مشرف وجهود الإصلاح السياسي في باكستان

 

ديفيد مونتيرو

 

في زيارة خاطفة وسرية بقدر ما هي قصيرة, قامت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس بجولة عامة في أنحاء العاصمة الباكستانية إسلام أباد خلال الأسبوع الماضي, وجهت فيها تذكيراً حازماً للرئيس الجنرال برويز مشرف, مفاده ضمان إجراء انتخابات حرة ونزيهة في العام المقبل. غير أن رد وزارة الخارجية الباكستانية جاء حازماً ومباشراً على ذلك التذكير: "ففيما يتعلق بسير العملية الديمقراطية في باكستان, لا نحسب أننا بحاجة إلى استشارة خارجية من أحد. وإن القيادة السياسية في البلاد لعازمة على عقد انتخابات حرة ونزيهة". وعلى أية حال فإن هذا التراشق الدبلوماسي يؤكد دون شك, القلق والهواجس المحيطة بمدى التزام الجنرال برويز مشرف بإرساء النظام الديمقراطي في بلاده, علاوة على تأكيده حساسية هذا الموضوع بالذات بالنسبة لإسلام أباد.

ومن جانبه سارع الرئيس برويز مشرف إلى الرد بأنه مضى سلفاً في تسريع الإصلاح الديمقراطي السياسي في بلاده, وأنه أطلق برنامجاً طموحاً من أجل هذا الغرض, يرمي إلى وضع حد لتركيز السلطة بيد المؤسسة العسكرية القابضة, وردها إلى مستواها الشعبي العام. غير أن هناك من المحللين من يرى أن هذه الإصلاحات الشكلية المزعومة, لم تسفر إلا عن مزيد من توسيع وتركيز السلطة بيد النظام العسكري الحاكم, بما يمنحه قدرات أكبر على المناورة والتلاعب بنتائج أي انتخابات مقبلة. وعلى حد قول حسن عسكري ريزفي, وهو محلل سياسي مستقل بمدينة لاهور, فإن هناك نواباً وممثلين للحكومة على المستوى المحلي. لكن السلطات المحلية ومن فرط ارتباطها بالحكومة المركزية في إسلام أباد, فإنها تكاد تفقد شخصيتها تماماً, مما جعل منها دعامات وركائز محلية للحكومة المركزية, أكثر من كونها تجسيداً لسلطة محلية فاعلة وذات نفوذ حقيقي.

يذكر أنه وبعد عامين من تسلمه السلطة عبر انقلاب عسكري, كان الجنرال برويز مشرف قد بادر بإطلاق برنامج "نقل السلطة" في عام 2001, معلناً عن أنه سيمثل فاتحة لمرحلة جديدة من الإصلاح السياسي الديمقراطي. وكان القصد من انتخاب الحكومات الحلية, هو إعطاء تلك الأقاليم قدراً أكبر من الاستقلال عن المركز, وبالتالي إعطاء المواطنين أنفسهم فرصة أوسع للاحتكاك بالمسؤولين الحكوميين والوصول إليهم, إلى جانب تعزيزه لدور ومكانة الفئات الاجتماعية المهمشة كالنساء والفقراء وما إليهم. ومنذ تطبيق هذا النظام الجديد في عام 2001, جرى انتخاب المسؤولين الحكوميين لنحو 101 منطقة, يترأس كل واحدة منها مسؤول منتخب يسمى الناظم أو العمدة. كما أسفر النظام الجديد عن تحولات إيجابية, تخطت كثيراً حدود الوزن الرمزي الشكلي المتوقع لهذه المؤسسات المحلية. من ذلك على سبيل المثال, أن تخصيص ثلث المقاعد التشريعية المحلية للنساء, أدى إلى تمكين حوالى 30 ألف امرأة من اقتحام حلبة السياسة الرسمية على مستوى الحكم المحلي في الأقاليم, وفقاً لدراسة نشرها البنك الدولي عام 2004.

غير أن منتقدي هذه الإصلاحات يؤكدون أن وصاية الحكومة المركزية على مؤسسات الحكم المحلي ونفوذها على العُمد, أسهما معاً في إبقاء هذه الحكومات تحت إبط حكومة إسلام أباد. وليس أدل على ذلك من المعاناة الكبيرة التي يواجهها أولئك العمد الذين يحاولون الاستقلال بنفوذهم المحلي عن السلطة المركزية في إسلام أباد. وتتمثل هذه المصاعب في نقص التمويل وقلة الصلاحيات المتاحة لهم, ما يحد من قدرتهم على تنفيذ المشروعات التنموية والاجتماعية والاقتصادية في أقاليمهم. والمشكلة في رأي النقاد, أنه لم يجر بعد نقل وتوزيع السلطات المالية من المركز إلى الأقاليم. وبالنتيجة فقد حافظ المركز على إحكام قبضته على "محفظة" البلاد, وظل المال أداة رئيسية رافعة لتحقيق الغايات السياسية, إلى جانب كونه أداة للضغط على الآخرين. ذلك هو ما عناه الباحث "أكبر زايدي" من مدينة كراتشي, وهو باحث مختص في مجال العلوم الاجتماعية, وصدر له تقرير نشر مؤخراً عن تجربة الحكم المحلي في باكستان, حيث يقول: "فالأمر برمته يعتمد على المال. وطالما واصلت الحكومة المركزية إحكام قبضتها عليه, فإنه لا سبيل للحكومات المحلية من الاعتماد المستمر على المركز". كما يحتج بعض المنتقدين بالقول إنه من الصعب استدامة هذا البرنامج, لكونه يقوم على نظام الوصاية السياسية.

وهذا يعني تعريضه للزوال والفناء, بمجرد زوال راعيه الجنرال برويز مشرف عن منصبه الحالي. أما المعنى النهائي لكل هذا, فهو أنه سيتعين إعادة بناء المؤسسات والنظام الديمقراطي مجدداً من العدم في باكستان.

"فما أن يذهب الجنرال برويز مشرف, حتى يذهب معه هذا النظام الجديد الذي أدخله على الحياة السياسية في باكستان. والسبب أنه ليس ثمة مالك له, ولا حملة أسهم يحرصون على استمراره إثر زوال راعيه". وهذا هو رأي "سامينا أحمد", مديرة قسم جنوبي آسيا بـ"مجموعة الأزمات الدولية".

ومن الجانب الآخر يعترض المدافعون عن برنامج "نقل السلطة" على هذه الاتهامات والانتقادات, بوصفهم للنظام الجديد, بأنه يمثل أول خطوة نموذجية قابلة للتطبيق, الهدف منها تصحيح أخطاء تشريعات الحكم الاستعماري لباكستان, التي تؤول إليها المسؤولية كاملة عن إرساء سياسات الرعاية والوصاية في البلاد.

ومهما يكن فإن الشكوك لا تزال تساور الكثيرين حول مدى جدية مشرف في إجراء انتخابات حرة ونزيهة في بلاده.

مراسل صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" في باكستان

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- 2-7-2006