في مواجهة الاستعصاء الديمقراطي

 

فهمي هويدي

 

 

لو أن أحدا أراد أن يرفع من معدلات التوتر ويوسع من دائرة الاحتقان في مصر‏,‏ لما فعل أكثر مما يفعله بعض المتنفذين في البلد والمنسوبين إليه‏.‏

‏(1) ‏دع عنك فرقعة مشروع قانون مكافحة الشائعات‏,‏ الذي كان يمكن أن يعد مجرد شائعة أو مزحة ثقيلة‏,‏ أريد بها زعزعة الثقة في جدية الإصلاح السياسي‏,‏ لولا أن مقدم المشروع من ممثلي الحزب الوطني الحاكم في مجلس الشعب‏,‏ وأن لجنة المقترحات والشكاوي أخذته علي محمل الجد فأيدته‏,‏ وهو ما حول المزحة إلي خبر في الصحف‏,‏ طيرته وكالات الأنباء إلي أنحاء العالم‏,‏ وكان له صداه الذي تابعه الجميع‏,‏ واختلط فيه الاستنكار بالدهشة‏.‏

هل يمكن أن تتحول المزحة إلي حقيقة؟ مازلت استبعد ذلك غير مصدق أن مشروعا من ذلك القبيل يمكن أن يري النور في المناخ المصري الراهن‏,‏ الذي أصبحت اشواق الحرية عنوانا رئيسيا له‏,‏ وغير متصور أنه بدلا من أن يقترب ممثلو الحزب الحاكم من نبض الشارع‏,‏ ويسعوا إلي توسيع هامش الحريات المتاح‏,‏ مدركين أن توفير حرية المعلومات‏,‏ وتعميم الشفافية التي تكفل اطلاع الناس علي الحقائق باستمرار‏,‏ ذلك وحده السبيل إلي مكافحة الشائعات‏.‏

لا أعرف صدي المشروع في اوساط الحزب الوطني الذي ينتمي اليه العضو صاحب الفرقعة لكنني أعرف أنه أثار حيرة وقلق كثيرين ــ أنا أحدهم ــ وأنه من منظور الاصلاح السياسي يمثل خصما وليس إضافة‏,‏ الأمر الذي يدعوني إلي القول بأن اجازته من لجنة مجلس الشعب فضيحة‏,‏ أما صدوره ــ لا قدر الله ــ فهو كارثة‏!‏

‏(2)‏ تتضاعف حيرة المرء وهو يتابع ما جري في موضوع القضاة‏,‏ فلم أفهم مثلا سببا لاحاطة مشروع قانون السلطة القضائية بالسرية‏,‏ ومفاجأة الجميع بمضمونه‏,‏ ولا أتصور أن يظل تعديل القانون مطلبا ملحا للقضاة منذ ستة عشر عاما علي الأقل‏(‏ منذ عام‏1990)‏ وتعقد لأجل ذلك ندوات وتعد مشروعات‏,‏ ثم يعرف أن جهة ما اعدت من جانبها مشروعا‏,‏ لم يتح للقضاة الإطلاع عليه‏,‏ وغاية ما حدث أن بعضهم دعي للمداولة بشأنه من قبل بعض مساعدي وزير العدل‏,‏ ولما ذهبوا وطالبوا بقراءته لمعرفة مضمونه‏,‏ قيل لهم إن ذلك غير ممكن‏,‏ وغاية ما هو مسموح به هو الاستماع إلي بعض نصوصه وابداء رأيهم فيها‏,‏ وهو ما أدهش ممثلي القضاة وأثار غضبهم‏,‏ فتركوا الاجتماع وعادوا يروون القصة العجيبة لإخوانهم‏!‏

هذه السرية التي صاحبت اعداد المشروع الجديد واقعة تاريخية غير مسبوقة‏,‏ وهي لا تخلو من دلالة غير مريحة‏,‏ ذلك أنه حين يحجب مشروع قانون السلطة القضائية عن ممثلي القضاة انفسهم‏,‏ فذلك موقف يعبر عن أزمة أكبر بكثير مما نظن‏,‏ هي أزمة ثقة بالدرجة الأولي‏,‏ تفوح منها رائحة التعارض والتناقض‏,‏ وربما سوء الظن بين وزارة العدل التي تمثل السلطة التنفيذية‏,‏ وبين نادي القضاة الذي يمثل السلطة القضائية‏.‏

الأمر الآخر اللافت للنظر أن ضمانات الاستقلال التي يلح عليها القضاة‏,‏ متوفرة للهيئات القضائية الأخري‏,‏ مثل مجلس الدولة والنيابة الادارية وهيئة قضايا الدولة‏,‏ ذلك أن كل الشئون الفنية التي تخص العاملين في تلك الجهات تباشر من داخل كل هيئة‏,‏ ودور وزارة العدل فيما يخصها لا يتجاوز الشئون الإدارية فحسب‏,‏ فالتفتيش القضائي مثلا المهيمن علي كل شئون القضاة والمستشارين العاملين بتلك الهيئات هو شأن داخلي لكل منها‏,‏ لا علاقة لوزارة العدل به‏,‏ في حين أن الأمر اختلف حين تعلق برجال السلطة القضائية‏,‏ ذلك أن التفتيش القضائي الخاص بهم والتحكم في مصائرهم الوظيفية‏,‏ أريد له أن يظل تابعا لوزير العدل‏,‏ الأمر الذي احدث ثغرة لا يستهان بها في سياج الاستقلال المنشود‏,‏ وفتح الباب للتأويل وسوء الظن‏.‏

ليس ذلك فحسب‏,‏ وإنما نبهني الدكتور محمد سليم العوا‏,‏ الفقيه القانوني البارز إلي ملاحظة مهمة في هذا الصدد‏,‏ خلاصتها ان قانون السلطة القضائية المطبق حاليا يتضمن‏61‏ اختصاصا وصلاحية لوزير العدل تخول له التدخل بصورة أو أخري في شئون القضاة والمحاكم والمحضرين‏,‏ وهذه الاختصاصات بقيت كما هي في التعديل الجديد‏,‏ الأمر الذي يعني أن ملف استقلال القضاء سيظل مفتوحا إلي أجل لا يعلم مداه إلا الله‏.‏

ملاحظتي الأخيرة في النظر الكلي للمسألة هي أن موضوع استقلال القضاء شأن يتجاوز بكثير حدود القضاة انفسهم إذ أنه في جوهره وثيق الصلة بقضية العدل وميزان الحرية في المجتمع‏,‏ وفي العالم المتحضر فإن قيمتي العدل والحرية تتأثران سلبا وايجابا بمقدار ما هو متوافر من استقلال للقضاء في كل بلد‏,‏ لذلك فإننا حين ندافع عن استقلال القضاء ونتشبث به‏,‏ فإنما ندافع عن انفسنا في حقيقة الأمر‏,‏ وحين يستشعر القضاة قلقا من جراء نقصان استقلالهم‏,‏ فإن ذلك القلق ينبغي أن ينسحب علينا تلقائيا‏.‏

‏(3) ‏علي عكس المشروع البائس الذي سبقت الاشارة إليه‏,‏ فإن مشروع قانون السلطة القضائية الجديد ينبغي أن يؤخذ علي محمل الجد‏,‏ ولكي ننصفه لا يفوتنا ان نقرر بأنه يمثل في بعض جوانبه خطوة إلي الأمام‏,‏ وحين ننتقده فإننا ننطلق من أمل راودنا في أن ينجز خطوات أبعد علي طريق الإصلاح‏.‏ يحسب للمشروع مثلا أنه وسع بصورة نسبية من اختصاص مجلس القضاء الأعلي‏,‏ فاشترط موافقته علي بعض شئون القضاة‏,‏ في حين أن القانون الحالي يكتفي بمجرد أخذ رأي المجلس في تلك الشئون التي منها شغل وظيفة مساعد الوزير لشئون التفتيش القضائي واعضاء ذلك الجهاز‏,‏ وتعيينات رؤساء المحاكم الابتدائية‏,‏ كما يحسب للمشروع ايضا أنه أقر مبدأ الموزانة المستقلة للقضاة‏,‏ ووضع قواعد اعداد حركة القضاة‏,‏ وهو ما يسوغ لنا أن نقول بأن التقدم النسبي الذي سجله المشروع حسن أو اصلح في بعض أوضاع الهيئة القضائية‏,‏ لكن موضوع الاستقلال المنشود للقضاء فيه واجه استعصاء تجلي في مواضع عدة سجلها بيان نادي القضاة‏(6/16)‏ وابرزها ما يلي ‏:‏

‏-‏ أن صلاحيات وزير العدل التي تسمح له بالتدخل في شأن الهيئة القضائية ظلت كما هي لم تمس كما اسلفنا‏,‏ وترتب علي ذلك أن الوزير وليس القضاء المستقل ظل المختص بإدارة مرفق العدالة في مصر حتي في حالة النص في المشروع الجديد اشترط موافقة مجلس القضاء علي بعض التعيينات وليس مجرد أخذ رأيه‏,‏ فإن ذلك لا ينفي أن القرار أصبح يتخذ بارادة مشتركة‏,‏ الوزير هو الطرف الآخر فيها‏,‏ في حين أن ذلك الاختصاص ينبغي أن يظل خالصا لمجلس القضاء الأعلي دون غيره‏.‏

‏-‏ أن المشروع لم يعالج وضع مجلس القضاء الأعلي‏,‏ الذي يضم نخبة من أقدم القضاة الذين هم علي ابواب التقاعد‏(68‏ عاما فصاعدا‏)‏ وكان المجلس منذ انشائه في عام‏36‏ وحتي قيام الثورة في عام‏52‏ يضم عددا من القضاة المنتخبين من قبل مستشاري النقض والاستئناف‏(‏ نحو‏4)‏ لإضفاء الحيوية علي دور المجلس‏,‏ ولكن هذا المبدأ الغي تماما منذ قامت الثورة إذ ظلت عضوية المجلس منذ ذلك الحين وحتي الآن مقصورة علي شيوخ الهيئة القضائية‏,‏ الأمر الذي حد من فاعليته‏,‏ باعتبار أن تقدم الأعضاء في السن يجعلهم في موقف اضعف نسبيا ازاء السلطة التنفيذية‏,‏ آية ذلك أن المجلس منذ عام‏52‏ وحتي الآن لم يعترض علي قرار واحد للسلطة‏,‏ وحين قامت تلك السلطة بحل نادي القضاة‏(‏ في عامي‏63‏ و‏69)‏ فإنها تخيرت لإدارته رجالها في مجلس القضاء‏.‏

‏-‏ أبقي المشروع علي تبعية التفتيش القضائي لوزير العدل علي النحو الذي سبق التفصيل فيه‏,‏ رغم أن لدي نادي القضاة رسالة مكتوبة موقعة من الوزير‏,‏ ابدي فيها موافقته علي الحاق التفتيش بمجلس القضاء الأعلي‏.‏

‏-‏ أبقي المشروع علي مبدأ ندب القضاة للقيام بأعمال غير قضائية في المصالح الحكومية والهيئات العامة الأخري‏,‏ وهو المبدأ الذي يعارضه نادي القضاة‏,‏ لأنه يفتح بابا واسعا للغواية والافساد من جراء الدخول الكبيرة التي تتوافر للمنتدبين في تلك المواقع‏,‏ وقد ثبت بالتجربة أن أغلب القضاة الذين تورطوا في أعمال مسيئة للهيئة القضائية أو وضعوا في مواضع الشبهة كانوا من المنتدبين لأعمال خارجية‏.‏

‏-‏ تجاهل المشروع أي ذكر لنادي القضاة‏:‏ وهو المؤسسة المنتخبة الوحيدة التي لها شرعية التعبير عن القضاة‏,‏ والمنوط بها الدفاع عن استقلالهم‏,‏ ورغم أن انشاءه في عام‏39‏ ارتبط بتمصير القضاء‏,‏ وأن وجوده عززته الاتفاقات الدولية‏,‏ خصوصا الإعلان العالمي لاستقلال القضاء الذي وقعت عليه مصر في سنة‏85‏ ــ رغم هذه الخلفية فإن المشروع لم يأت علي ذكر له‏,‏ فيما يبدو أنه ليس مصادفة بريئة‏,‏ ومن المفارقات أن ذلك حدث في حين أن قانون السلطة القضائية يحتوي علي نحو‏40‏ مادة تنظم عمل المحضرين والحجاب وكتاب المحاكم‏(!).‏

إن السؤال الذي يحير المرء وهو يتابع ما انتهي اليه السجال الدائر حول الموضوع هو‏:‏ من المستفيد من تعميق الأزمة مع القضاة‏,‏ بالانتقاص من استقلالهم واستمرار تدخل السلطة التنفيذية في شئونهم؟ ــ وإذا استمرت تلك الثغرات التي تخللت المشروع الجديد‏,‏ فإن ذلك يستدعي سؤالا آخر هو‏:‏ من منظور الإصلاح السياسي‏,‏ هل يمكن أن يعد ذلك خطوة إلي الأمام أم إلي الوراء؟ وهل يخدم ذلك الاستقرار أم أنه يشيع التوتر والاحتقان؟

‏(4)‏ خبرتنا مع تعديل قانون السلطة القضائية الذي لم يحقق الآمال المعقودة عليه تذكرنا بتجربتنا مع تعديل المادة‏76‏ من الدستور‏(‏ التي فتحت الباب للتنافس بين المرشحين علي منصب رئيس الجمهورية‏)‏ التي تمت صياغتها علي نحو أفرغ المادة من مضمونها‏,‏ وبدوره كان دون الأمل المعقود علي التعديل‏,‏ وخلفية من ذلك القبيل تجعلنا لا نتفاءل كثيرا سواء بالتعديلات الدستورية المرتقبة‏,‏ أو بالغاء قانون الطوارئ واستبداله بقانون جديد للإرهاب‏,‏ ذلك أننا نخشي أن يكتفي في التغيير بالشكل أو أن يقتصر علي بعض الأمور الفرعية‏,‏ في حين يظل الجوهر كما هو‏,‏ ولماذا نذهب بعيدا‏,‏ وبين أيدينا مفارقة مثيرة‏,‏ تتمثل في تقديم ثلاثة من الصحفيين إلي هيئة في محكمة الجنايات سبق لمحكمة النقض أن نقضت أحكامها‏,‏ بتهمة القذف في حق أحد القضاة‏,‏ فيما يبدو أنه عقاب لهم علي جرأتهم في الكتابة‏,‏ يحدث ذلك في الوقت الذي تترقب الجماعة الصحفية المصرية تنفيذ وعد رسمي اطلق منذ أكثر من عام لمنع حبس الصحفيين‏,‏ احتراما لحقهم في التعبير‏.‏ المدهش في الأمر أن ذلك يحدث في حين لم نسمع صوتا للمجلس الأعلي للصحافة‏.‏

القاسم المشترك الأعظم بين هذه الحالات انها معارك وسجالات موضوعها الاساسي هو رفع سقف الحريات العامة في مصر‏,‏ ومقاومة الاستعصاء الديمقراطي الذي تقوده القوي المناهضة للانفراج والاصلاح السياسي‏,‏ لذلك أزعم أنها معارك علي جبهة واحدة‏,‏ احتشد فيها مناهضو الاصلاح ووحدوا صفوفهم‏,‏ ولكن الداعين اليه لا يزالون شيعا وشراذم شتي‏.‏

وما لم يعيدوا اصطفافهم وترتيب اولوياتهم‏,‏ في الوقت الراهن بوجه اخص‏,‏ فإن هزيمتهم تغدو محققة‏,‏ ولن تقوم لهم قائمة في الأجل المنظور ــ لذا لزم التنويه‏.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الحياة اللندنية-20-6-2006