روسيا والغرب... جدلية الشراكة وتعزيز الديمقراطية

 

كريستوفر ووكر

 

هل ينبغي على الدول الديمقراطية الكبرى في العالم أن تعرب بصوت عالٍ عن قلقها إزاء تعزيز الحكم السلطوي في روسيا؟ الواقع أن هذا السؤال يفرض نفسه بقوة أكثر من أي وقت مضى في أفق القمتين الرئيسيتين اللتين من المرتقب أن تنعقدا في غضون أسبوعين ونصف الأسبوع.

إذ تشكل قمة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، التي عقدت يومي الأربعاء والخميس الماضيين في فيينا؛ وقمة الثماني، التي من المقرر أن تستضيفها روسيا في مدينة سان بطرسبرج ابتداء من الحادي عشر من يوليو المقبل، فرصة أمام الدول الديمقراطية الكبرى في العالم لإرسال إشارة واضحة إلى القيادة الروسية، لذلك ينبغي على مجموعة الدول الديمقراطية أن تغتنم هذه الفرصة لتعيد التأكيد على ما تتوقعه من روسيا في مجال النهوض بالديمقراطية وحكم القانون.

غير أن ما يعقد الأمور هو موضوع أمن الطاقة الذي يكتسي أهمية بالغة بالنسبة للأوروبيين، ويتصدر مواضيع أجندة قمة الثمانية الكبار؛ ذلك أن الاتحاد الأوروبي، الذي يعتمد بشكل متزايد على مصادر الطاقة الروسية، لا يُبدي تحمساً كبيراً لإزعاج روسيا حول هذه المسألة. غير أن دول الاتحاد الأوروبي تعلم في الوقت نفسه علم اليقين أنها ستحظى بتعامل أفضل في حال تبنت روسيا الديمقراطية والمحاسبة السياسية، وهو ما من شأنه أن يجعل منها على المدى البعيد شريكاً أقل مزاجية يمكن الاعتماد عليه. أما الولايات المتحدة، فرغم أنها أقل اعتماداً على مصادر الطاقة الروسية، فإنها، بالنظر إلى إدمانها الكبير على النفط، تتوخى الحذر في تشجيع الدول الغنية بمصادر الطاقة والمفتقرة إلى الديمقراطية عبر العالم على المحاسبة الديمقراطية.

تعد روسيا من أهم الدول التي تعتمد على قطاع الطاقة باعتباره المحرك الرئيسي لاقتصادها، غير أنها تعد في الآن نفسه من أنظمة العالم السيئة من حيث الإدارة. ومع ذلك، فقد اعتمد الغرب استراتيجية الشراكة في تعامله مع روسيا التي تمت دعوتها رسمياً في 1998 إلى ما كان يعرف حينها بمجموعة السبعة الكبار. أما الثمانية الكبار، فقد أنشأ بهدف تعزيز التشارك مع روسيا وتوفير آلية من شأنها تشجيع موسكو على اعتماد إصلاحات ديمقراطية وإصلاحات السوق.

ولكن روسيا ترد بقوة على الانتقادات الموجهة لأدائها الديمقراطي، معلنة أنها تعتمد نسخة من الديمقراطية خاصة بها. إلا أنه، وبغض النظر عما يطلق على البرنامج السياسي للكريملن من توصيفات كـ"ديكتاتورية القانون" أو "الديمقراطية المسيرة" أو شكل جديد من نموذج القيادة الأورو- آسيوية، فإن مميزات نظام روسيا السياسي اليوم لا تتماشى مع السياسة التعددية والشفافة والتشاركية. ونتيجة لذلك، فقد أدت مقاربة السلطات الروسية إلى تقلص كبير في الفضاء العمومي وإضعاف كل قطاع يتجرأ على محاسبة الكريملن بدون استثناء تقريباً.

وهكذا، تمكنت زعامة روسيا على مدى السنوات الخمس الماضية من فرض سيطرتها بفعالية على وسائل الإعلام السمعية- البصرية الوطنية إلى درجة أنه لا يوجد اليوم أي تعليق مستقل أو منتقد لقرارات السلطات أو أدائها. كما تم في الأسابيع الماضية تدشين حملة قوية للضغط على الصحافة المكتوبة، مثل ملكية وإدارة منشورات متزنة من قبيل "نوفايا غازيتا" و"نيزافيزيمايا" و"كوميرسانت".

إلى ذلك، يمسك الكريملن بزمام الحكام الإقليميين و"الدوما"، مضعفاً ما يفترض أن يكون وزناً مضاداً للجهاز التنفيذي مثلما يقضي بذلك الدستور. كما يعاني الجهاز القضائي، الذي لم يقدر على أن يجعل من نفسه قوة مستقلة قادرة على الدفع بحكم القانون، من استشراء الفساد. وعلاوة على ذلك، فقد ازداد دور الأجهزة الأمنية في البلاد واختراقها للحياة الاقتصادية والسياسية إلى درجة أن بعض المراقبين الروس باتوا يشككون في إمكانية العودة إلى الحكم المدني الديمقراطي.

البعض يرى أن الحديث بصوت عالٍ عن تقوية الحكم الاستبدادي في روسيا سيأتي بنتائج عكسية على اعتبار أنه سيدفع السلطات إلى الرد بالمزيد من القمع. غير أنه إذا كان الكريملن لا يتعامل بصرامة مع وسائل الإعلام المستقلة ولا يسحق المعارضة السياسية والمنظمات غير الحكومية، فلأن الهيئات الدولية ومنظمات المراقبة تثير هذه المواضيع.

والواقع أن خنق هذه القطاعات الروسية المستقلة له علاقة بتحصين القيادة الروسية التي احتكرت السلطة بين يديها من التدقيق والمراقبة، وبحماية الامتيازات الكبيرة التي اكتسبتها. وهكذا، وبالنظر إلى ضعف، حتى لا نقول انعدام، المراقبة الداخلية المستقلة لعملية صنع القرار السياسي والاقتصادي في روسيا، فلا يمكن النظر إلى قطاع الطاقة المربح بدون اعتبار العوامل الأخرى المحيطة به، أو النظر إلى طموحات روسيا في مجال الطاقة بمعزل عن موضوع المحاسبة الديمقراطية.

من الواضح أن القيادة الروسية تنزعج من أي مناقشة حول حكمها القمعي وغير الشفاف، غير أن الواقع هو أن الأصوات المستقلة تتعرض للقمع داخل روسيا ولن يتم سماعها مرة أخرى. ولهذا السبب، فمن المهم أن تتحدث ديمقراطيات العالم –ولاسيما مجموعة الدول الديمقراطية على جانبي المحيط الأطلسي- بصوت واحد وواضح حول ضرورة إعادة توجيه مسار التطور الديمقراطي لروسيا.

القيادة الروسية تأمل في أن يغض الغرب الطرف عن قبضتها السلطوية المشددة، غير أن تجاهل المشكلة لن يحلها. وبالتالي، فينبغي أن يسمع الكريملن، والأهم من ذلك المجتمع الروسي بصفة عامة، رسالة قوية وواضحة من الديمقراطيات الرائدة في العالم.

مدير قسم الدراسات بمنظمة "فريدوم هاوس"

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإاحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"- 24-6-2006