اليمن: "بن شملان".. تكنوقراطي إلى الجبهة السياسية

 

عبدالكريم سلام

 

 

بعد إعلان أحزاب المعارضة اليمنية عن تسمية المهندس فيصل بن شملان، مرشحا عنها لخوض الإنتخابات الرئاسية القادمة، تراوحت ردود الفعل بين الترحيب والإستغراب والتشكيك.

الأحزاب المعارضة الرئيسية المنضوية في إطار "اللقاء المشترك" فاجأت الجميع عندما أعلنت عن تسمية مرشح للرئاسة من غير المنتمين إلى أي منها.  

بُـعيد إعلان أحزاب المعارضة اليمنية، المنضوية في إطار تحالف اللقاء المشترك، تسمية مرشحها المهندس فيصل بن شملان، أطلقت شخصيات قيادية تصريحات قوية تُـطالب الحزب الحاكم، المؤتمر الشعبي العام أن يهيئ نفسه لتقبّـل الهزيمة في الانتخابات الرئاسية القادمة.

ومع أن مثل تلك التصريحات النارية تُـعدّ من العوائد المألوفة، التي عادة ما تسبق الانتخابات كحملة مبكرة، إلا أنها في حالة المعارضة اليمنية اليوم ليست كذلك فقط، بل وتُـعد في نظر الكثير من المراقبين والمتابعين للشأن اليمني، مؤشرا على استعداد المعارضة هذه المرة بموقفها بعد خروجها بموقف موحّـد لخوض الانتخابات الرئاسية والمحلية المقررة في شهر سبتمبر القادم في جبهة واحدة.

اتفاق المعارضة على مرشح من خارج صفوفها الحزبية، عُـدّّ انتقاصا من حقها من قبل الحزب الحاكم الذي علّـق على هذه الخطوة بالقول: "إن المعارضة لم تجد من بين صفوفها نزيها واحدا تركن إليه في خوض غمار الاستحقاق الانتخابي القادم"، وهو ما تكرر على لسان رئيس الحزب، رئيس الجمهورية علي عبدالله صالح، الذي قال في أول تعليق له على ترشيح المعارضة لشخصية من خارج صفوفها: "إن القيادات الحزبية لم تدخل هذا المعترك، وبحثت عن أخ آخر يمثلهم في الانتخابات الرئاسية". وقال: "شخص نزيه وشريف.. ألا يكون هناك في قيادات هذه الأحزاب السياسية، مع احترامنا وتقديرنا لجميع الشخصيات السياسية الشريفة والنزيهة".

إلا أن محمد الصبري، رئيس الدائرة السياسية في التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، وفي معرض ردّه على سؤال لسويس انفو حول سبب اختيار المعارضة لمرشح من خارج صفوفها قال: "أحزاب اللقاء المشترك تخلّـصت من الحسابات الحزبية من وقت مبكّـر وتعاملت منذ أن وضعت لنفسها برنامج الإصلاح الوطني على هذا الأساس، واعتبرت أن الإشكال المطروح على اليمن هو قضية الإصلاح السياسي الشامل، وأن الانتخابات هي المدخل الحقيقي للتغيير والإصلاح الذي جاء به البرنامج، الأمر الذي أعطى المشاركة في الانتخابات بُـعدا ديمقراطيا أكثر من كونه بُـعدا حزبيا".

رئيس عن اليمنيين ولكل اليمنيين

الاعتبار الثاني الذي أدّى إلى توافق المعارضة على هذا القرار، هو أن مجموعة الأسماء التي طُـرحت كان الأوفر حظا منها، هو فيصل بن شملان الذي اختير لقبوله برنامج اللقاء المشترك ولخبرته وتجاربه الإدارية كتكنوقراطي متمرّس ممّـن خبروا الإدارة، وواحد من الذين سجّـلوا مواقف مُـشرّفة في النزاهة، باتت معروفة للقاصي والداني في البلاد.

الاعتبار الثالث، وهو الأهم، أن أحزاب اللقاء المشترك نظرت لموضوع المرشح للانتخابات الرئاسية من زاوية الدور الوظيفي الذي ينبغي أن يكون لرئيس الدولة، بحيث يكون مسؤولا عن كل اليمنيين ولكل اليمنيين، وليس للحزب الذي ينتمي إليه بُـغية تحقيق الفصل ما بين الحزب وما بين أجهزة الدولة، بمعنى أن أحزاب اللقاء المشترك أرادت أن تؤسس لحقبة ديمقراطية مُـنسجمة مع رؤيتها الإصلاحية في التغيير، لأننا إزاء مرحلة خطرة، مرحلة تَـحوُّل تحتاج إلى تعامل مع الانتخابات من هذه الزاوية، زاوية هندسة الانتقال الديمقراطي، وهذه الرؤية لم تأت وليدة اللحظة، وإنما نتيجة لمخاض طويل امتد من 26 نوفمبر 2005، وحتى تسمية مرشح المعارضة يوم 3 يوليو الجاري.

وكانت الأحزاب المعارضة المنضوية في إطار اللقاء المشترك، وهي (التجمع اليمني للإصلاح والحزب الاشتراكي اليمني والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري وحزب الحق واتحاد القوى الشعبية) قد فاجأت كل الأوساط عندما أعلنت تسمية مرشح للرئاسة من غير المنتمين إلى أي منها، فيصل بن شملان البالغ من العمر 72 سنة والمعروف بمجموعة من الخصال ذاع صيتها بين اليمنيين قبل الوحدة وبعدها.

فالرجل الذي درس الهندسة المدنية في جامعة كينغستون في بريطانيا، وعمل في ظل الإدارة البريطانية التي كانت تحتل جنوب البلاد، تمكّـن، حسب الذين يعرفونه عن كثب، من خط فلسفة خاصة به تقوم على المواءمة بين مُـقتضيات الإدارة الحديثة، كما رسّـختها التجارب المعاصرة، وبين متطلّـبات الواقع اليمني. لذا، حسب ما ينقل أحد رفاقه، فإن فلسفته تلك كثيرا ما سبّـبت له بعض المتاعب، لكنه في كثير من المواقف الصعبة التي تعرّض لها، لم يُـساوم على قناعاته تلك، وإنما آثر في بعضها الاستقالة على البقاء في ظل وضع يتطلّـب منه مثل تلك المساومة أو المقايضة.

أين سيكون بن شملان؟؟

فخلال تقلّـده لبعض المهام إبان حُـكم الحزب الاشتراكي اليمني في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية سابقا (في الجنوب)، حافظ على استقلاليته رغم ديكتاتورية الحزب الشديدة، التي كانت تطبّـق على الإدارة العمومية، إلا أن بن شملان بما كان له من قُـدرات التكنوقراطي وصراحة وصرامة الرجل المستقيم، ظل شخصية لها فرادتها في المنافحة عن مَـنطق الإدارة مقابل مَـنطق الحزب وسلطانه، ولعل ذلك ما أكسبه احترام الجميع، رغم عدم مشاطرته لهم قناعاتهم وخياراتهم الأيدلوجية كما يقول أحد رفاقه.

وقد ظل على استقلاليته ولم يُـعلن عن انخراطه في العمل الحزبي إلا بعد الوحدة مباشرة عام 1990، عندما شكّـل حزبا مع مجموعة من رفاقه اسماه "المنبر الحر"، وهو حزب جمع بين المرجعية الإسلامية المعتدلة والخيار الليبرالي الحر، لكنه لم يدُم طويلا، إذ سرعان ما انخرط أعضاءه في أحزاب أخرى، فيما اختار بن شملان العودة إلى استقلاليته.

ويسجل لمرشح المعارضة أنه كلّـما وجد نفسه في موقف يدعوه إلى العمل خارج إطار المحددات والمقتضيات التي تنظم سير عمل المرفق الذي يشغله، سرعان ما يبادر إلى تقديم استقالته، وأشهرها استقالته من وزارة النفط التي تولّـى حقيبتها لبضعة أشهر خلال الفترة ما بين (1994 - 1995)، وكان سبب استقالته، حسب ما نقل عنه، التسويف في اعتماد قانون تنظيمي للوزارة كان قد وضعه حينها.

كما اكتسب شهرة واسعة خلال عضويته في مجلس النواب كنائب مستقل ورئيس لكتلة المستقلين في المجلس وتصدّيه للكثير من قضايا الفساد بتدخّـلات ما زال الناس يتذكرونها ويرددونها، كمواقف تحسب للرجل. وعندما مدّدت الفترة النيابية للمجلس الذي كان عضوا فيه من أربع سنوات إلى ست سنوات، اعترض على ذلك بتقديم استقالته بحجّـة أن ناخبيه صوّتوا له لمدة أربع سنوات وليس ست سنوات.

من الواضح أن الكثير ممن يعرفون الرجل عن قرب وعملوا معه، يعدونه واحدا من رجالات التكنوقراط القلائل الذين نالوا تأهيلا متميزا، ثم عركتهم الإدارة خلال مشوار طويل من العمر، علاوة على ما يتمتع به من خصال الاستقامة والنزاهة في مختلف مراحل حياته العملية، وهم ينقلون بعض الوقائع التي تؤكّـد على مثل هذه القيّـم السلوكية، وهو يمثل، حسب كثير من رفاقه، نموذجا مماثلا لنموذج فرج بن غانم، الذي استقال من رئاسة الحكومة اليمنية المشكّـلة عام 1997 لتعارض حال إدارتها بعد ذلك مع متطلبات سيرها التكنوقراطي.

الخلاصة، أن الحديث الذي يروج عن الرجل في جميع الملتقيات لا يخرج عن هذه الصورة، مما يدفع المتابع إلى التساؤل: عما إذا كانت مثل تلك الصورة بكل جوانبها المثالية تتغذى على الحنين إلى الخلاص من أسر اللحظة المليئة بالمنغّصات إلى النموذج المثالي؟ لاشك أن هكذا توق لا ينفصل كثيرا عن الثقافة السياسية التي مازالت تنتظر "البطل المنقذ" ليخلّـصها من أسْـر هذه اللحظة الواقعة إلى اللحظة الممكنة فتصور بعض الأمور بمنطق الأمل الموعود، وهو المنطق ذاته الذي صنع هالات المستبدّين، كما تشهد على ذلك الحياة العربية بكل مساوئها ومرارتها.

فأين سيكون الرجل من كل ذلك؟ الإجابة، على ما يبدو، ستبقى مؤجلة إلى الانتخابات، ما لم تكن إلى ما بعدها، خاصة والرجل يخوض المواجهة الآن على جبهة السياسة بعد عمر مديد من المواجهة على الجبهة التكنوقراطية.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر:swissinfo- 10-7-2006