موريتانيا ما بعد الاستفتاء على الدستور

 

حسن ولد المختار

 

شكل تصويت أغلبية الناخبين الموريتانيين، يوم الأحد الماضي، بـ"نعم" على التعديلات المقترحة على مسودة الدستور، دليلاً على أن قطار أجندة المرحلة الانتقالية تجاوز أولى محطاته.

ومنذ مجيء المجلس العسكري الحاكم إلى سدة الحكم أطلق حزمة تعهدات لم تخفِ معظم الأحزاب السياسية، والفئات والشرائح الاجتماعية، اهتمامها بها، على الأقل من باب إتاحة الفرصة للمجلس لتنفيذ تعهداته السياسية، في مواعيد أجندة يمكن التحقق من جديتها في آجال منظورة. وهذا ما أعطى المجلس داخلياً شرعية واضحة عند مناصريه، كما أعطاه أيضاً في المقابل عند المتحفظين إزاءه نوعاً من "شرعية التعهدات" يوجد مثلها عادة، في الحياة السياسية حتى في الدول الأكثر عراقة في ثقافة التعايش والمساكنة السياسية بمختلف أشكالها.

وكان من الطبيعي أن تتكشَّف شرعية المسار السياسي الداخلية، شيئاً فشيئاً، عن شرعية خارجية بدت لأول وهلة بعيدة المنال، وعصية على التحقيق بسهولة، خاصة أن الاتحاد الأفريقي جمَّد، عضوية موريتانيا فيه يوم سقوط نظام الرئيس السابق ولد الطايع، بحجة رفض آلية الانقلابات العسكرية عموماً. بل إن بعض المؤسسات المالية الدولية تعاملت لعدة أشهر بحذر مع المسار الإصلاحي الحالي في موريتانيا، حيث لم تلغَ ديونُها شأنها شأن بقية الدول الأفريقية الأكثر فقراً إلا قبل أيام.

أما على المستوى الدولي فإن إدارة الرئيس بوش ترددت، ابتداءً، في التقاط طرف خيط ما يجري في موريتانيا منذ 3 أغسطس 2005، فجاءت أولاً التصريحات المرتبكة، بين المطالبة بعودة الرئيس السابق، دون قيد أو شرط، وبين الالتزام بمقتضيات الوفاء لشعارات الإصلاح والدمقرطة في المنطقة العربية، ضمن مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الممتد من كابول إلى نواكشوط. وربما لأن واشنطن لم تجد أية دواعٍ سياسية لتصليب مواقفها من النظام الجديد في نواكشوط، غيرت من خطابها، دون ضجيج أو جلبة. والأرجح أن لصادرات النفط الموريتاني الواعدة أيضاً دخلاً في سيولة الموقف الأميركي من نواكشوط ما بعد ولد الطايع بمثل هذه السرعة، كونه موجوداً في بلد مُطل على المياه الأطلسية المفتوحة، التي لا تتحكم فيها أية مضائق ولا ممرات مائية حيوية، ويمكن إيصاله في زمن قياسي إلى الأسواق الأميركية والأوروبية دون إزعاجات أو مُنغصات أمنية ذات شأن.

أما فرنسا التي استعمرت موريتانيا لأكثر من نصف قرن، والتي طالما اعتبرت الفضاء الإقليمي جزءاً من "حديقتها الخلفية" الأفريقية، فقد بدا، لكثير من المراقبين، دورها واستجاباتها الفاترة الفاقدة للهمَّة، إزاء ما يحدث في نواكشوط، تعبيراً بليغاً ودليلاً آخر على تفسُّخ آخر ما تبقى من نفوذ إقليمي فرنسي تقليدي، بعد أن انكفأت باريس على نفسها، وتقوقعت في شرنقتها الأوروبية الخالصة، ضمن متروبول بروكسل البيروقراطي الجديد، وفي اتحاد أوروبي فقدت هي فيه شهية التوسع أفريقياً من فرط ما توسعت إلى حد التشبع في تخوم القارة العجوز الشرقية والجنوبية.

ويبقى الطرف الحاضر- الغائب إزاء كل ما يجري في موريتانيا، ونعني الامتداد المغاربي، والعربي استطراداً. فمع أن الجامعة العربية، لم تتخذ مواقف متشنجة تجاه قادة موريتانيا الحاليين، إلا أن حضورها ظل مع ذلك، طيلة الأشهر الماضية، محدوداً. كما لم يرشح عن معظم المسؤولين العرب لا احتفال بما يجري، ولا اعتراض عليه، وهذا هو ما يسمى عادة بـ"غياب الموقف السياسي" من حدث إقليمي، في أكثر صوره دقة ومثالية! أما الاتحاد المغاربي فقد بات معروفاً -يقول منتقدوه- أن غيابه، الحقيقي غير المجازي، في كثير من لحظات التجاذب الحاسمة لدوله المؤسِّسة هو القاعدة، أما ما عدا ذلك فهو الاستثناء!

وبغض النظر عن خرائط المواقف، والاصطفافات، وقوائم الحضور والغياب، إزاء ما يجري في موريتانيا، فإن البلاد التي عرفت في يوم من الأيام، بـ"بلاد المليون شاعر"، تعرف في هذه الأثناء خطوات سياسية متتالية، واتجاهاً متنامياً لم يظهر حتى الآن ما ينفيه، نحو إحداث تحولات في طريقة تداول السلطة، وهي تقاليد غير غريبة عموماً عن الحياة العامة في بعض دول الجوار الأفريقية الغربية، وإن كان يؤمل أيضاً أن تفتح نافذة أخرى قد يظهر من خلالها ضوء في نهاية نفق تقاليد الإصلاح الديمقراطي العربي عموماً.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-29-6-2006