ضغط يولِّد الانفجار.. وآخر يولِّد ولاية رئاسية

 

فؤاد مطر

 

يبقى التواضع إزاء السلطة الرئاسية قائماً إلى ان يتربع من يحصل عليها ويجد نفسه أنه الآمر الناهي تمتد سلطته إلى حد غزو دولة شقيقة او فك حبل مشنقة او إرسال شركاء أو معارضين له إلى السجن او الدخول في محور بغرض المصلحة او الكيدية او فتح الابواب أمام إيواء معارضين غرباء يوظف «استضافتهم» في مآرب كثيرة.. هذا عدا كل صغيرة وكبيرة تتصل بالحياة اليومية للناس. ونحن اذا تأمَّلنا في المشهد الرئاسي العربي الذي هو جزء من المشهد الأرحب، أي العالم الثالث، نجد أن القاعدة خلت من الاستثناء، فلم يَقْنع احد من الرؤساء الجنرالات بالسنوات التي حددها الدستور، ثابتاً كان هذا الدستور او موقتاً، ولم يلتزم احد بما تعهَّد به بعدما بات في السلطة على خلفية قوله بأنه عندما ستستقر الامور سيسلِّم الأمانة إلى اهل السياسة مكتفياً بأنه «صحَّح» أو «أنقذ» او «انصف» او «حرر»... الخ. وحتى في لبنان الدولة التي لها دستور ثابت نجد ان مسألة التمسك ما أمكن بالرئاسة وعلى حساب ثوابت الحوار الدستورية شملت بعض اهل السياسة من المدنيين والجنرالين اللذين غادرا الثكنة وغرضهما «تأديب» السياسيين فإذا بهما يسعيان إلى البقاء الطويل في السلطة.

وحتى بعد تعرُّض الهيبة الرئاسية إلى صدمة بالغة القساوة كتلك التي اصابت الرئيس جمال عبد الناصر يوم 5 يونيو (حزيران) 1967، نجد أن الرئيس لا يتيح المجال لغيره، وإن كانت الرواية الهيكلية تفيد بأن عبد الناصر كان قرر بعد كارثة انفصال سورية عن مصر ترك منصب الرئاسة والعمل في صفوف الشعب. لكن الذي حدث هو أنه لم يترك وإنما خاض حرب اليمن لتثبيت الانقلاب الذي قام به عدد من الضباط برئاسة العقيد عبد الله السلال، وفي ظنه انه بهذا الدور يحتوي الصدمة السورية مع ان الذي حدث هو أن اسرائيل استغلت الانشغال المصري السياسي والعسكري باليمن ووجدت فيه خير مناسبة لتوجيه الضربة اللاحقة ضد مصر الناصرية يوم 5 يونيو 1967. وكان الاعتقاد السائد أن عبد الناصر سيتمسك بإعلانه من على شاشة التلفزيون وعبر الاذاعات المصرية يوم 9 يونيو قرار التنحي إلاَّ انه عاد في اليوم التالي عن القرار تجاوباً مع «الارادة الشعبية» المتمثلة بمسيرات جابت شوارع القاهرة وتشبه في بعض منطلقاتها تلك التي جابت شوارع العاصمة اليمنية يوم 20 يونيو (حزيران) 2006 رافعة صور الرئيس علي عبد الله صالح تطالبه بإعادة ترشيح نفسه لولاية رئاسية جديدة تمتد إلى العام 2013، وجاءت رداً على اعلان الرئيس يوم 17 يوليو (تموز) 2006 انه لن يعيد ترشيح نفسه بعد انتهاء ولايته مكتفياً بالثمانية والعشرين عاماً التي امضاها رئيساً للبلاد. وبين الاعلان واقتراب الموعد الذي ينص عليه الدستور اليمني وهو أن تتم اجراءات انتخاب رئيس الجمهورية قبل 90 يوماً من انتهاء ولاية الرئيس، مع اعطاء الرئيس صلاحية الاستمرار في مهماته اذا انتهت هذه المدة من دون إجراء انتخابات بتكليف من مجلس النواب، لم تشهد الاوساط السياسية اليمنية بمن فيها الحزب الحاكم (حزب المؤتمر) ما يشير إلى ان هنالك معركة رئاسية. وفي الوقت نفسه بدا الرئيس علي عبد الله صالح جاداً في انه لا يتطلع إلى ولاية رئاسية جديدة، كما بدا في الوقت نفسه أن هنالك سيناريو حزبيا يعمل على تهيئة المسرح السياسي لكي تتم الامور في نطاق «الشرعية الشعبية». وهنا يستوقفنا ما حدث في الجلسة التي عقدها الحزب الحاكم يوم الاربعاء 21 يونيو (حزيران) وكيف ان هذه الخطوة ايقظت في الذاكرة ما فعله (الاتحاد الاشتراكي) الحزب الحاكم في مصر لمجرد إعلان عبد الناصر عزمه على التنحي يوم 9 يونيو 1967. ففي الجلسة المشار اليها أوضح الرئيس علي عبد الله صالح للقياديين في حزبه انه سيعلن خلال الجلسة في اليوم التالي قراراً نهائياً في موضوع ترشيح نفسه وطلب منهم عدم تسيير التظاهرات الشعبية الحزبية في الوقت نفسه مختصراً الرأي بأن قضية الترشيح للرئاسة «ينبغي ألا تحدث من خلال التظاهرات». لكن حالة من الهرج سادت اجواء الاجتماع فغادر القاعة ثم عاد ليخاطب المؤتمر الحزبي قائلاً «ان السلطة مَغْرَم وليست مغنماً وسنضعها امام شعبنا ليتحمل مسؤوليته في اطار التبادل السلمي للسلطة. لقد انتهى عهد الانقلابات والمؤامرات والاستقواء بالخارج. لنحتكم جميعاً إلى الشعب. فالحديث عن السلطة ليس مسرحية سياسية او غزلاً سياسياً وأردت ان اضع الشعب اليمني امام مسؤولية تاريخية بكل فئاته وقواه السياسية. وهذه ليست مسرحية ابداَ، وحسمها ينبغي ألاّ يكون عبر التظاهرات والمسيرات. انا لست مريضاً ولست عاجزاً عن تحمُّل المسؤولية وعندما اتحدث معكم عن عدم رغبتي في الترشح فذلك ليس مسرحية سياسية بل من منطلق المسؤولية. ولقد ابلغتُ إلى الامين العام للمؤتمر وحذرتُ من اي مسرحية سياسية...».

جاء قرار الرئيس علي عبد الله صالح في توقيت مدروس. فليس في الساحة اليمنية فرسان للمنازلة. وساعد ترحيب الرئيس السابق لليمن الديمقراطي علي ناصر محمد وبعض السياسيين الجنوبيين من المعارضين على نشوء عصبية في الصف الشمالي وذلك مع ذيوع تكهنات بأن علي ناصر محمد يمكن ان يكون الرئيس الخلَف عملاً بمبدأ التداول السلمي للسلطة، فضلاً عن ان اليمن التي توحدت تتيح للجنوبي كما للشمالي الترؤس. بل ان علي ناصر ذهب بعيداً في الترحيب حيث انه دعا يوم 22 يونيو خلال رعايته في بيروت ندوة عن قضايا الاصلاح والتنمية في اليمن الرئيس علي صالح إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية «لتهيئة الساحة السياسية اليمنية لانتخابات حرة ونزيهة...». واضاف إلى ذلك قوله «ان القرار الذي اتخذه الرئيس علي عبد الله صالح جريء وشجاع، وإذا تمسَّك به فسيدخل التاريخ من اوسع ابوابه. ان التراجع عن القرار صعب لكن الأصعب هو تنفيذ القرار ـ ان الفساد يشكل اكبر خطر على النظام ومستقبله وكذلك على مستقبل الشعب اليمني، وانا لم اتخذ اي قرار في شأن ترشيح نفسي وارفض ان اكون مرشح تسوية...». اما بقية المصرِّحين وجُلّهم من المعارضين المحدودي الشأن فلم ينظروا إلى الأمر سوى انه مسرحية سياسية متقنة الإعداد. في المقابل كانت مراكز القوى في الحزب الحاكم (حزب الرئيس) تنشط من اجل اقناعه بالعدول عن قراره وقيل له من جملة ما قيل «ان عبد الناصر قرر التنحي بعد هزيمة ساحقة وليس بسبب انتصارات ترفع الرأس مثل التي حققتموها فلماذا الاستقالة». ومن جهتها نشرت بعض الصحف الرسمية مقالات افتتاحية تحضه على معاودة ترشيح نفسه. وهنا بدأت ملامح ضعف الرئيس امام مناشدات اتسمت بعض مفرداتها بـ «التوسل» فقال مازجاً بين العزوف وبين التذكير بالإنجازات التي يستحق بسببها تجديد الرئاسة: «انا لست تاكسي يستأجرني (حزب المؤتمر) او القوى السياسية الاخرى لصالحها لكي أُقلها إلى الفنادق. انا ارعى مصالح الأمة التي وثقت بي منذ 28 عاماً. انا لست مظلة لفساد حزب سياسي او قوى معيَّنة ولست مظلة لأن يفسدوا على حساب سمعة علي عبد الله صالح وجهده وعرقه وسهره ليل نهار على مصالح هذه الأمة لا على مصالحي. انا لم أحبس ولم أعدم احداً ولم استخدم القوة ضد احد وانا صاحب الشعار (الذي يستخدم القوة هو الجبان). وبعد الانقلاب الذي قام به الناصريون عام 1979 تم اعدام 22 من المسؤولين عنه بموجب احكام شرعية إلاَّ انني قمت بإلغاء بعضها...».

يوم السبت 24 يونيو 2006 وعلى وقع مسيرة مليونية كتلك التي شهدتها شوارع بيروت في ظروف تجمع المأساة والتحدي وقف الرئيس علي عبد الله صالح خطيباً في الجمع الغفير الذي تجمهر بالقرب من قصر الرئاسة قائلاً: «انني استجيب لمطالب جماهير الشعب التي جاءت مدفوعة بإرادتها واتراجع عن قراري رضوخاً لإرادة الشعب. سأكون جندياً معكم كما عرفتموني. ان المستقبل لن يكون مفروشاً بالورود على الإطلاق وهنالك حاجة ملحة إلى تضافر الجهود للعبور بالسفينة إلى شاطئ الأمان...».

في سبتمبر المقبل سيرشح الرئيس علي عبد الله صالح نفسه لولاية رئاسية جديدة مدتها سبع سنوات. ومع انه لن يكون رئيس تزكية بعد ترشيح احزاب المعارضة رسمياً الاحد 2 يوليو (تموز) 2006 الاسلامي الجذور الحزبية وزير النفط السابق المستقل فيصل بن شملان للرئاسة، إلاَّ ان ترشيح شخص آخر وصاحب سمعة طيبة مثل بن شملان سيكون بمثابة اختبار لقدرة المواطن اليمني على الاختيار: إما للرئيس الذي حقق الوحدة واتاح الفرصة امام انتساب قريب لليمن إلى مجلس التعاون الخليجي وصديق استراتيجي لأميركا، وإما للوزير السابق بن شملان ابن الثانية والسبعين الذي يحظى باحترام واسع وخاصة في المحافظات الجنوبية بسبب مواقفه المعلنة ضد الفساد الحكومي، ولأنه كان بعد تعيينه وزيراً للنفط في الدولة الموحَّدة عام 1944 استقال بعد عام من تعيينه احتجاجاً على استشراء الفساد في القطاع النفطي.

وللحديث عن الضغط الذي يولِّد ولايات رئاسية جديدة المزيد من التأملات. اما الضغط الذي يولِّد الانفجار في ظل رئاسات متواصلة وتاريخية فوقائعه كثيرة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-8-7-2006