أزمة التغيير في مصر بين معارضتين متنازعتين

 

د‏.‏ وحيد عبد المجيد

 

يحدث في مصر الآن ما حدث في بلاد عدة وقفت في مفترق طريقين‏,‏ وهو انقسام المعارضة إلي فريقين أحدهما إصلاحي والآخر جذري يزداد التباعد بينهما يوما بعد يوم‏.‏ وحين تكون المعارضة‏,‏ التي يصيبها هذا الانقسام منقسمة أصلا إلي عدد كبير من الأحزاب والمجموعات الصغيرة‏,‏ تبدو الخريطة السياسية مرتبكة ولا تخلو من التباس‏.‏

ومن أهم ملامح هذه الخريطة في مصر في اللحظة الراهنة تبلور معارضة جذرية مرتفعة الصوت شديدة الحدة في هجومها علي نظام الحكم ورموزه وصولا إلي رأس الدولة علي نحو يختلط فيه النقد الموضوعي بالشتم والإساءة والخطاب السياسي بالتجريح الشخصي‏.‏ ولذلك يسميها البعض معارضة فوضوية أو غوغائية‏.‏ غير أن هذا النوع من الأوصاف يزيد التسمم في الأجواء السياسية‏.‏

ولا يكفي التمتع بالمشروعية من عدمه للتمييز بين فريقي المعارضة الإصلاحية والجذرية‏,‏ أو وضع حدود بينهما‏,‏ بالرغم من أن أحزاب المعارضة الرئيسية التي تحظي باعتراف قانوني هي ركيزة الإصلاحيين‏,‏ فيما يفتقد معظم الجذريين مثل هذا الاعتراف‏.‏ فالأحزاب الثلاثة الأساسية وهي التجمع اليساري والوفد والناصري تمثل المعارضة الإصلاحية‏,‏ ولكن بعض أعضاء هذه الأحزاب ينشطون في صفوف حركات احتجاجية جديدة‏.‏ وإذا كانت هذه الحركات هي ركيزة المعارضة الجذرية‏,‏ إلا أن بعضها يعبر عن معارضة إصلاحية ويبدو أقرب إلي الأحزاب المشروعة منه إلي باقي هذه الحركات‏.‏ فعلي سبيل المثال تعتبر‏'‏ الحملة الشعبية من أجل التغيير‏',‏ وهي ثاني أهم الحركات الاحتجاجية الجديدة‏,‏ أقرب إلي حزب التجمع الإصلاحي منها إلي زميلتها الجذرية الأكثر شهرة وهي‏'‏ الحركة الشعبية من أجل التغيير‏'‏ التي استمدت شهرتها من شعارها المعروف‏'‏ كفاية‏'.‏ كما أن بعض قادة هذه الأخيرة وناشطيها إصلاحيون أكثر منهم جذريون‏.‏

وهكذا تبدو خريطة المعارضة مضطربة‏,‏ من هذه الزاوية‏,‏ لعدم وجود تجانس تام داخل أي من الأحزاب والمجموعات سواء الإصلاحية أو الجذرية‏.‏ فالحركة التي تبدو للوهلة الأولي هي الأكثر جذرية تضم بعضا من أهم رموز المعارضة الإصلاحية علي الإطلاق وأكثرهم عقلانية‏.‏ كما أن في معظم الأحزاب والحركات الإصلاحية عناصر جذرية وأخري تتخبط في مواقفها‏.‏

وبالرغم من ذلك‏,‏ أصبح لكثير من الأحزاب والحركات سمة مميزة تسود كلا منها وتطبعها بطابعها فترتسم لها صورة إصلاحية أو جذرية‏.‏ وفي غياب حوار بينها‏,‏ وفي ظل ضعف ثقافة الحوار أصلا‏,‏ يزداد التباعد بين بعضها البعض‏.‏ فعلي سبيل المثال‏,‏ لم ينجح الإصلاحيون في‏'‏ كفاية‏'‏ وهم كثر‏,‏ في وضع حد لهذا التباعد بينها وبين أحزاب وحركات ذات ميل إصلاحي‏,‏ أو هذه هي الصورة الشائعة عنها‏.‏ وكان هذا أحد أسباب فشل‏'‏ الجبهة الوطنية للتغيير‏'‏ التي ولدت ميتة تقريبا عشية الانتخابات البرلمانية في أواخر العام الماضي‏.‏

وفي الوقت الذي انفرط فيه عقد هذه الجبهة‏,‏ يقف‏'‏ الإخوان المسلمون المحظورة‏-‏ الذين تعاملوا معها باستخفاف‏-‏ في منتصف الطريق بين المعارضتين الإصلاحية والجذرية مع ميل أكثر إلي الأخيرة لسببين‏:‏ أولهما أن أحزاب المعارضة المشروعة تحرص علي أن تكون هناك مسافة بينها وبين‏'‏ الإخوان‏',‏ خصوصا حزب التجمع الذي تتخذ قيادته موقفا عدائيا ضدها‏,‏ لأنه أكثر الأحزاب المصرية علمانية‏.‏ أما السبب الثاني فهو أن المعارضة الجذرية تسعي للنزول إلي الشارع والتحرك فيه‏.‏ ويتيح هذا الأسلوب فرصة لجماعة‏'‏ الإخوان‏'‏ حين ترغب لاستعراض قدرتها علي الحشد وتفوقها‏,‏ بالتالي‏,‏ علي مختلف أحزاب وقوي المعارضة الأخري‏.‏

غير أن حدة المعارضة الجذرية وإصرارها علي الحركة في الشارع عشوائيا من دون رؤية واضحة ولا قدرة علي جذب المواطن العادي‏,‏ أو لفت انتباهه‏,‏ يثير سؤالا عن جدوي هذا الأسلوب وآثاره المتوقعة‏.‏ وبعض من يثيرون هذا السؤال ينتمون إلي المعارضة الإصلاحية التي يعبر كثير من قادتها عن قلقهم من الآثار السلبية المحتملة لسلوك المعارضة الجذرية‏,‏ وسعيها إلي خوض مواجهات ضد النظام واستدراج جهاز الأمن إلي صدام تلو الآخر‏.‏

وهي تفعل ذلك في غياب خريطة للطريق الذي تريد أن تسلكه علي مدي عدة أشهر مثلا‏,‏ أو حتي بضعة أسابيع‏.‏ فهي تتحرك يوما بيوم‏.‏ وإذا نزلت إلي الشارع فهي لا تعرف ما الذي سيكون عليها أن تقوم به في اليوم التالي‏.‏ ولذلك خبا وهجها الأول يوما بعد يوم‏,‏ وتقلص دورها في الأسابيع القليلة الماضية إلي محاولة استثمار الأزمة بين النظام ونادي القضاة‏.‏

غير أن المعارضة الإصلاحية تفتقد هي الأخري رؤية واضحة لدورها وما يمكن أن تفعله‏.‏ وتنشغل الأحزاب‏,‏ التي تمثل ركيزة هذه المعارضة‏,‏ بخلافاتها ومشكلاتها الداخلية‏,‏ الأمر الذي يجعلها تقف في معظم الأحيان متفرجة علي تحركات للمعارضة الجذرية تعتبرها هي عشوائية حينا ومغامرة حينا آخر‏.‏ وقد تضطر أحيانا إلي المشاركة في بعض هذه التحركات بشكل أو بآخر تحت ضغط بعض أعضائها سواء الجذريون أو الذين يظنون أن المعارضة الجذرية تسحب البساط من تحت أقدامهم‏.‏

كما أن تردد نظام الحكم في الإصلاح يزيد موقف المعارضة الإصلاحية ضعفا ويتيح للمعارضة الجذرية فرصة تلو الأخري لكي تظهر باعتبارها المعارضة الرئيسية في مصر‏.‏ وهي تعتمد في ذلك علي جاذبية تحركاتها في الشارع‏,‏ للكاميرات التي تضفي عليها أهمية تفوق حضورها الفعلي ووجودها علي الأرض‏.‏ ولذلك يقول عنها المختلفون معها‏,‏ بمن فيهم بعض قادة المعارضة الإصلاحية‏,‏ إنها ظاهرة إعلامية أكثر منها واقعية‏.‏

ومع ذلك لا يصح التهوين من شأن هذه المعارضة الجذرية وآثارها علي التطور الديمقراطي‏,‏ لأن عنفها اللفظي المتزايد يسمم الحياة السياسية‏,‏ فيما يؤدي ميلها الصدامي إلي مزيد من الاحتقان والتوتر‏.‏ وهذه أجواء ملائمة لاحتجاز التطور الديمقراطي‏,‏ وليس لإطلاقه‏.‏

غير أن المسئولية الأولي تقع علي عاتق من يترددون في فتح الباب أمام تغيير لا بديل عنه لتحسين الأجواء‏,‏ ووضع حد للمزايدات التي يتسع نطاقها في غياب برنامج واضح للإصلاح‏.‏ فالمعارضة الأكثر جذرية‏,‏ والأشد انفلاتا في آن معا‏,‏ هي نوع من‏'‏ العقاب‏'‏ لمن لا يطيقون المعارضة الإصلاحية‏.‏

ففي غياب إصلاح تدريجي‏,‏ جدي‏,‏ يبدو التغيير الجذري شعارا براقا لنخبة سياسية وثقافية صغيرة ترفعه عاليا وتجعله منطلقا لحركة تفتقد الاتجاه‏.‏

فالمشكلة‏,‏ إذن‏,‏ تبدأ من غياب الإصلاح التدريجي الجدي الذي بدا أن البرنامج الانتخابي الذي تبناه الرئيس حسني مبارك في حملة الانتخابات الرئاسية الأخيرة في العام الماضي مبشرا به‏.‏

فلم يحدث بعد تقدم يذكر في اتجاه الإصلاح الذي يكثر الحديث عنه في الدوائر الرسمية‏.‏

والشرط الأساسي الذي لا غني عنه ليكون الإصلاح التدريجي جادا ومقنعا هو أن يرتبط بجدول زمني يحدد مراحله‏,‏ أو خطواته‏,‏ والفترة التي يستغرقها كل منها‏.‏ وعندئذ يكون معروفا في بداية المسار الإصلاحي‏,‏ ما الذي سيحدث عندما يصل هذا المسار إلي غايته ومتي علي وجه التحديد‏,‏ أو حتي بشكل تقريبي‏.‏

ولا يمكن لأي خطوة جديدة أن تكون بداية إصلاح تدريجي بدون الجدول الزمني الواضح والمتفق عليه بين الفاعليات السياسية والاجتماعية أو أكبر قسم فيها‏.‏ فالتدرج يعني اتخاذ خطوات متتابعة في إطار نسق معين‏,‏ بحيث تقود كل خطوة إلي أخري‏,‏ فيتحقق التراكم الديموقراطي الذي ينقل المجتمع من حالة إلي حالة‏.‏

وبهذه الطريقة فقط تستطيع مصر أن تخرج من الحالة التي تجعلها معرضة لأزمة سياسية تلو الأخري‏.‏

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر:الأهرام المصرية-8-7-2006