المأسسـة ضرورية في كل خطوة : نقد وثيقة حكومية أردنية مثالا

 

 

 

هناك وثيقة حكومية صدرت في الأردن قبل اكثر من عام  وبعنوان : "إدارة حكومية افضل لتحقيق نتائج افضل" تقدم رؤية لاصلاح آلية العمل في رئاسة الوزراء جاءت تحت مسمى "صنع السياسات واتخاذ القرارات" ولقد تم تداول هذا الطرح  بعد التعديل الحكومي الأخير بالتزامن مع تصريحات من مسؤولين سابقين انتقدت بحدة آلية اتخاذ القرارات في مجلس الوزراء.

الوثيقة المذكورة جديرة بالدراسة والنقد لأنها ترتبط بالتغيير والإصلاح وتحديدا إصلاح الرئاسة وضرورة إنشاء مركز دعم القرار.

هناك دراسة نقدية لهذه الوثيقة ولكاتب أردني جديرة بالإطلاع لأنها تسلط الأضواء على حلقة محورية مفقودة عادة في الروؤى والحلول والخطط المقترحة وتتمثل في الغفلة عن المأسسة في تلك الموارد ، فكل شيء بات محتاجا للمأسسة كي يكون عمليا جمعيا مستداما صائبا ناجحا ، فلايكفي تقديم الحلول فقط بل يجب مأسسة الحلول ، كما يجب الإصلاح الإداري ومركزه وهي توفر الإطار المؤسسي ومأسسة الأهداف من خلال توفير آليات للتنفيذ قابلة للديمومة والاستمرار وللبناء عليها، ولعل الإصلاح الذي لا يذهب نحو تجذير المأسسة وتأصيلها سيبقى مفتقدا للبنى التحتية ولعموده الفقري الذي يحفظ له الاستمرار والتوازن ويمنحه الشكل والمضمون، حيث نلاحظ أن غياب المأسسة في مشاريع الإصلاح الإداري ذاتها عبر اكثر من ربع قرن من تاريخ الإدارة العامة يعد المصدر الأول لتشتت الجهود وعدم القدرة على التراكم في الإنجازات .

البعض يعتقد ان كل جيل جيد من القيادات الإدارية يطرح رؤية للاصلاح يأتي ليهدم ما سبق بناؤه , لكن في معظم الأحيان نكتشف انه لم يهدم شيئا لان الحقيقة تشير الى عدم وجود شيء يهدم سوى الإنشاء السياسي الذي لا يصنع إصلاحا حقيقيا  في ظل غياب المأسسة.

وكذلك الأهداف يمكن ترجمتها بمأسستها في إطار عمل المركز ضمن وحدات معلوماتية وبحثية من قبيل بناء قواعد البيانات والمعلومات المتخصصة في مختلف المجالات التي تهم متخذ القرار. لا بد من المأسسة لأنها في ابسط ملامحها تعني الاستغلال الأمثل للموارد البشرية .

ويختم الكاتب مقاله :

وببساطة يمكن إحالة هذا الواقع الى عدم مأسسة عقل الدولة، الذي نحن بأمس الحاجة إليها اليوم. كما اننا بأمس الحاجة الى ادراك ان مراكز البحث العلمي على مختلف مسمياتها هي التي تدير العالم اليوم وهي التي تنهض بالدول وبالاقتصاد والسياسة ايضا . 

واليك فيمايلي نص المقال :

إصلاح الرئاسة وضرورة إنشاء مركز دعم القرار

تشتمل الوثيقة الحكومية حول سياسات إصلاح القطاع العام الصادرة بعنوان "إدارة حكومية افضل لتحقيق نتائج افضل" على جانب مهم يقدم رؤية ما لاصلاح آلية العمل في رئاسة الوزراء جاءت تحت مسمى "صنع السياسات واتخاذ القرارات" ولقد تم تداول هذا الطرح  بعد التعديل الحكومي الأخير بالتزامن مع تصريحات من مسؤولين سابقين انتقدت بحدة آلية اتخاذ القرارات في مجلس الوزراء.

في البداية لا بد من الإشارة الى أن الرغبة في التغيير والإصلاح وفيما يتعلق ببيت الحكومة الأول تحمل مؤشرات حسنة وإدراكا واضحا بان الآليات السائدة أصبحت "عدة عتيقة" تجاوزها الزمن وتحتاج الى مراجعة جدية ومسؤولة هذه المرة اكثر من أي وقت مضى، ولكن يبدو أن السؤال المهم يبرز حول مدى ملائمة الرؤية المطروحة وقدرتها على تقديم حلول جذرية وموضوعية واكثر مأسسة وقابلية للمساءلة وإدراكا للمصالح الوطنية العليا؛ أي مدى تجسيد هذه الرؤية للحاجات الحقيقية والأولويات الموضوعية التي تكفل خلق تراكم في جهود إصلاح القطاع العام يبدأ من المرجعية العليا لصنع السياسات واتخاذ القرارات أي الرئاسة ومجلس الوزراء ويصل الى ادنى مستويات الادارة الحكومية، وبالمناسبة يقودنا هذا الطرح الى ظاهرة أخرى بدأت تتعمق في السلوك العام للإدارات الحكومية حيال سياسات الإصلاح وهي ازدحام الاستشارات والدراسات والخطط والاستراتيجيات التي يوكل إعدادها لشركات ومكاتب استشارات من القطاع الخاص المحلي والدولي , وبالتحديد الشركات الاجنبية  ففي العام الماضي أحيلت اكثر من عشر دراسات من قبل مؤسسات حكومية ومعظمها تتعلق بسياسات الإصلاح واعادة الهيكلة على مؤسسات وشركات أجنبية.

تتحدث الوثيقة الحكومية الخاصة بالإصلاح الإداري والتي تم إعدادها من قبل شركة بريطانية في مجال صنع السياسات واتخاذ القرارات عن ثلاثة محاور أولها تعزيز قدرات مجلس الوزراء بما يمكنه من التركيز على اتخاذ القرارات المتعلقة بالسياسات الاستراتيجية وادارة أداء الحكومة عن طريق تأسيس لجان وزارية دائمة تختص كل منها بقطاع محدد لمساندة المجلس في تطوير السياسات , وتطوير أداء سكرتارية المجلس واعادة تنظيم الإجراءات الإدارية , ويتناول المحور الثاني تنفيذ "برنامج تدريب القيادات العليا" لتعزيز القدرة على وضع السياسات العامة في الوزارات وتحسين المهارات المتعلقة بها ,  واخيرا يتحدث المحور الثالث حول تخفيف العبء الإداري عن كاهل رئيس الوزراء ومجلس الوزراء عن طريق إصلاحات تشريعية تتعلق بتفويض الصلاحيات.

إن المراجعة البسيطة لمحاور هذه الرؤية تفضي الى أن الخطوط العامة لهذا الطرح تفتقد لواحدة من أهم القضايا التي تشكل جوهر الإصلاح الإداري ومركزه وهي توفر الإطار المؤسسي ومأسسة الأهداف من خلال توفير آليات للتنفيذ قابلة للديمومة والاستمرار وللبناء عليها، ولعل الإصلاح الذي لا يذهب نحو تجذير المأسسة وتأصيلها سيبقى مفتقدا للبنى التحتية ولعموده الفقري الذي يحفظ له الاستمرار والتوازن ويمنحه الشكل والمضمون، حيث نلاحظ أن غياب المأسسة في مشاريع الإصلاح الإداري ذاتها عبر اكثر من ربع قرن من تاريخ الإدارة العامة يعد المصدر الأول لتشتت الجهود وعدم القدرة على التراكم في الإنجازات .

البعض يعتقد ان كل جيل جيد من القيادات الإدارية يطرح رؤية للاصلاح يأتي ليهدم ما سبق بناؤه , لكن في معظم الأحيان نكتشف انه لم يهدم شيئا لان الحقيقة تشير الى عدم وجود شيء يهدم سوى الإنشاء السياسي الذي لا يصنع إصلاحا حقيقيا  في ظل غياب المأسسة.

ان فتح ملف صنع السياسات واتخاذ القرار المرتبط بإصلاح آليات عمل الرئاسة، بلا شك يحسب لهذه الحكومة في جرأة طرحه ووضع اليد عليه مما يتطلب توفر أطر مؤسسية فاعلة ودائمة اكبر من صيغة اللجان، في الوقت الذي يزداد فيه الإدراك العام لأهمية البحث العلمي وإدامة إجراء الدراسات والبحوث المعمقة وارتباطها المباشر بكفاءة القرارات السياسات، وفي هذا الإطار تبرز بقوة فكرة ضرورة إنشاء مركز "دعم اتخاذ القرار وصنع السياسات" يرتبط برئاسة الوزراء ويكون الاطار المؤسسي لتنظيم برامج الإصلاح  وبمثابة عقل الدولة الأردنية في دعم القرار الحكومي ويمكن الاطلاع والاستفادة من التجربة المصرية, ويشار في هذا المجال الى ان المركز المصري يعد تجربة ناجحة بكافة المقاييس وحاز على افضل مؤسسة حكومية عربية.

ان مركز دعم اتخاذ القرار وصنع السياسات إذا ما شيد على أسس علمية سوف يسهم في ترشيد القرار الحكومي ودعم صنع السياسات العامة بما يخدم المصالح الوطنية الأردنية ويعزز القدرة على تحديدها بدقة وتحديد آليات الوصول إليها , مما ينعكس إيجابيا على معدلات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ؛ أي الوقوف على أسباب النهوض الوطني من خلال توفير المعلومات وإجراء الدراسات والبحوث ووضع السيناريوهات والبدائل، وتتحدد أهداف المركز في بناء وتطوير نماذج اقتصادية وسياسية وثقافية تلبي احتياجات دعم القرار في القضايا الوطنية وصياغة وإصدار مؤشرات وطنية تنموية واقتصادية كلية وقطاعية يمكن من خلالها رصد الحركة التنموية بشقيها الاقتصادي والاجتماعي والتنبؤ بالأزمات الاقتصادية والسياسية وحتى الاجتماعية ورصد مؤشراتها قبل وقوعها واقتراح سبل علاجها , وتقديم الدراسات والتقارير الدورية التي تهم متخذ القرار والمتابعة والرصد اليومي لاهم الأحداث والظواهر المحلية والإقليمية والدولية وتحليلها علميا من منظور المصالح الوطنية والقيام بإجراء الدراسات المستقبلية التي تعنى بشؤون السياسات العامة وتقدم رؤية واضحة لمتخذ القرار حولها.

ويمكن ترجمة هذه الأهداف بمأسستها في إطار عمل المركز ضمن وحدات معلوماتية وبحثية من قبيل بناء قواعد البيانات والمعلومات المتخصصة في مختلف المجالات التي تهم متخذ القرار , وبناء خرائط تنموية قطاعية وزمنية للمحافظات وإنشاء وحدات متخصصة بالدراسات المستقبلية ووحدة متخصصة بالتنبؤ بالكوارث والأزمات ووحدة متخصصة باستطلاعات الرأي العام المجتمعي في القضايا التنموية ووحدة متخصصة بتقنيات دعم القرار الحكومي، إضافة الى وحدة مراقبة الأداء العام ووحدة جودة الإدارة الحكومية.

ان المأسسة في ابسط ملامحها تعني الاستغلال الأمثل للموارد البشرية، وهنا يمكن لمركز دعم اتخاذ القرار وصنع السياسات ان يوفر شبكة عملاقة من الأكاديميين والخبراء توظف طاقاتهم لخدمة المصالح الوطنية الأردنية، هناك خمسة آلاف أكاديمي أردني في الجامعات المحلية لا يكاد إسهامهم في التنمية الوطنية يذكر عدا دورهم في التعليم , وهناك مئات من كبار الخبراء الذين خرجوا من الإدارة الحكومية الى التقاعد وهناك أعداد مماثلة في القطاع الخاص، يمكن لهذه الخبرات ان تتجمع ضمن آليات محددة لتقديم الاستشارات والخبرات.

فالحاجة هي الأساس في التغيير إذا ما توفرت القدرة على تحديد هذه الاحتياجات بدقة وتحديد أولوياتها، نلاحظ خلال فترة  عقد ونصف مضت   يمكن مراجعتها في دائرة الوعي حجم القرارات المتخذة التي تم التراجع عنها وتلك التي أهملت بعد ان تم إدراك ضعفها او مخاطرها او تلك التي دٌفع ثمنها، ونرصد كذلك خطط التطوير والاستراتيجيات التي تم التراجع عنها ومن بينها استراتيجية الإصلاح والتطوير الإداري السابقة.

وببساطة يمكن إحالة هذا الواقع الى عدم مأسسة عقل الدولة، الذي نحن بأمس الحاجة إليها اليوم. كما اننا بأمس الحاجة الى ادراك ان مراكز البحث العلمي على مختلف مسمياتها هي التي تدير العالم اليوم وهي التي تنهض بالدول وبالاقتصاد والسياسة ايضا .    

كاتب أردني    

المصدر : http://www.alghad.jo/?article=182