حلقة باكستان والإرهاب: الديمقراطية وحدها هي الحل

 

بي نظير بوتو

 

قد يرى البعض أن نمط العلاقة المقلق ما بين مؤامرات الإرهابيين وهجماتهم على الغرب وجمهورية باكستان الإسلامية محض مصادفة ولا قيمة له. لكن بالنسبة لي تمتلك هذه العلاقة أهمية كبيرة وهناك نتيجة مباشرة لسماح الغرب للأنظمة العسكرية الباكستانية بقمع الطموحات الديمقراطية للشعب الباكستاني، طالما أن هذه الديكتاتوريات تبدو ظاهريا وكأنها تدعم الأهداف السياسة الخاصة بالمجتمع الدولي.

في أواخر السبعينات من القرن الماضي تم إسقاط النظام المنتخب بطريقة ديمقراطية، والذي كان يتزعمه والدي ذو الفقار علي بوتو، من خلال انقلاب عسكري قاده الجنرال محمد ضياء الحق الذي كان آنذاك رئيسا لأركان الجيش.

طلب المجتمع الدولي أولا إعادة الديمقراطية وتنظيم انتخابات نزيهة. ووعد ضياء الحق الذي كان قد عين نفسه رئيسا، بإجراء انتخابات خلال 90 يوما، ثم أضاف 90 يوما أخرى، ثم عاما. وعبر الغرب عن ضيقه ونفاد صبره ، لكن بعد فترة قصيرة جاء الغزو السوفيتي لأفغانستان، فتلاشت الدعاوى بإعادة الديمقراطية إلى باكستان مع توفر فرصة للولايات المتحدة كي يعوِّق الاتحاد السوفيتي في جنوب غربي آسيا.

وبدأت الولايات المتحدة بتسريب المساعدة والتدريب إلى المجاهدين الأصوليين عبر باكستان، خصوصا من خلال وكالات الاستخبارات العسكرية الباكستانية التي أسسها ضياء الحق لتعزيز قبضة حكمه الحديدية.

ولم يجلب هذا التحالف أسلحة حديثة وتكنولوجيا إلى المجاهدين ، لكنه حوّل باكستان من بلد مسالم إلى آخر عنيف زاخر بأسلحة الكلاشينكوف، والإدمان على الهيرويين وتأويل أكثر تطرفا للإسلام. وأصبحت شوارع كراتشي مسرحا للأسلحة والاختطافات. وأدى تحويل التمويل من القطاع المدني للعسكري إلى نتائج سلبية متواصلة على المجتمع الباكستاني.

فمع تخلي الحكومة عن مسؤوليتها تجاه التعليم والصحة والسكن والخدمات الاجتماعية، أصبح الناس يبحثون عن أطراف أخرى كي تقدم لهم الدعم، وجاء انتشار «المدارس» الدينية عبر كل باكستان. وهذه المدارس تستغل اسم الدين لتعليم الطلاب التطرف والتعصب مع تدريب عسكري لهم. وأصبحت هذه المدارس أرض تفريخ للكراهية والخوف من الأجانب والتطرف والإرهاب.

وحالما غادر السوفيت أفغانستان تخلى الغرب عن الديمقراطية في أفغانستان تاركا إياها تحت رحمة العناصر المتطرفة من المجاهدين. وأصبحت باكستان وأفغانستان مصدرين للحركة المتطرفة على المستوى السياسي والديني، وليقود هذا الواقع إلى نشوء حركة طالبان ثم إلى القاعدة لاحقا.

والى ذلك تشكل «جماعة الدعوة» نسلا هجينا من المنظمة تجمع العملين الخيري والإرهابي معا، ولعلها استخدمت ـ حسب بعض التقارير الصحافية ـ نمط المدارس السياسي لإيصال التبرعات المخصصة للمتضررين بالزلزال الأخير في باكستان إلى المتآمرين الذين وضعوا مخططا إرهابيا تم الكشف عنه الأسبوع الماضي والذي كان يهدف تفجير طائرات ركاب فوق المحيط الأطلسي.

ومما يؤسف له، أنه بعد عقدين من انقلاب ضياء الحق ضد الديمقراطية في باكستان قام رئيس أركان آخر للجيش بانقلاب عسكري آخر على حكومة مدنية.

والى ذلك ظل برويز مشرف يعزف على الأوتار التي تروق للغرب، فهو يقدم من وقت لآخر وبطريقة محسوبة بدقة دعمه غير المخلص للحرب العالمية ضد الارهاب، وينجح بذلك في تفادي الولايات المتحدة وبريطانيا، وهو يواصل عمليات اعتقال ونفي قادة المعارضة والقضاء على الأحزاب السياسية، ومواصلة الضغوط على الصحافة وإحباط قضايا حقوق الإنسان وحقوق المرأة في باكستان.

وبزعمه وجود أجزاء يتعذر حكمها من الأراضي الباكستانية، يكون نظام مشرّف قد تنازل عن مسؤوليته تجاه هذه الأجزاء لحركة طالبان وتنظيم «القاعدة». ومن هنا ليس ثمة غرابة في الفشل في إلقاء القبض على اسامة بن لادن، الذي وفر الأموال لإطاحة حكومتي. ويصدر اسامة بن لادن رسائل في شرائط مسجلة تحت مسمع الدكتاتورية العسكرية الباكستانية التي يحميها العسكريون المتشددون والجماعات المسلحة في مناطق وزيرستان القبلية التي فشل نظام مشرّف في السيطرة عليها.

فكرة ان هذه الأجزاء الواسعة من باكستان غير قابلة للسيطرة حديث لا معنى له. فخلال فترة عملي رئيسة للحكومة الباكستانية مرتين فرضت الحكومة سيادة الدولة من خلال الإدارة المدنية والقوات المسلحة.

تبدي دكتاتورية مشرّف تأييدا ظاهريا للحرب على الارهاب، وتقدم تأييدها ودعمها عند اللزوم بغرض الظهور بمظهر حسن أمام واشنطن، فيما تترأس مجتمعا يمكّن المتشددين على حساب المعتدلين. اما المدارس السياسية الخطيرة التي قضيت سنوات في تفكيكها عندما كنت رئيسة للحكومة، فقد انتعشت الآن وتنمو تحت ظل دكتاتورية اسلام أباد العسكرية.

لماذا يقود اقتفاء آثار النشاط الإرهابي باستمرار الى باكستان؟ ولماذا يستهوي هذا النمط من الإرهاب الجيل الثاني من المهاجرين الباكستانيين على وجه التحديد في كل أنحاء العالم اكثر من بقية المسلمين الذين يشعرون بالإحباط وخيبة الأمل؟ وما الذي يضع اسلام أباد دائما في قلب المخططات الارهابية ـ من ليدز الى لندن ومؤامرات تستهدف الطائرات والحافلات والقطارات، وقبل كل شيء، الناس الأبرياء؟

اعتقد ان النظم السياسية توجد ردود أفعال محددة داخل مواطنيها. في الدكتاتوريات العسكرية تنساب السلطة عبر البندقية وليس عبر القانون. الرسالة التي وجدت طريقها لأذهان الشباب الباكستاني على مدى عقود من جراء التدخل العسكري المتكرر، هي ان القوة هل الأفضل لوضع الامور في نصابها.

كما ان تأييد الغرب لقمع التطلعات الديمقراطية للشعب الباكستاني سمح بخلق حالة من التثبيت للأنظمة الدكتاتورية بالترويج لهذه الرسالة في اوساط الشباب المسلم. يضاف الى ما سبق ان استخدام المؤسسات المتطرفة لمعالجة بعض الاحتياجات الاجتماعية، يعتبر عنصرا اساسيا لفهم مسألة ربط اسلام أباد بالحوادث الارهابية.

الديمقراطيات لا تدخل في حرب ضد بعضها البعض. الحكومات الديمقراطية لا تحمي وتمكّن وتؤوي الارهابيين. المجتمعات الديمقراطية تنتج الى حد كبير مواطنين يفهمون أهمية القانون والتنوع والتسامح. ومن هنا فإيجاد نظام حكم ديمقراطي في باكستان خال من أي صلة بالدكتاتورية العسكرية سيضمن عدم استمرار باكستان في ان تكون مركزا عالميا للارهاب.

*رئيسة وزراء باكستان السابقة

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط خدمة «تريبيون ميديا سيرفيسيز» خاص بـ«الشرق الأوسط»-28-8-2006