الانتخابات العربية... تآكل الطبقة الوسطى

 

محمد خلفان الصوافي

 

فيما برزت قضية "المال السياسي"، أكثر وضوحاً، في الانتخابات التشريعية في الكويت، التي تجرى يوم غد الخميس، فإن الأيديولوجية الدينية، كانت حاضرة في بعض الانتخابات العربية السابقة.

حتى بدا للعيان أن هاتين الظاهرتين هما أبرز سمتين في الانتخابات النيابية في العالم العربي ويمكن أن تستمرا مستقبلاً. فمن يريد أن يفوز في الانتخابات التشريعية في العالم العربي، إما أن يكون قد حقق ثروات تقدّر بـ"المليارات"، وبالتالي يأتي دخوله البرلمان من أجل وجاهة سياسية بعد أن حقق مكاسب مالية خاصة بعد فورة سوق الأسهم الكبيرة، التي تعاني انهياراً الآن، أو أن يكون من أصحاب أفكار أيديولوجية، خاصة الدينية، لأنهما الأضمن في الحصول على كرسي في المجالس الانتخابية. وفي مقابل بروز هذين التوجّهين، هناك تراجع أو انخفاض ملحوظ في معدلات المشاركة للطبقة الوسطى في العالم العربي، التي عادة ما يأتي منها المرشحون من المعتدلين والمستقلين والذين يتعاملون، عادة، مع القضايا بموضوعية ويبحثون عن مصالح لأغلب أفراد المجتمع.

تعتبر الطبقة الوسطى أهم القوى الاجتماعية في الحراك السياسي العربي، وانحسارها عن المشاركة في الانتخابات بلاشك يعني انحساراً كبيراً عن تطوّر عملية المشاركة السياسية في الدول العربية، عموماً.

كانت هناك مخاوف وهواجس من العديد من المراقبين أن تصاغ الانتخابات، الحالية، في العالم العربي بمصطلحات مالية، على شكل شراء الأسهم بسبب قضايا "الرشاوى" التي تدفع للناخبين، كما هو حاصل الآن في الانتخابات الكويتية حيث وصلت القيمة الإجمالية التي يجب أن يدفعها المرشح للحصول على الكرسي إلى (20 مليون دولار أميركي) بحسب بعض التقارير الإعلامية المنشورة، أو أن تصاغ تلك الانتخابات بمصطلحات دينية غالباً ما تكون متطرّفة، تعطي موقفاً متشدّداً للتفكير في المواقف، ما يجعل الشباب العربي يلجأ إلى مواقف لا تخدم العملية السياسية مستقبلاً، وفي ظل هذين الموقفين نلاحظ تآكل الطبقة الوسطى، المستقلة، لأن مرشحيها يتراجعون خوفاً من عدم التصويت لتوجّهاتهم أو أنهم لا يحصلون على أصوات الناخبين. وارتباط صورة الانتخابات في العالم العربي بالمال والأيديولوجيا صورة ليست صحية، أي أن الشعب العربي إما أن يكون دينياً أو أنه مالي ولكنه ليس شعباً سياسياً، يتبنّى اختياراته الانتخابية على برامج، تذوب فيها المصلحة الفئوية.

وإذا كانت الانتخابات النيابية الكويتية تقدّم لنا، جانباً، لما يمكن أن تكون عليه حال الانتخابات التشريعية في الدول العربية عموماً، إذا لم يتم تدارك ذلك الجانب وإصلاحه، فقد أسهمت الانتخابات في بعض الدول العربية، منها فلسطين قبل أشهر فقط، في مخاوف من إشاعة المصالح الفئوية على المصلحة الوطنية، وإذا كانت ظاهرة المال السياسي وظاهرة سيطرة الأيديولوجيات في الدول العربية، حالة ليست جديدة بل هي إحدى سماتها الأساسية، فإن استمرارها في الوقت الحالي بطريقة تشير إلى أنها في الاتجاه التصاعدي لأعداد المرشحين المقبلين على خوض غمار الانتخابات، ترصد تفاقماً في الاستمرار وتهدّد مستقبل المستقلين الذين باتوا يواجهون صعوبة في الفوز بعد أن كان ذلك أحد الحلول في الحصول على كرسي برلماني.

وبما أن هناك العديد من الدول العربية تستعد لخوض تجربة الانتخابات للمرة الأولى، يكون من المهم، استخلاص العبر من هذه التجارب والاسترشاد بها في القضاء على هاتين الظاهرتين لأن المشاركة السياسية تحتاج إلى أساس صحيح للبناء عليها بدلاً من اكتشاف أخطائها مؤخراً وبالتالي إعادة إصلاحها والتركيز على تعديلها بدلاً من الاهتمام بتطوير التجربة. صحيح أن لكل تجربة خصوصيتها وأنه لا يوجد معيار واحد لكل الدول، ولكن من المهم الاسترشاد من التجارب القائمة وتشخيصها حتى لا تولد التجارب الانتخابية الأخرى مبتسرة، لأن تكرار الأخطاء، بفاعلية المال والأيديولوجيا، قد يجعل المرشح العربي يفضل مستقبلاً العمل بعيداً عن البرامج السياسية والمؤسساتية المهنية المعروفة في العمل السياسي.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-28-6-2006