفو في آيات كثيرة (فمن عفا واصلح ـ وان تعفوا اقرب للتقوى ثم عفونا عنكم ـ ان نعف عن طائفة منكم ـ واعف عنهم واستغفر لهم ـ واعف عنا واغفر لنا وارحمنا) وقيل في معنى (خذ العفو) تعاطي العفو عن الناس وقوله (ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو) اي ما يسهل انفاقه وقولهم: اسألك العفو والعافية اي ترك العفو، ويعرف العفو قانونا هو التشريع الذي يصدر من الجهات ذات السلطة في الدولة الذي يترتب عليه ايقاف الاجراءات القانونية بحق المتهم او اجراءات المحاكمة او الغاء الحكم الصادر بحقه او ايقاف تنفيذ العقوبة مع ما يترتب على ذلك من سقوط جميع الاجراءات القانونية المتخذة او سقوط جميع او بعض العقوبات الاصلية والتبعية والتكميلية والتدابير الاحترازية، واذا كان النظام السابق قبل 2003/4/9 قد اكثر من صدور قوانين وقرارات ومراسيم العفو وحتى احيانا يكون العفو بامر يصدر من رئيس الجمهورية السابق وكان اخر تشريع للعفو صدر قبل خمسة اشهر من سقوط النظام. حيث صدر قرار العفو العام الوارد بقرار مجلس قيادة الثورة (المنحل) برقم 225 في 2005/10/20 الذي تم بموجبه اطلاق سراح جميع الموقوفين والمحكومين حتى ولو كانوا محكومين بالاعدام الامر الذي ادى الى عدم بقاء اي موقوف او محكوم وحتى لو كان المحكوم بالاعدام قد ارتكب جريمة قتل اكثر من شخص على الرغم من ان العفو على مثل هذا المحكوم يتطلب موافقة ورثة المجني عليه وقبولهم للصلح. وبما ان هذا العفو كان عاما شاملا مطلقا وبما ان ما قرره القانون الدولي هو عدم العفو عمن ارتكب جريمة تمس حقوق الانسان لذلك فان المادة (15) سادسا من قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا 10 لسنة 2005 قضت بعدم سريان قرارات العفو الصادرة سابقا على المتهمين الذين تحاكمهم المحكمة المذكورة، لقد نظم الدستور الجديد العفو بشكل يختلف كليا عما كان سائداً سابقا والمبدأ في ذلك تقليص حق السلطة في اصدار العفو.

صلاحية رئيس مجلس الوزراء بالعفو

لقد تم تخويل رئيس الوزراء بموجب امر سلطة الائتلاف المؤقتة 99 في 2004/6/27 المنشور في الجريدة الرسمية (الوقائع العراقية) 3985 تموز 2004 صلاحية رئاسة لجنة المعتقلين المشتركة التي تتولى تدقيق احوال المعتقلين ووضع سياسة بشأنهم واصدار تقاريرو توصيات بما فيها اخلاء سبيل المعتقلين اذ لابد من موافقة رئيس اللجنة وهو رئيس الوزراء على التوصية باطلاق السراح واخلاء السبيل، كما ان المادة (8) من امر (قانون) الدفاع عن السلامة الوطنية رقم 1 لسنة 2004 الذي اصدرته الحكومة المؤقتة (حكومة الدكتور اياد علاوي) منحت رئيس الوزراء صلاحية حفظ الدعوى والافراج عن المتهمين قبل محاكمتهم او اثناء المحاكمة لضرورات تتعلق بالمصلحة العليا او لاسباب تتعلق بالامن والاستقرار شريطة موافقة مجلس الرئاسة وان تكون الجريمة ذات العلاقة بحالة الطوارىء.

صلاحية مجلس الرئاسة بالعفو

خولت المادة (73/ اولا) من الدستور مجلس الرئاسة صلاحية اصدار العفو الخاص بشروط كثيرة اولها صدور توصية من رئيس الوزراء باصدار العفو الخاص وبالتالي لا يجوز للمجلس المبادرة باصدار هذا العفو ما لم تكن هنالك هذه التوصية وثانيها استثناء عدد كبير من الجرائم من حق مجلس الرئاسة في اصدار عفو خاص وهي جرائم الحق الخاص اي الجرائم التي يترتب عليها حق لاخر تجاه مرتكب الجريمة نحو جريمة القتل او جريمة الاعتداء او السباب او الشتم او القذف وسوى ذلك من الجرائم التي يكون فيها المجنى عليه مواطن وليست الدولة، اما جرائم الحق العام فانه يجوز للمجلس اصدار عفو خاص بها كجريمة التزوير والجرائم السياسية وغيرها مما لا يترتب على ارتكابها حق خاص لاي انسان وكذلك لا يجوز لمجلس الرئاسة اصدار عفو في جرائم الارهاب وجرائم القانون الدولي وهي جريمة الابادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية كذلك ليس للمجلس العفو عمن ارتكب احدى الجرائم الارهابية وهي الجرائم الواردة في قانون مكافحة الارهاب رقم 13 لسنة 2005 ذلك ان هذا القانون حدد عدداً من الافعال الجرمية واعتبرها جرائم ارهابية وهي جرائم العنف والتهديد الذي يهدف الى القاء الرعب بين الناس وتعريض حياتهم وحريتهم وامنهم للخطر وتعريض الاموال والممتلكات والاموال للتلف وقيادة العصابات المسلحة الارهابية والعمل على اثارة الفتنة الطائفية او الحرب الاهلية او الاقتتال الطائفي او الاعتداء على الهيئات الدبلوماسية او استخدام المواد المتفجرة او الخطف للابتزاز المالي او اسباب سياسية او طائفية او قومية او دينية وكذلك ليس لمجلس الرئاسة اصدار عفو في جرائم الفساد المالي والاداري كاختلاس الاموال العامة والرشوة والتزوير واستغلال نفوذ الوظيفة واساءة استعمال السلطة، اما فيما عدا ذلك من الجرائم فان لمجلس الرئاسة صلاحية اصدار العفو الخاص، علما ان هذا العفو يترتب عليه سقوط العقوبات الاصلية (الاعدام والسجن مدى الحياة والسجن والحبس والغرامة) ولا يترتب عليه المساس بالرد (رد الاموال) او التعويض المحكوم به المتهم او المصادرة ولا يكون له أثر على ما سبق تنفيذه من العقوبة كما قضت بذلك المادة (154) من قانون العقوبات والمادة( 306) من قانون اصول المحاكمات الجزائية، مع ملاحظة ان العفو هذا يجب ان يصدر بالاجماع اي بموافقة رئيس الجمهورية ونائبيه على وفق احكام المادة (138/ رابعا) من الدستور.

صلاحية مجلس النواب بالعفو

ومجلس النواب ذو صلاحية مطلقة وليست مقيدة وشاملة وليست مجزأة وعامة وليست مقيدة باصدار العفو عن جميع المتهمين والمحكومين وعن جميع الجرائم وفي هذه الحالة يجب ان يصدر العفو بقانون يسمى قانون العفو، ويتم تقديم مشروع (مسودة) قانون العفو اما من مجلس الرئاسة او مجلس الوزراء او من عشرة من اعضاء مجلس النواب او من احدى لجان مجلس النواب كما اوجبت ذلك المادة (60) من الدستور واذا تم تقديم مشروع قانون العفو من مجلس النواب فلابد ان يكون ذلك من اختصاص اللجنة القانونية كونها اللجنة الاقرب للاختصاص ولكن ذلك لا يمنع من اشتراك لجنة الامن والدفاع او سواها من اللجان الاخرى ذات العلاقة والتي تم تشكيلها في المجلس على وفق نظامه الداخلي ومن الطبيعي ان تتولى اللجنة او اللجان تحديد كل ما يتعلق بالعفو العام من حيث تحديد المشمولين به والجرائم المشمولة بالعفو وهل يشمل المتهمين ام المحكومين معهم وما هي العقوبات المحددة للجرائم المشمولة بالعفو والحق الخاص والمصادرة ورد الاموال في بعض الجرائم وهل يكون العفو شاملا لجميع الجرائم ام بعضها وكيفية تنفيذ قانون العفو وقد تكتفي المسودة (المشروع) بكونه عفواً عاماً وفي ذلك يشمل حتى الجرائم التي تبتعد عن الوجه السياسي لجرائم القتل بسبب جزائي وجرائم الخطف وجرائم الفساد الاداري، وفي ذلك لابد ان تتوقف اللجنة ومجلس النواب ايضا عند عرض المسودة عليه امام الفاظ وعبارات والمصطلحات العفو، اذ كما يقال ان تباين المصطلحات يقود الى تباين الفهوم (المفاهيم) القانونية واختلاف العبارات يؤدي الى اختلاف الاعتبارات وعند طرح مسودة القانون على مجلس النواب فيما ان الدستور لم يحدد اغلبية في صدور قراره بشان العفو واجازته لقانون العفو لذا فانه يجب اعتماد المادة (59) من الدستور اذ لابد من تحقق النصاب وهو حضور الاغلبية المطلقة لعدد اعضائه وان تصدر الموافقة بالاغلبية البسيطة من اصوات اعضاء مجلس النواب، ولما كان عدد اعضاء مجلس النواب (275) فلابد من حضور (138) عضواً وصدور القرار بموافقة (69) صوتاً على الاقل كي يكون القانون قد نال الموافقة البرلمانية، غير اننا لابد ان نبادر ونقول ان مسألة اصدار قانون العفو مسألة كبيرة وخطيرة من حيث موضوعها ومن  يتم شموله بها لذا فان الموضوع لابد ان يكون محل عناية دقيقة بحيث يتم شمول المقصود من العفو وابعاد من لم يكن مقصودا ويتم شمول الجرائم المستهدفة بالعفو وابعاد الجرائم التي لا يستهدفها العفو وبشكل واضح يكون بعيدا عن التفسير والتأويل كي يحقق العفو غايته المطلوبة الا اذا كان القصد العفو العام عن جميع الجرائم وعن جميع المتهمين والمحكومين وهذه لايمكن قبولها من اعضاء مجلس النواب الذين يمثلون الشعب. وان كانت صلاحية السلطة التشريعية (مجلس النواب) مطلقة عامة شاملة على وفق احكام الدستور وعلى وفق احكام المادة (153) من قانون العقوبات والمادة (305) من قانون اصول المحاكمات الجزائية، ولا بأس لمجلس النواب من الاستئناس برأي اصحاب الخبرة في هذه المسألة الدقيقة والمهمة بعد اكمال مسودة (مشروع) قانون العفو. اذ لا خاب قط من استشار ولا ضل من طلب فتوى ومن شاور القوم شاركهم في عقولهم كما يقول الامام علي (ع) لاسيما ان الرأي الذي يتم ابداؤه لا يكون ملزما لاعضاء مجلس النواب فكما يقال ان الفتوى اخبار من غير الزام، لما للعفو من اثار سياسية ومن اثار اجتماعية خاصة بالنسبة لمن كان متضررا من الجرائم ومن كان ضحية لها. لذا فان اتجاه هيئة المصالحة يوم 2006/8/15 اتجاه سليم ان تم احكام العفو بالسبيل المستقيم، لاعلاء شأن العراق الوطن والعراقي المواطن.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر نصاً ودون تعليق .

المصدر: جريدة الصباح-27-8-2006