منظمات المجتمع المدني في العراق: تفعيل برامج متميزة لكل منظمة.. وتحديد آليات ومصادر التمويل

 

 

منظمات المجتمع المدني بانتظار قانونها الجديد

وضع وزير الدولة لشؤون المجتمع المدني، نهاية سريعة للجدل الدائر بشأن مشروع قانون المنظمات غير الحكومية، في اول اجتماع له مع الدائرة القانونية، الذي انتهى بسحب مشروع قانون المنظمات من مجلس شورى الدولة، مما اتاح الفرصة لمنظمات المجتمع المدني ان تجتهد وان تتحرك في فضاءات جديدة مما حفز العديد من المنظمات لكتابة مسودات وصل عددها الى اكثر من ثلاث عشرة مسودة على أمل ان تعرض في مؤتمر عام ينعقد في الاول من تموز ويحضره ممثلوا اكثر من 40 كيانا يمثلون اكثر من ثلاثة آلاف منظمة، وبحضور ممثلين عن مجلس النواب.

 وللاطلاع على وجهات نظر ممثلي المنظمات حملنا عدة تساؤلات بشأن من يحق له اصدار قانون وما مثالب القانون السابق؟ وما الذي يجب ان يتضمنه القانون الجديد؟ وتباينت وجهات النظر حيال ذلك، لكن اتفق الجميع على ضرورة مشاركتهم في طرح رؤاهم وتصوراتهم وأهمية اكتساب الشرعية في مجلس النواب وعلى فرز المنظمات الوهمية ومراقبة الاموال التي تحصل عليها هذه المنظمات ومصادرها وتحديد آلية التمويل، وعدم جعل المنظمات وكالات لخدمة الاجندة الاجنبية، كما أثارت بعض المنظمات مسألة استئثار اخرى بمبالغ بصورة متكررة دون اخرى اي اقتصار التمويل على منظمات محددة دون غيرها، كما أكد ذلك المحامي طارق حرب الذي قال:(بعض منظمات المجتمع المدني قد وردت اليها اموال طائلة وان قلة منها قد خرجت عن النشاطات المعروفة للمجتمع المدني) وبالامكان التأكد من الارقام الخيالية لمدخولات بعض منظمات المجتمع المدني.

وثمة منظمات استعرضت نشاطاتها وبامكانات بسيطة وكلها حماسة من اجل خلق مجتمع مدني يسهم في عملية البناء الديمقراطي.

1- د. أزهار الشيخلي* : مراعاة معطيات المرحلة الراهنة

اعتقد ان الجهة التي يحق لها اصدار تشريع بهذا الشأن هي مجلس النواب وعلى منظمات المجتمع المدني ان تقدم مسودتها المقترحة بعد مناقشتها عبر المؤثرات وعرضها على القانونيين ويجب ان تتلاءم مع معطيات المرحلة الراهنة والمستقبلية واجراء التعديلات والتغييرات على ما جاء في المسودة القديمة وخاصة الفقرات التي تحد من عمل منظمات المجتمع المدني والتي تتعارض مع مفهوم عمل منظمات المجتمع المدني، ومجلس النواب سيمنح الصفة القانونية على وفق معطيات المسودة المقترحة من قبل المنظمات ذاتها وعندها سيكون القانون معبراً عن رغبات ورؤى ووجهات نظر ممثلي المنظمات مما يمنحها الشرعية في اداء عملها شريطة ألاّ تضع نفسها فوق القانون وان تعي هذه المنظمات دورها وأهميتها في عملية البناء الديمقراطي الذي تضطلع منظمات المجتمع المدني فيه بدور كبير وان تحافظ على استقلاليتها عن السلطة السياسية وعن هيمنة الدولة والتحزب وان ينطوي عملها على وفق الروابط الاجتماعية والثقافية والانسانية وان يمنحها القانون الجديد حرية الحركة لاداء دورها في اللحظة الراهنة والتأكيد على الهوية الوطنية ونبذ االتطرف وترسيخ وتأصيل الممارسة الديمقراطية.

ومن المخالفات غير المنطقية ان تكون منظمات المجتمع المدني خاضعة للسلطة التنفيذية الممثلة بوزارة لمنظمات المجتمع المدني، فلا اعتقد ان ثمة حاجة لوزارة فعمل هذه المنظمات هو اشغال الفضاء بين الفرد والدولة ومراقبة اداء مؤسسات الدولة.

2- عباس النوري*: لا قانون من طرف واحد 

برأيي ان البرلمان والمختصين من القضاة والحقوقيين ورؤساء منظمات المجتمع المدني، والملاحظ الان طرحت عدة مسودات قانون بشأن منظمات المجتمع المدني بعد ان سحب وزير الدولة لشؤون منظمات المجتمع المدني المسودة القديمة وهذه خطوة وموقف يسجل للوزير، لكن باعتقادي الشخصي ان طرفاً واحداً واقصد هنا منظمة المجتمع المدني ان تطرح قانونا من طرف واحد فهذا غير منطقي على الرغم من اننا كمفوضية ايضا نشارك وقدمنا مسودة قانون، فاذا اردنا ان يكتسب القانون الجديد الشرعية والواقعية، ان تشارك في الاعداد والمناقشة عدة جهات محايدة، فضلا عن وجهات نظر المنظمات واقتراحاتها وتصوراتها وتعرض على البرلمان.

ولي ملاحظة اخرى ان وزارة الدولة لشؤون المجتمع المدني اسمها يخالف مضمون عملها، وانها بهذا المضمون تشمل الشعب كله من رئيس الجمهورية الى عامة الناس.

اما بشأن المسودة القديمة فانها قد حملت الكثير من المواد السلبية وما سحبها الا تأكيد على ذلك، ولكن من الضرورة بمكان ان يتضمن القانون الجديد، التركيز على استقلالية المؤسسات المدنية عن الحكومة والاحزاب السياسية، والتأكيد على أهمية الرقابة المالية والجنائية على المنظمات وان يتم ذلك على وفق قانون يحدد اطار عملها فهذه المنظمات ليست فوق القانون اذ ان القانون فوق الجميع، ومن النقاط المهمة الاخرى مراعاة ان يكون الدعم وطنياً، فبعض الدعم الاجنبي جزء منه جاء لشراء الضمائر وباعتقادي الشخصي ان هذه الجهات هي أخطر من الاحتلال بذاته.

3- عمار النقدي*: الإفادة من تجارب الدول العريقة

اكثر المنظمات تحالفت او شكلت اتحادات والغرض من ذلك، اعداد مسودة قانون لمنظمات المجتمع المدني ينظم عملها ويمنحها الشرعية، وعليه يجب ان نحصل على موافقة مجلس النواب، وطرحت عدة مسودات بهذا الشأن وسنتوج هذه المساعي بانعقاد المؤتمر المزمع انعقاده في 1/ 7 وتشارك فيه معظم المنظمات للاتفاق على المسودة النهائية، وبمساندة بعض اعضاء مجلس النواب، وقد أسهم في كتابة المسودة مجموعة من المحامين والقضاة، فضلاً عن الافادة من تجارب الدول العريقة في الديمقراطية.

 وأهم ما نسعى اليه في هذه المسودة الجديد هو ان تمنح المنظمات قوة الشرعية القانونية، وان تخصص الدولة منحاً لمنظمات المجتمع المدني، وان تكون هناك انسيابية في تسلم المساعدات من هيئات ومؤسسات الامم المتحدة دون الرجوع الى مرجعيات حكومية وأرى ان الوزارة تعتقد  ان دورها هو عرقلة ايصال المساعدات وتعيق عملها بحجة ان بعض المنظمات السابقة لديها اتصالات او تمول من الارهاب.

4- المحامي هاتف الاعرجي*: المسودة السابقة تدخل مباشر 

ان المادة 43 في فقرتها اولاً نصت على ان : (تحرص الدولة على تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني ودعمها وتطويرها واستقلاليتها بما ينسجم مع الوسائل السلمية لتحقيق الاهداف المشروعة لها وينظم ذلك بقانون) والقانون وتنظيمه هو من مهام البرلمان، وبالنسبة لمنظمات المجتمع المدني فان اغلبها نظمت مسودات توحدت بعد ذلك في مسودة واحدة وعلمنا انها وصلت دائرة التدوين القانوني في وزارة العدل، وجاء سحب مسودة الوزير السابق من قبل السيد عادل الاسدي الوزير الجديد، لان المسودة السابقة حملت روحية التدخل المباشر في شؤون منظمات ومؤسسات المجتمع المدني، في حين ان القانون يشير الى انها مؤسسات غير حكومية طوعية ومستقلة لا تقصد الربح مسجلة، تمثل مجموعة من الاشخاص ذوي شخصية معنوية، ولا يعني كلامنا هذا اننا ندعو الى عدم وجود تعاون بين هذه المؤسسات والوزارة (وزارة الدولة لشؤون المجتمع المدني) على ان يكون التعاون محكوماً بابداء العون (المساعدة لا بصورة التدخل او اعتبار هذه المنظمات جزءاً من الهيئات الحكومية فان تدخل السلطة في شؤونها يبعدها عن اطارها القانوني والديمقراطي وهي المنظمات مؤسسات مهمة وفاعلة في العملية السياسية وتطور مؤسسات الدولة الديمقراطية، فحقوق الانسان ومنظمات المجتمع المدني والديمقراطية من الاركان الاساسية لاية دولة ديمقراطية تهدف الى ان تكون دولة مؤسسات فعلاً، واعتقد ان وجود وزارة دولة لشؤون المجتمع المدني ضروري جداَ لتحقيق صورة من التعاون الذي يطور مؤسسات المجتمع المدني لا بصيغة الضم او التسلط بل الافادة من الخبرة وامكانيات السلطة في خدمة مؤسسات المجتمع المدني، وان ما شهدناه في فترة وزير الدولة لشؤون المنظمات، هو نوع من العلاقة غير الجيدة والمتوترة التي ابتدأت بصدور القرار 8750 الذي احالنا الى المكتب المهني في زمن الحكم البائد، عندما كان المكتب يتدخل بصورة مباشرة في شؤون النقابات والاتحادات المهنية والمنظمات ذات النفع الاجتماعي واعتبارها جزءا من مؤسسات المجتمع المدني، وذلك بالزامها ان تكرس جهدها لخدمة شخص الدكتاتور وسياساته، ومثل صدور هذا القرار 8750، اعلاناًَ من السلطة التنفيذية بأنها ستتدخل في شؤون المنظمات والاتحادات، وكان هناك رأي سديد للقضاء اذا أبطل مثل هذه التصرفات، خاصة فيما يتعلق بنقابة المحامين، فألغى تشكيل هيئة مؤقته يعينها الوزير للاشراف على الانتخابات واشار القرار القضائي الى ان مثل هذا الاجراء يعد تدخلاً سافراً في شؤون مؤسسات المجتمع المدني ومخالفاً لمبدأ رعاية وتطوير وتنظيم عملها، ومما زاد في العلاقة توتراً اصدار وزارة الدولة لشؤون المجتمع المدني مسودة مشروع لقانون المنظمات.

ان ما نريده من القانون الجديد ان تكفل الدولة حرية عمل المؤسسات في العراق وان تتحقق للمؤسسات واعضائها الحماية القانونية حال مزاولتهم لمهامهم، اضافة الى تقديم الدولة عبر الهيئة العليا لمنظمات المجتمع المدني، دعمها وحمايتها القانونية للمؤسسات العراقية العاملة في الداخل والخارج، والهيئة فيها اعضاء من البرلمان وممثلون عن منظمات المجتمع المدني في المحافظات، ممثل عن كل محافظة وممثلان اثنان عن السلطة (وزارة الدولة لشؤون المجتمع المدني) وتقترح الهيئة على الحكومة مشروعاً لتعديل القوانين المتعلقة بالمجتمع المدني، وللمؤسسة حق التعبير بالطرق القانونية كافة عن وجهة نظرها في اي موضوع يتعلق بأهدافها ونشاطها، شريطة الا يجوز لمؤسسة المجتمع المدني مزاولة النشاطات الحزبية او الترويج والتدخل المباشر فيها من قبل الاحزاب.                    

5- هناء ادور *: القانون يفصل دور المنظمات

الآلية المتعبة لكتابة مسودة مشروع في العرف الديمقراطي، تحتاج الى الاستشارة واشراك ذوي الاختصاص وذوي العلاقة في اي قانون كان وفيما يخص قانون منظمات المجتمع المدني يعني ذلك اشراك منظمات المجتمع المدني وحتى غير الحكومية في عملية صياغة المشروع من خلال الافكار والرؤى والتصورات والامكانات ولاسيما ان هذا القانون يعتمد تفصيل دور هذه المنظمات في نشاطاتها في اسناد العملية السياسية والاقتصادية والاجتماعية لانها الاساس في العلاقة مع الناس وبامكانها ان تكون جسراً للتعبير عن مطالب الناس للسلطة الدولة كما هي عامل مؤثر في التثقيف والتوعية بقضية الدستور والقوانين ونشر ثقافة حقوق الانسان وسيادة القانون.

 والمواطنة دور كبير تتحمله المنظمات غير الحكومية واذا أخذنا بنظر الاعتبار الخصوصية الحالية للمنظمات غير الحكومية والنشطاء منهم اصبحت لديهم خبرة وكفاءة اكثر مما تمتلكه احياناً بعض الاجهزة والمؤسات الحكومية فلماذا لا يشتركون بما يخص تنظيم وضعهم وعلاقتهم مع اجهزة الدولة ومع المؤسسات الاخرى وان تتطلق صياغة القانون على وفق ما ورد في الدستور العراقي، الذي يتحدث عن ضرورة دعم الدولة وتشجيعها لعمل منظمات المجتمع المدني واحترام حريتها واستقلالها.

6- جنان البغدادي *: تكاتف وتضامن المنظمات 

منظمات المجتمع المدني مستقلة غير حكومية فمن غير الممكن والمعقول ان تمثلها جهة حكومية كوزارة بحيث تمنحها الحق بأن تنظم مسودة عن طريق مستشارين قانونيين موظفين عائدين للوزارة ومن حق المنظمات ان تتكاتف وتتضامن فيما بينها، لتشكل هيئة قانونية عن الكتل المنشأة من المنظمات، وتقدم كل كتلة مسودتها المقترحة وتجمع المسودات التي أفرزتها هذه الكتل والخروج بمسودة واحدة تعبر عن المنظمات وتحمي حقوقها وتنظم عملها وتمنحها الشرعية والقانونية وتبين واجباتها. وان اية صيغة لربط منظمات المجتمع المدني بالوزارة تتعارض مع مفهوم منظمة المجتمع المدني المستقلة وغير الحكومية وعندها ستكون المنظمة دائرة من الدوائر الفرعية خاضعة الى الوزارة بكل المفاهيم والقوانين المرعية للوزارة.

7- طارق حرب*: فرض رقابة حكومية

الجهة المختصة باصدار جميع التشريعات وفي مختلف مناحي الحياة هي مجلس النواب على وفق الدستور.

فقانون منظمات المجتمع المدني بالامكان ان يروج له عن طريق مشروع او مسودة يرسلها مجلس الوزراء الى مجلس النواب، او ان يتقدم عشرون عضوا من مجلس النواب بهذا المشروع مباشرة الى المجلس دون ما حاجة الى سلوك السبيل الاول مجلس الوزراء. حيث قد لا حظنا ان بعض منظمات المجتمع المدني قد وردت اليها اموال طائلة وان قلة منها قد خرجت عن النشاطات المعروفة للمجتمع المدني، فاننا مع الضوابط التي توافق بين طبيعة وجوهر المجتمع المدني وحرمتها وبين عدم الانفلات الواقعي، فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة كما يقولون، وبالامكان التأكد من الارقام الخيالية لمدخولات بعض منظمات المجتمع المدني، او ان بعض هذه المنظمات قد امتهنت السياسة ورشحت في الانتخابات في حين ان من اول قواعد العمل في منظمات المجتمع المدني، الا تكون المنظمة سياسية، وان كان اعضاؤها يحملون افكارا سياسية او مرتبطين بأحزاب سياسية، يؤكد ذلك ما ورد في باب الحقوق والحريات في الدستور الخاص بتطوير منظمات المجتمع المدني، ويجب ان يكون اهم بند من بنود ذلك فرض رقابة مالية حكومية على الاموال التي تحصل عليها منظمات المجتمع المدني بحيث يمكن تسلم اي مبلغ لاية منظمة ما لم يكن عن طريق جهة رسمية حتى لا تتحول منظمات المجتمع المدني لوكالات اجنبية .

8- سناء الصباغ*: رئيسة منظمة المرأة العراقية المستقلة

أعتقد ان من الضروري ان تكون لمنظمات المجتمع المدني مفوضية خاصة نابعة من صميم هذه المنظمات وهي التي تمتلك الحق في اعداد مسودة لقانون يعرض على مجلس النواب ليمتلك الغطاء الشرعي ولا اجد مبرراً لوجود وزارة تعنى بشؤون منظمات المجتمع المدني فذلك يتعارض تماما مع وجودها ويتلاشى وتفقد امكاناتها في الضغط على السلطة التنفيذية وتعيدنا الى ما كان عليه في النظام السابق، وعلى القانون الجديد ان يوفر الغطاء القانوني والشرعي لان تكون المنظمة حرة مستقلة غير تابعة لاية جهة حكومية، وان يساعدها على ان تعمل لتحقيق اهدافها للمجتمع والفرد من اي تدخل حكومي يلغي هذه الاستقلالية، ويجعلها ضمن دوائر الدولة تسعى لخدمة الجهاز الحكومي من دون اية رقابة واي احتجاج وضغط، وفي دوائرنا الحكومية عندما يتولى اي موظف حتى قسماً صغيراً في دائرة حكومية متواضعة، فانك ترى الجميع يقوم باعطاء التنازلات له ليس لخدمة المصلحة العامة بل لخدمة هذا الشخص، هذا ما معمول به في دوائرنا حاليا من تفش لسوء الادارة فالاقتراب من دوائر الدولة بالنسبة للمنظمات سيفقدها اهم ما تمتاز به من استقلالية ودور رقابي على الدولة.

.............................................

1- وزيرة سابقة لشؤون المرأة

2- رئيس المفوضية العامة لمؤسسات المجتمع المدني 

3- رئيس منظمة الاصلاحيين في العراق والشرق الاوسط

4- كاتب وباحث قانوني 

5- جمعية الامل العراقية

6- هيئة دوميلو للسلام والحوار 

7- رئيس جمعية الثقافة القانونية

8- مفوضية خاصة للمنظمات

المصدر: جريدة الصباح- 9-7-2006