قمة "الثماني الكبرى"... فرصة للضغط على روسيا!

 

جاري كاسباروف

 

كلما نظرت إلى التعامل الغربي المتسامح مع روسيا، استحضرت المقولة الشائعة التي تنسب إلى وينستون تشيرشل "مهما كانت الاستراتيجية رائعة، يجب أن ننظر أحياناً إلى النتائج". فقد ركز الرئيس بوش الابن طيلة السنوات الخمس الأخيرة على ضرورة إبقاء باب الحوار مشرعاً مع الرئيس فلاديمير بوتين، مشيراً إلى الجهود التي بذلها لإقناعه بأن "من مصلحته تبني القيم الغربية والقيم الإنسانية". كل هذا يبدو جيداً ومعقولاً، لكن بدلاً من التركيز على ما هو نظري، ثمة سجل بات معروفاً ويظهر أن أسلوب الإقناع والتهدئة فشل في تحقيق النتائج المرجوة ولم يعد ينفع مع روسيا. وقد حان الوقت ليتخذ القادة الغربيون موقفاً أكثر حزماً حيال سياسة الرئيس بوتين إذا كان لخطابهم عن الديمقراطية أن يكتسب أية مصداقية في العالم. وفي هذا السياق يمكن استغلال الفرصة السانحة التي يوفرها انعقاد قمة قادة الدول "السبع الكبرى" في سانت بيترسبرج، وقد تعمدت هنا ذكر الدول "السبع" وليس "الثماني" لأنه مازال يحدوني الأمل في أن يعود الغرب إلى رشده ويرهن مشاركة روسيا في القمة بتحولها إلى الديمقراطية.

ويأتي اجتماع القمة الذي سيعقد خلال الأسبوع الجاري في روسيا ليمنح قادة الدول الغربية فرصة الاطلاع بأنفسهم على المستوى المتدهور الذي آلت إليه الأمور هناك. فقد تراجعت قدرة الروس على انتخاب حكامهم وممثليهم في البرلمان في ظل تصاعد نفوذ السلطة التنفيذية. وحتى ألكسندر فيشنياكوف، رئيس اللجنة المركزية للانتخابات، الذي كان يمرر جميع نتائج الانتخابات خلال فترة بوتين، قال مؤخراً إنه إذا تمت المصادقة على جميع التشريعات التي اقترحها حزب "روسيا موحدة" التابع لبوتين، فستتحول الانتخابات إلى "مهزلة". والمعروف أن نشطاء المعارضة والصحفيين يتعرضون للاعتقال والاستجواب بشكل روتيني في روسيا. كما أن الكرملين الذي فرض سيطرته الكاملة على القضاء، لا يتوقف عن نهب الشركات الخاصة واستخدام تلك التابعة للدولة لغسل الأموال في الخارج.

ورغم اعتقاد الرئيس بوش وقادة الدول الأوروبية بأنه من الأفضل إدارة ظهورهم لتلك الانتهاكات مقابل الحفاظ على تعاون روسيا في قضايا الأمن والطاقة، فإن موقفهم النفعي وغير الأخلاقي في إقناع روسيا بالانتقال الديمقراطي لم يؤتِ أكله. فقد تحالفت روسيا، كما كانت في العهود السابقة، مع حكام غير ديمقراطيين ودول مارقة بدءاً من دعمها لإيران نووية، وتقديمها تكنولوجيا الصواريخ إلى كوريا الشمالية، وليس انتهاء بمنح السودان طائرات عسكرية والتعامل مع النظامين في ميانمار وفنزويلا، ثم صداقتهم الناشئة مع "حماس". فهل هذه هي النتائج التي كان ينتظرها الغرب جراء سكوته عن انتهاك حقوق الإنسان في روسيا؟ والمطلوب اليوم من قادة الدول الغربية التوقف عن التظاهر بأن الكرملين يشاطرهم نفس المصالح العالمية. فأسعار الطاقة المرتفعة التي يوظفها بوتين لإحكام سيطرته على السلطة يجنيها بسبب التوترات الناتجة عن ملف كوريا الشمالية، أو الملف النووي الإيراني. وليس غريباً أن تعمد روسيا إلى عرقلة صدور أي قرار أممي يفرض عقوبات على كوريا الشمالية، أو إيران، لكن المثير للاستغراب حقاً هو مواصلة الغرب تعامله مع روسيا كحليف.

إلى ذلك من المتوقع أن يشارك مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية في المؤتمر الموازي الذي سيعقد يومي الثلاثاء والأربعاء بتنظيم من المعارضة التي ساهمتُ شخصياً في تأسيسها. وسيحضر المؤتمر سياسيون ومنظمات غير حكومية من جميع أنحاء روسيا ومن مختلف ألوان الطيف السياسي الروسي بهدف إطلاع الحكومة والشعب الروسيين، فضلاً عن الجمهور العالمي، على عمق الأزمة الوطنية التي نمر بها هذه الأيام. كما نتوخى من خلال المؤتمر مناقشة سبل الخروج من الوضع الراهن، لاسيما أن الوقت لم يفت بعد، ومازال أمامنا الكثير للقيام به من أجل تعزيز الديمقراطية في البلاد وتطويرها. وسنحاول أيضاً تنبيه المواطنين بعدم الإذعان لمحاولات شرائهم بواسطة الريع النفطي، وبعدم الانخراط في أوهام الرجوع إلى أيام القوة العظمى. وسيكون المؤتمر فرصة لا تعوض لدعوة الغرب إلى الوفاء بخطابه حول حقوق الإنسان بأن يحذر بوتين من أن الشراكة التجارية والأمنية معه هي في خطر إذا لم يغير سياساته.

فقبل أيام قليلة فقط، تعرض العشرات من النشطاء في المعارضة إلى الاعتقال والضرب وهم متوجهون في طريقهم إلى مقر انعقاد المؤتمر بعدما أصبحت حيازة أدبيات المعارضة محاولة "لتقويض النظام الدستوري". فهل ستجلس الوفود الغربية مكتوفة الأيدي معتصمة بالصمت؟ ولمَ لا؟ فقد يكون الصمت أفضل إذا كان سيكتفي بوش بتلفظ عبارات هزيلة عن انزعاجه مما يقع في روسيا، ثم يعود سريعاً إلى التأكيد على علاقاته الخاصة مع بوتين. وقد لا أجد عزائي سوى في موقف الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريجان الذي تبنى موقفاً صارماً تجاه الاتحاد السوفييتي ذكرنا حينها بوجود من يشعر بمحنتنا ويتعاطف معنا. أما اليوم فكأن لسان حال الرئيس الأميركي بوش يقول للروس إن العراقيين والأفغان يستحقون الديمقراطية أكثر منكم. ولا ننسى أن روسيا التي تشهد هذا التراجع في الحريات العامة عرفت خلال المدة الفاصلة بين الحقبة القاتمة للنظام الشيوعي وبين مرحلة بوتين، فترة معتبرة من الحرية كانت مرشحة لتكون أرضية خصبة لبناء قاعدة ديمقراطية في روسيا لو لم يعمل بوتين على إضعافها وإزالتها من الوجود، لذا أرجو ألا يخلط القادة الغربيون وهم يتعاملون مع الشأن الروسي بين ما يصب في مصلحة بوتين، وبين ما يخدم المواطن الروسي.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-11-7-2006