التحديات التى تواجه صناع السياسة فى الديمقراطيات الناشئة

 

 

لقد دفعت الأزمة الاقتصادية فى آسيا بهذا الموضوع إلى الضوء مع محاولات السياسيين المستميتة لرسم خـريطة دقيقة تصل ببلادهم  إلى التنمية المتواصلة القادرة على الاستمرارية الذاتية تمثل المشاركون فى هذا  الحوار فـى خبراء فى مجالات الأعمال والسياسة العامة ولكل منهم  خبرته الخاصة فيما يتعلق بمنطقة ما من العالم.

واتفق هؤلاء جميعا على أنه لا يوجد شكل موحد أو أسلوب أو نموذج مشترك يناسب كل الدول، إلا انهم اتفقوا فى الوقت نفسه على أن السياسيين  لابد وأن ينظروا لتجارب الدول الأخرى ليتعلموا منها ويطبقوا  ما تعلموه وفقاً للظروف الخاصة ببلادهم أو بيئاتهم المحلية.

كما اتضح من خلال المناقشة أيضاً، أن الأسس الاقتصادية الرئيسية ضرورة للغاية كبداية، ولكنها لا تكفى وحدها لتدعيم البرامج الاقتصادية  للدول خصوصاً فى وجه الكثير من المراحل الانتقالية العاصفة والتحولات نحو الديمقراطية.  يجب أن تتمتع البرامج الإصلاحية بالشرعية بين الجماهير العريضة عن طريق توليد مكاسـب وتحقيق نمو اقتصادى على المدى المتوسط، فإن ذلك من شأنه ترسيخ دعائم الديمقراطية على المدى البعيد.  يستعرض هذا المقال موجز لآراء المشاركين بخصوص الأفكار الأساسية التى تم تناولها خلال المناقشة.

الأولويات الأساسية للإصلاح

كانت نقطة البداية فى المناقشة هى الاتفاق على مدى حاجة رجال السياسة فى الديمقراطيات الجديدة وخصوصاً تلك الدول التى تعانى اقتصادياً لتحديد برنامج عام دقيق لعملية الإصلاح الاقتصادى. واتفق المشاركون على الأفكار التى عرضتها ديبورا بروتيجام الأستاذة بقسم الخدمات الدولية بالجامعة الأمريكية  والتى تحدد الأولويات الأساسية المطلوبة التى يجب على السياسيين وضعها فى الحسبان :

- إعادة تفعيل محركات النمو فى الأماكن المتعثرة.

- تصحيح الموازين المختلة فيما يتعلق بالمجال الاقتصادى مثل التضخم المرتفع، تقليل نسبة العجز العام وتصحيح مسارات الأسعار و أسعار صرف وتداول العملة.

- خلق مناخ جيد للمصداقية وفقاً لقواعد معلنة من أجل تشجيع الاستثمار المحلى والأجنبى.

- التأكيد على المساواة الاقتصادية فى المجتمع.

- ترسيخ وتقنين الممارسات واللوائح التى توفر عنصر الأمان الاقتصادى مثل تشريع قوانين حماية  الملكية واحترام  العقود بكلمات أخرى التأكيد على سيادة حكم القانون.

ومن بين المبادرات الجوهرية التى يجب الأخذ بها والتى ذكرها بعض المشاركين بشأن ضرورة خضوع الحكومات لمقاييس ومعايير المحاسبة الدولية وضمان الشفافية فى كل اللوائح والنظم الخاصة بالقطاع العام ومعاملاته، وتطبيق التشريعات والنظم الإدارية.  إن الحكومات التى تفشل فى التحرك على هذه الجبهات تواجه خطراُ حقيقياً فى عالم اليوم المحموم بالمنافسة على الاستثمار الأجنبى والتجارة الدولية.

تطوير المشروعات الخاصة

فى الوقت الذى أكد فيه المشاركون عدم حاجة الحكومات للعب أدواراً كبيرة فى توجيه الاقتصاد إلا انهم أكدوا أيضا ضرورة تشجيع القطاع الخاص الذى أكدت الدراسات نموه بشكل معقول فى الكثير من الدول النامية والتى ينتشر فيها الفساد والجريمة. هذا ما يؤكده الخبير بمعهد الديمقراطية  القومى آندرس آسلاند والخبير باقتصاديات منطقة الاتحاد السوفيتى السابق. يقول آسلاند: "إن الجريمة  المنظمة أحد الظواهر التى يمكن التنبؤ بأفعالها وتطوراتها فى روسيا مما يجعلها عقبة مؤقتة يمكن التعامل معها، أما الحكومة نفسها فهى عقبة كبرى يصعب التعامل معها".

وبينما تبدو محال البازار الزاهية الألوان فى غانا أو إثيوبيا أو المكسيك صورة جيدة لبيئة عمل صحية، إلا أنها  فى واقع الأمر مثال حى لما يمكن أن تكون عليه صعوبة إقامة مشاريع العمل الحر فى هذه الدول.  هذا هو مايحذر منه المدير التنفيذى بمركز المشروعات الدولية الخاصة جون سوليفان بقوله أن هذه المحال والقطاع الغير رسمى من الأعمال هى مجال لا يبعث على الفخر.  نفس الشيء تؤكده اليزابيث هارت من مركز الديمقراطية والحكم التابع للهيئة الأمريكية للتنمية الدولية فيما تقوله عن غانا التى كان من الممكن أن يتضمن برنامج الإصلاح الحكومى  بها حواراً مع المجموعات العاملة فى هذا المجال، إلا أن ذلك لم يحدث.

هذا القطاع الغير رسمى برز فى بلاد كثيرة كنتيجة آما لفشل السياسات العامة أو لغيابها من الأساس. وتتنوع هذه السياسات من الفساد الحكومى المباشر إلى وجود الكثير من الخطوط الحمراء التى لا يجب تجاوزها والكثير من المعوقات الحكومية.

ويقول الخبير الاقتصادى بالبنك الدولى دانييل كاوفمان: هناك الكثير من الأمثلة فى الدول التى تشهد تحولاً اقتصادياً على هذا القطاع الغير رسمي، بل وما يزيد عليه مما يعرف باسم: "الاقتصاد الغير مرئي" القائم على شركات كبيرة اختارت العمل تحت الأرض هربا من معوقات الحكومة وضرائبها  التى تهدد بخطر المصادرة.

أما ديبورا بروتيجم الأستاذة بقسم الخدمات الدولية بالجامعة الأمريكية ومارى شيرلى مديرة  البحوث بالبنك الدولي، فقد أكدتا على عنصر آخر باعتباره ضمن القطاع الغير رسمي، وهو العاملين السابقين فى القطاع الحكومى والذين يعانون حالياً من البطالة بسبب اتجاه الحكومات نحو الخصخصة وتحرير التجارة، وهو عنصر لا يجب أن يقلل من روح هذه الاتجاهات الإصلاحية.  لقد أكد هؤلاء الخبراء أن البطالة التى تجبر البعض على الوقوف على الأرصفة لبيع أى شئ، هى الصورة المرفوضة التى لايرغب أحد أن تسود فى أفريقيا أو فى أى مكان آخر.

عنصر آخر تعرض له النقاش وهو ذو طابع سياسى حيث بدأت الثقة فى المؤسسات السياسية تهبط، وهو ما يحدث حالياً فى الكثير من دول أمريكا اللاتينية، وهو أمر يهدد استمرار عملية الإصلاح وإعادة هيكلة  المؤسسات.

عندما تستبعد البرامج الإصلاحية بعض المجموعات أو فئات المجتمع من الاستفادة بقدر الإمكان من عملية تحرير الأسواق، فإن ذلك يؤدى لظهور صعوبات فى حشد التأييد للإصلاحات المستقبلية  مثل التعديلات فى قوانين العمل بما يجعلها أكثر مرونة.

وبدا ذلك واضحاً بعد مرور عشر سنوات على بداية برامج الإصلاح فى دول أمريكا اللاتينية، والتى ذهبت فيها منافع وإيجابيات الإصلاح بدون توزيع عادل فى مجتمعات هذه الدول.  وقد يكون من السهل لو أشرنا بإصبع الاتهام إلى الهياكل الاجتماعية والنظم التشريعية الضعيفة وعدم مشاركة الكثيرين فى عمليات الإصلاح، ولكن لو استمر الحال على ما هو عليه فى هذه الدول كما هي، فإن دعم وتأييد العملية الإصلاحية سيتلاشى تماماً.

المزيد من المشاركة: المزيد من الديمقراطية

لقد أظهرت مارى شيرلى مديرة البحث فى البنك الدولى من خلال دراسة أشرفت على إعدادها أن تأثير وجود حكومة ديمقراطية أو غير ديمقراطية سواء بالسلب أو الإيجاب على تطبيق أجندة الإصلاح، هو أمر غير واضح، وإن كانت قد أكدت على أن المشاركة الشعبية فى العملية الإصلاحية يمنحها الكثير من المصداقية.  وعلى الرغم من أن الديمقراطية قد تبطئ من سير الإصلاح، إلا أن وجودها مفيد بشكل أو بآخر.  تقول شيرلى: "فيما يتعلق بمصداقية الإصلاحات، فلا يبدو الأمر كما لو كان سينقلب عليهم فى النهاية".

وذهب "توم ميليا" أحد المساهمين فى المعهد القومى الديمقراطى إلى أبعد من ذلك قائلاً: "أن الرخاء الاقتصادى فى آسيا قد لا يكون معتمداً فى الأساس على الحكومات الشمولية، وأن المزيد من الديمقراطية كان أمراً ممكناً."  أشار ميليا أيضا إلى أهمية وصول المعلومات بشكل اكبر للعامة فيما يتعلق بالموضوعات الاقتصادية، عن طريق تطوير برامج التعليم المدنية لتجعل العامة أكثر قدرة على الاختيار الصحيح من بين الخيارات الاقتصادية التى يعرضها عليها السياسيون.  وأشار "آندرس آسلاند" إلى ضرورة وجود تغطية إعلامية جيدة لكى تكون قناة الاتصال والمعلومات لتعريف العامة.

إن مفتاح تحقيق هذا الأمر هو تدعيم وتقوية دعائم  ومؤسسات المجتمع المدنى بدلاً من تضخيم أشكال الدولة أو هيئاتها، وبهذا الأسلوب يمكن خلق مجتمع مدنى قوى من القاعدة العريضة لهذه المجتمعات.

أيدت اليزابيث هارت نفس الفكرة بشأن ضرورة قيام الإصلاحيين المحليين أو الأجانب بالمساعدة فى إقامة وتأسيس هذه المنظمات الجديدة.

فى هذا الشأن، يقول تشاك كوستلو النائب الديمقراطى بمعهد الحكم والديمقراطية التابع للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية: "يتبدد الكثير من الوقت فى محاول لإقناع الحكومات بتغيير السياسات الاقتصادية الخاطئة، بينما يجب تخصيص هذا الوقت للعمل مع مجموعات القطاع الخاص والمجتمع المدنى المستقلة عن الحكومة والتى تنادى بأساليب مختلفة يجب أن تتنافس هذه المجموعات فى مناخ ديمقراطى من أجل السيطرة الحكومية فى الانتخابات وذلك عن طريق تقديم برامج أفضل."

أحد العناصر الأساسية  فى هذه القضية، هى كيفية حشد دعم هذه المجموعات فى المجتمع للإصلاح الاقتصادى وذلك عن طريق السماح للفائزين بجنى ثمار نجاحهم وترضية أو تعويض الخاسرين فى ذات الوقت.

وكما تقول اليزابيث هارت، فإن لدى الديمقراطية الكثير لتقدمه فى هذا النطاق وتنظيم هذه الأمور.  تقول اليزابيث: "هذا الموضوع تستطيع الأساليب الديمقراطية علاجه بشكل أفضل من الاتجاهات البيروقراطية وذلك فى تنظيم أسس ومكونات الإصلاح."

ولكن كما يشير دانييل كوفمان: "أن الميزانيات المحدودة تجعل اختيار الخاسرين الذين يجب تعويضهم أمرا صعباً، وتحرير التجارة هو أحد المجالات الكلاسيكية التى يظهر من خلالها الكثير من الفائزين والخاسرين.  لهذا فقد يكون من المفيد فى هذا المرحلة، أن يتم تخصيص ميزانيات محددة لترضية الفئة القوية من الخصوم الخاسرين، بدلاً من تعويض كل الخاسرين على حد سوءا."

الخصخصة  : كيف ومتى؟

كما تقول مارى شيرلي: " تكمن أهمية تشجيع الخصخصة فى محاولة زيادة المنافسة وتشجيع آخرين على الدخول لمجالات السوق والعمل."  لهذا، فإن  دور وتوقيت أى برنامج للخصخصة، يجب أن يتم تقييمها من خلال هذا المنطلق، وهوقرار سياسى هام لكل صانعو القرار فى الدول التى بدأت برنامجاً للخصخصة ومازال فى بداياته.

قد يكون من الضرورى والمهم طبعاً تأجيل خطوات الخصخصة حتى يتم الانتهاء من خطوات أخرى تسبقها وتمهد لها، خصوصاً بالنسبة للحكومات الجديدة أو الهشة والتى مازالت تحت التهديد من خطر تغيرات حادة. ذلك هو ما تتعرض له مارى شيرلى بالشرح: "لا يمكن لأى شخص الترويج لأى عملية خصخصة  فى وقت تكون فيه النخبة القليلة الحاكمة هى الوحيدة القادرة على شراء المشاريع."

لقد كانت تجربه الخصخصة فى أمريكا اللاتينية  ناجحة كما يقول جوناثان جين أحد الشركاء الكبار فى "آكون  للاستثمار" ، فقد استطاعت حكومات الأرجنتين وبوليفيا مثلاً تحويل مشاريع مملوكة للدولة إلى رابحين وفائزين وهو ما أدى لتحسن خدمات التليفون والكهرباء بعد خصخصتهما.  لذلك أصبح الشعب وقاعدته العريضة  هو الرابح الأول من تحسن الخدمات على الرغم مما صاحب عملية الانتقال للقطاع الخاص من تسريح بعض العمال وإعادة هيكلة الأصول.  هذا بالإضافة إلى خلق فرص عمل جديدة على صعيد القطاع الخاص.  ويكسب الشعب أكثر عندما تساعد الخصخصة للحكومات فى القضاء على التضخم المرتفع وتوجيه ميزانياتها المحدودة إلى مجالات الخدمات الاجتماعية بدلاً من توجيهها لمساندة مشاريع خاسرة.

على الرغم من هذه الآثار الإيجابية، إلا أنه هناك دلائل متزايدة على عدم المساواة فى توزيع الدخل فى دول أمريكا اللاتينية بسبب ضعف أو فشل المؤسسات التشريعية الحكومية والهيئات الاجتماعية فى المساعدة على وصول فوائد الخصخصة إلى قاعدة أوسع من المجتمع. وفى الوقت الذى سارت الخصخصة فى أمريكا اللاتينية نحو موقف ناجح، إلا أن ذلك ليس هو الحال فى إفريقيا.

يشير بيتر لويس البروفيسور بقسم الخدمات الدولية بالجامعة الأمريكية "إلى أنه فى الدول التى تعدت فيها عملية الخصخصة مرحلة الإجراء الشكلى، فإن الخصخصة فى هذا الدول حلت محل احتكارات حكومية  قديمة ليس إلا."

نفس الشيء يصفه ديفيد ميللر المدير التنفيذى بمجلس الشركات فى أفريقيا فيقول: "بعض الحكومات استنفدت كامل طاقات بعض المشروعات مما أوصلها إلى مستوى من السوء يجعل  التخلص منها أمراً غاية فى الصعوبة حتى لو أرادت الحكومات ذلك، بل أن عملية إعادة تحويلها لمشروع رابح من جانب الحكومة نفسها أمراً شبه مستحيل.  هذه المشكلة استدعت الإجابة على سؤال هام، وهو مدى حاجة الخصخصة أن تبدأ مع أجيال جديدة تماماُ لكى تكون ناجحة، وهو ما أعادت اليزابيث هارت صياغته: "ربما بكون علينا أولاً أن نبدأ بتدعيم آليات الشفافية."

عند هذه النقطة ، أطلق دانييل كوفمان تحذيره من مغبة تأجيل الخصخصة على عملية الإصلاح عموماً، فعندئذ قد يكون المشترون هم فقط هؤلاء الأشخاص الأقوياء من ذوى الحكم والنفوذ ومع الانتظار لتحسين الشروط، تكون كل الأصول ذات القيمة قد طارت لملكية هؤلاء الأشخاص.

دور الدولة

وكان لدور الدولة فى تصميم وتطبيق الإصلاحات الاجتماعية - الاقتصادية مكاناً متميزاً فى عقول المشاركين فى الحوار كأحد القرارات السياسية الأساسية.  وأكد المشاركين كذلك على أن أى دور تلعبه الدولة فى الاقتصاد يختلف من بلد لأخرى اعتماداً على الدور الثقافى للدولة وفاعلية الحكومة.

ومن منطلق سنين الخبرة مع الاتحاد السوفيتي، أشار "آسلاند"  إلى أن حجم تدخل الدول، يمثل التحدى الأساسى فى الدول التى تقع فى منطقة السيطرة السابقة للشيوعية.  وبدون التقليل من حجم الخطوات والإصلاحات الأساسية التى تمت فى هذه الدول إلا أن ذراع الحكومة بقى قادراً على الوصول لآى مجال من مجال العمل والأنشطة وهو ما يسميه " آسلاند ":  القمع الاقتصادى والبيروقراطية المتشعبة.

على سبيل المثال، يتعرض أحد المصانع فى كييف إلى تفتيش دورى من 42 جهة بما فيها الضرائب.  ووفقاً لبحث "آسلاند" فإن المشروعات الخاصة فى أوكرانيا يتم التفتيش عليها فى المتوسط 296 يوم فى العام الواحد.  لا حاجة بالطبع للإشارة هنا إلى ما يشكله هذا الوضع من مناخ مهيأ وتربة خصبة للرشوة والفساد.

لقد أدى هذا التدخل الحكومى المغالى فيه إلى إعاقة النمو الاقتصادى فى هذه البلاد، وفى عام 1996 مثلاً استطاعت ثلاثة دول فقط - هم آستونيا وكايرجينرستان و جورجيا - من ضمن البلاد الثمانى والعشرين التى خضعت للاتحاد السوفيتى السابق، استطاعت هذه الدول تحقيق ناتج محلى اجمالى  يزيد عن 7%.

على نقيض " اليد الخفية " التى أشار لها آدم سميث، أشار دانييل كوفمان إلى : "اليد الحديدية القابضة فى هذه الدول تمتلكها الحكومات، وتستمر النخبة التقليدية فى روسيا والدول المستقلة حديثاً فى احتفالها بالقوة والموارد بالكثير من الأشكال.  انهم يفعلون ذلك من خلال منح العقود لمن يفضلونهم من الأقارب، ويأخذوا الرشاوى أو يقوموا بفرض الضرائب القاسية التى تلوح بتهديد المصادرة.  ويقول "دانييل" أن نائب رئيس وزراء أوكرانيا المتفتح سرد له مثال حى على ذلك بأن العصابات الإجرامية  المنظمة أو المافيا تقوم بفرض إتاوة على المشروع الخاص 10% بينما تتراوح الإتاوات الحكومية المشابهة التى تأخذ شكل الضريبة من 50% إلى 70% أخرى.  يؤكد "دانييل" أنه إن لم يفهم صانعو السياسة مدى تأثير مفهوم هذه "اليد القابضة" فإنهم لن ينجحوا فى تطبيق إصلاحات فعالة ترسخ الديمقراطية  أو اقتصاديات السوق.

و إليكم توصيات هؤلاء الخبيرين حول ما يجب على رجال السياسة القيام به من إجراءات من أجل تقليل الدور الغير سيادى للدولة:

- توسيع قاعدة الضرائب وخفضها وتبسيطها.

- ترسيخ وإعادة تنظيم كل لوائح الشئون الاقتصادية ودمج  اللوائح الجديدة بإصلاحات جديدة فى المجال القضائى لضمان حل النزاعات من خلال المحاكم بدلاً من الرشاوى .

- تطبيق إصلاحات حكومية  تبدأ بتأسيس خدمات مدنية حقيقية.

وكما يقول كل من "دانييل" و "أرسلاند" فإن الكثير من هذه الإصلاحات قد تم الأخذ به بدرجة أو بأخرى فى دول شرق أوروبا مثل المجر وبولندا وجمهورية التشيك، بل أن أرسلاند وصف هذه المنطقة بأنها أكثر شبهاً بقصة أوروبا الغربية المملة التى تمتلئ بحكايات الضرائب المرتفعة والتحولات الاجتماعية الكبيرة.  فى هذه الدول، لابد أن تتم إصلاحات مرتبطة بالحكومة  لتقليص دورها الكبير فى النشاطات الاقتصادية.

أما أفريقيا، فإن كل من كوستللو ولويس يؤكدان أن الدولة التى تسيطر عليها النخبة الحاكمة ويلجأ لها المواطنون لسد كل احتياجاتهم هى أقرب إلى شكل "الدولة الأبوية"، وينعدم وجود المؤسسات العصرية بشكلها المعروف اليوم فى مثل هذه البيئة .

أو كما يقول "ميللر": فوجودها "هش مثل الورق".  ونتيجة لذلك فإن أى مشروع خاص لا يمكن التفتيش عليه بشكل رسمى مرة واحدة فقط فى مثل هذه الدول فما البال لو كان المطلوب هو بيئة نقدية وحيوية تشجع القطاع على القيام بمبادرات للنمو الاقتصادى".

كذلك لا يمكن للعاملين فى مجال الأعمال أن يتوقعوا سريع تأسيس ما وصفته "ديبورا براوتيجام "بالأقفال المؤسسية" مثل البنوك المركزية المستقلة ومجالس العملة التى تراقب السياسات المالية  لكى يضمن المستثمرون آن أى إصلاحات تقوم بها الحكومة يكون من شأنها ضمان الاستقرار.

ويصف "بيتر لويس " هذا الموقف بقوله: "يوجد خوف كبير من الإصلاح فى الديمقراطيات الجديدة، خاصة عندما يشك  الناس فى أن النظام موجه ضدهم، ويكون أخف الآثار السلبية المحتملة، هو أن يشعروا بالحيرة وعدم إدراك ما إذا كان الإصلاح سيفيدهم أم لا.  وقد ترتفع وتسود المخاوف بشأن الوساطة فى برنامج الإصلاح، أو من أن تقتصر الاستفادة على جماعات محددة أو المستثمرين الأجانب دون غيرهم.

على الرغم من كل ذلك، فإن أسوأ مخاوف الخصوم يمكن تحديدها عن طريق تشجيع النقاش المفتوح والصريح لعملية  الإصلاح الاقتصادى، والكشف عن الإجراءات الواضحة لقواعد المزايدة وتوزيع الأسهم من خلال عمليات الخصخصة وكذلك عن طريق تقوية الصحافة الحرة التى تراقب كافة خطوات العملية.  هذا هو ما قاله "بيتر لويس" بكلمات أخرى: "حتى وإن لم تكن المكاسب عالية، يستطيع الناس التعايش مع الأمر خاصة وانهم على دراية بكل ما حدث أوما يحدث".

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: مركز المشروعات الدولية الخاصة .