نظرة دستورية سياسية في المجلس السياسي للأمن الوطني

 

المحامي طارق حرب

 

الرئيس الطالباني وعد بعقد أول اجتماع له برئاسته

نحو ما عودتنا الصباح الجريدة الغراء في إعمام المعلومات عن ادق واهم القضايا وايصالها للقارئ. فقد نشرت في عددها يوم 2006/6/17 النص الكامل لمشروع المجلس السياسي للامن الوطني. وبما ان هذه المشروع يحتاج الى استقصاء دستوري وتحرٍ سياسي ففيه نقول: حددت الديباجة مقاصد هذا المجلس بانه من اجل النهوض بالمسؤولية الوطنية لخدمة الشعب العراقي  فان الكتل السياسية الوطنية الممثلة للشعب العراقي في مجلس النواب ان المصلحة الوطنية  بتشكيل المجلس وبناء على اتفاق جميع الكتل السياسية وبعد مناقشات طويلة لهذه الكتل وبهدف صيانة المصلحة الوطنية العليا ومتابعة آليات اداء مؤسسات الدولة.

رئاسة المجلس وتشكيلته

يترأس رئيس الجمهورية الاستاذ جلال الطالباني المجلس السياسي للامن الوطني وفي حالة غيابه يتولى رئيس مجلس الوزراء(وليس رئيس الوزراء) كما وردت في المشروع. ذلك ان التسمية الاولى هي التسمية التي قررها الدستور وان اختلاف الاسماء يؤدي الى اختلاف المسميات لاسيما وان الفقه الدستوري يرتب على اسم (رئيس مجلس الوزراء) اثارا من حيث الصلاحية تفوق ما هو مقرر لاسم(رئيس الوزراء) وعلى وفق ذلك فانه ليس لغير الرئيسين المذكورين ترؤس المجلس عند غيابهما حتى لو كان رئيس مجلس النواب او احد نواب رئيس الجمهورية او نواب رئيس مجلس الوزراء. لقد قرر المشروع تحديد اعضاء هذا المجلس وهم بالاضافة الى ما ذكر نائبا رئيس الجمهورية الدكتور عادل عبدالمهدي والدكتور طارق الهاشمي ونائبا رئيس مجلس الوزراء الدكتور برهم صالح والدكتور سلام الزوبعي ورئيس مجلس النواب الدكتور محمود المشهداني ونائباه الشيخ خالد العطية وعارف طيفور ورئيس مجلس القضاء الاعلى(رئيس السلطة القضائية) القاضي مدحت المحمود ورئيس اقليم كردستان الاستاذ مسعود البارزاني ورؤساء الاقاليم في حالة تشكيلها وممثلو الكتل السياسية في مجلس النواب بما يتناسب وتمثيلهم في المجلس على ان لا يقل نواب الكتل عن عشرة اعضاء. وهذا يعني ان كتلة الائتلاف العراقي الموحد ستكون ممثلة بـ(47%) من عدد اعضاء المجلس وكتلة التحالف الكردستاني ستكون ممثلة بـ(22%) تقريبا وكتلة التوافق بنسبة(18%) تقريبا والكتلة العراقية ستمثل بنسبة 8% تقريبا وكتلة الحوار الوطني ستكون ممثلة بما تبقى من نسبة. وهذا يعني عدم تمثيل الاعضاء الاخرين في مجلس النواب لان عدد الاعضاء الذين يمثلون الكتل يقل عن عشرة اعضاء وكم تمنينا ان يكون لهم ممثل لاسيما وان عدد اعضاء مجلس النواب الباقين من غير الكتل السياسية الممثلة في مجلس النواب يملكون عدداً من الاعضاء لا يستهان به وترك تحديد ممثلهم اليهم. بحيث يتم منح العضوية لواحد من اعضاء مجلس النواب الباقين في حالة انتخابهم ممثلا لهم. كذلك لابد ان نلاحظ ان المشروع لم يشترط ان يكون رؤساء الكتل في مجلس النواب اعضاء وانما ممثلون عن الكتل. فاذا كان الرئيس جلال الطالباني رئيسا لكتلة التحالف وعدنان الدليمي هو الاخر رئيسا لكتلة التوافق. فانه بالامكان ترشيح ممثلين اخرين فلا يشترط ان يكون سماحة السيد عبدالعزيز الحكيم او الدكتور اياد علاوي او الدكتور صالح المطلق اعضاء في المجلس السياسي وانما بامكانهم تعيين ممثلين عن هذه الكتل وهي كتلة الائتلاف العراقي الموحد وكتلة العراقية وكتلة الحوار بالاضافة الى الكتل التي قرر المشروع عضويتها وهي كتلة التحالف الكردستاني وكتلة التوافق العراقية. لكن في جميع الاحوال لابد من انقاص ممثلي هذه الكتل ممن يشغلون مناصب سيادية في مجلس الرئاسة وفي مجلس الوزراء وفي مجلس النواب. اذ لابد من انقاص نسبة تساوي عدد الاعضاء الذين يمثلون هذه الكتل في هذه المناصب فلابد من انقاص عدد ثلاثة اعضاء في هذا المجلس من كتلة التحالف الكردستاني باعتبار ان رئيس الجمهورية ونائبي رئيس مجلس الوزراء ومجلس النواب وانقاص نفس العدد من كتلة الائتلاف باعتبار ان رئيس مجلس الوزراء ونائبي رئيس الجمهورية وانقاص النسبة ذاتها من كتلة التوافق باعتبار ان رئيس مجلس النواب ونائبي رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء من هذه القائمة. وهذا الانقاص الذي قرره المشروع سيحقق فائدة للكتل الاخرى التي ليس لها ممثل في هذه المناصب نحو الكتلة العراقية وكتلة الحوار الوطني وبالتالي سيكون تمثيل هذا احسن نسبيا من الكتل التي حصلت على المناصب.

الجهة المختصة في دعوة المجلس للانعقاد

اذا كانت المادة (الثالثة / اولا) أوجبت اجتماع المجلس السياسي للأمن الوطني دورية. وهذه الدورة تكون مرة واحدة كل ثلاثين يوماً، فان لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس النواب دعوة المجلس للانعقاد عند الضرورة  وهذه مسألة مقبولة باعتبار ان المذكورين يمثلون السلطة التنفيذية  والسلطة التشريعية ولكن المشروع منح ثلث الاعضاء الآخرين دعوة المجلس للاجتماع، وهذا يعني انه ليس لقائمة التحالف الكوردستاني او قائمة التوافق او القائمة العراقية او قائمة الحوار لوحدها فقط دعوة المجلس للانعقاد لان نسبة تمثيل كل منها في المجلس اقل من ثلث الاعضاء لممثلين في المجلس دائما لابد لاية كتلة من هذه الكتل الاتفاق مع كتلة اخرى بحيث تصل الى نسبة الثلث لكي يكون بامكانها دعوة المجلس للاجتماع فمثلا ان الكتلة العراقية وكتلة الحوار لا تستطيعان دعوة المجلس للاجتماع ما لم توافقهما في الدعوة احدى الكتل الاخرى لكي يكون بالامكان الوصول الى نسبة الثلث المقرة للدعوة وليس لقائمة التحالف الكوردستاني او قائمة التوافق دعوة المجلس للانعقاد ما لم توافقها في ذلك كتلة اخرى ذلك ان نسبة كل واحدة من هذه الكتل اقل من الثلث وتبقى كتلة الائتلاف العراقي الموحد الكتلة التي بامكانها دعوة المجلس دونما حاجة لها الى الكتل الاخرى طالما انها ممثلة بأكثر من الثلث (47%). وكم كان الاحذق والاوفق عدم اشتراط نسبة الثلث العالية طالما ان الدعوة لا يترتب عليها اثر سوى المناقشة والحوار بين الاطراف فان وافقت الكتل على الموضوع المطروح فيها وبخلافه فانه لا يوجد اثر. والادق هو اعتماد المعيار الذي وضعه الدستور في المادة (58 / ثانيا) وهو امكانية الدعوة للاجتماع بطلب اكثر من خمس عدد الاعضاء واقل من ربع الاعضاء اما اشتراط الثلث في الدعوة كما ورد في المشروع فهو تشدد لا يوافقه عمل دستوري ولكننا قد نجد ذريعة في ذلك ان هذا المجلس مجلس استثنائي لم ينص عليه الدستور.

النسبة المطلوبة لإصدار القرارات

اشترط مشروع المجلس السياسي للأمن الوطني اصدار قراراته بأغلبية الثلثين من عدد اعضائه. وهذا يعني ان المشروع ساوى في اهميته القضايا التي ينظرها باشتراطه نفس النسبة من الموافقة في حين ان الدستور فرق بين النسبة المطلوبة. كذلك نستنتج من هذا الحكم ان اي قرار يصدره المجلس لابد ان يحصل على موافقة ممثلي كتلة الائتلاف العراقي الموحد طالما ان نسبة تمثيل تلك الكتلة هي (47%) اي أكثر من الثلث. فحتى لو اتفق ممثلو جميع الكتل الاخرى على قرار ما فلابد ان يوافق عليه الائتلاف لاجل ان تكون الموافقة قد وصلت الى اغلبية الثلثين، والحق يقال ان نسبة الثلثين عالية جدا لا سيما اذا علمنا ان ما يصدره المجلس هي توصيات ومقترحات في حقيقتها وليست قرارات ملزمة. طالما ان المشروع ترك موضوع تنفيذ قرارته الى الجهات المختصة فقرار المجلس المتعلق بمجلس النواب  يخضع لدراسة ومناقشة المجلس مجددا والتصويت عليه وقد يعزف مجلس النواب عن قرار المجلس السياسي، كما ان قرارات المجلس التي تخص رئاسة الجمهورية لابد ان تقترن بموافقة رئيس الجمهورية، وحتى في موافقة رئيس الجمهورية فان ارساله الى مجلس الرئاسة لا يعني الزام مجلس الرئاسة به لاسيما اذا علمنا ان قرارات مجلس الرئاسة يجب ان تصدر بالاجماع على وفق احكام المادة (138 /رابعا) من الدستور. اي لابد من موافقة نائبي رئيس الجمهورية بالاضافة الى رئيس الجمهورية. ولكن يخفف من غلواء تطرف المشروع في اشتراطه الثلثين لقراراته انه بدون سند دستوري اولا وان الموضوع اولا واخيرا من اختصاص الجهة التي تتولى تنفيذ قرار المجلس السياسي.

انتهاء أعمال المجلس

بما ان تشكيل المجلس السياسي جاء استثناء من احكام الدستور وانه قام كسلطة لم يتطرق الدستور اليها، بحيث يمكن تكييفه كلجنة من لجان مجلس النواب وان كانت ذات سلطات اوسع تضم جوانب تنفيذية وليست تشريعية فقط.

لذلك حدد المشروع اجلا لنهاية عمر المجلس السياسي وهو انتهاء الدورة الانتخابية الحالية ومدتها اربع سنوات على وفق احكام الدستور. وبما ان المشروع اشترط الدورة الانتخابية، لذا فان استعمال رئيس مجلس الوزراء سلطته في حل مجلس النواب على وفق الصلاحية له بموجب احكام المادة (64- اولاً) من الدستور. فان نهاية مجلس النواب قبل انتهاء مدة الاربع سنوات يعني انتهاء الدورة الانتخابية الحالية وبالتالي نهاية للمجلس السياسي للامن الوطني. حتى ولو كان ذلك خلال السنة الاولى لهذه الدورة الانتخابية. وحسناً فعل المشروع في هذا التحديد اذ لا يمكن تقييد مجلس النواب الجديد بقرارات المجلس السياسي التي لا تجد سنداً من الدستور وان وجدت لها سنداً من القانون وسنداً من الواقع العراقي المعروف. لا سيما وان تشكيل هذا المجلس جاء بسبب تحقق حالياً وقد لا يتحقق مستقبلاً. اذ الاصل ممارسة المؤسسات التي قررها الدستور لصلاحياتها وليس انشاء مؤسسات اخرى.

وختاماً نأمل ان يكون عمل المجلس السياسي العراق الوطن والعراقي المواطن فتحت هذا العنوان تنهار جميع العناوين الاخرى.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح-17-6-2006