شباب ضد الفساد

 

د. علي الطراح

 

ظاهرة استشراء الفساد ليست بظاهرة محلية وإنما عالمية. نسمع عن المتورطين بالفساد في كثير من دول العالم. ويبدو أن الفساد غير مقتصر على الدول الفقيرة وإنما كذلك الدول الغنية تعاني من هذه الظاهرة. في الكويت ليس هناك مرشح لانتخابات مجلس الأمة لا يتحدث عن الفساد وحتى منهم الممارسون له, فهم لا يملكون سوى مجاراة الشارع في ذلك السبيل للوصول إلى عضوية المجلس التشريعي.

الجديد في الأمر أن الأطراف المتورطة بالفساد، لم يعد لديها رادع ولم تعد هذه الجماعات تبالي بما يردده الناس حولها, ويبدو أنهم تعودوا على سماع الشعارات المنددة بالفساد التي لن تتعدى حدودها وإنما تتبخر في حينها وتفقد أي أثر لها على المدمنين للفساد, فهم فهموا أسس اللعبة وأدركوا أن الناس لا يملكون سوى الكلام الذي لا يتحول إلى فعل.

ومن الظواهر الملفتة للانتباه، دخول بعض الشباب في المعركة الانتخابية الدائرة, إذ شكلوا فِرَقاً أطلق عليها اسم "شباب ضد الفساد" وأخذوا يجولون في مناطق الكويت ويدعون إلى مكافحة الفساد, والتصدي لكل من يروج للفساد. هؤلاء الشباب لم تنظمهم الأحزاب السياسية التقليدية، وإنما يحركهم دافع السأم الذي شكل حياتهم وأثر في نفوسهم، خصوصاً بعد تزايد أعداد العاطلين عن العمل.

الفساد ظاهرة اجتماعية بحاجة إلى فهم دوافعها، وخصوصاً في المجتمعات التي تتمتع برخاء مادي إلى درجة كبيرة مثل الكويت, فهذه المجتمعات تفتقد إلى حالة العوز التي تدفع الناس لتلقي الرشوة أو بيع الصوت الانتخابي، كما هو مشاهد الآن، حيث حشد بعض المرشحين أموالاً ضخمة لشراء الذمم! ولا يبدو أن الأمر خافٍ على الحكومة، بل يوجه البعض اللوم لها متهماً إياها بالوقوف وراء استشراء ظاهرة بيع الأصوات وتجييرها لصالح مرشحين معينين لضمان وصول الأعداد المطلوبة من أعضاء المجلس.

والسؤال الذي يردده الكثيرون في الكويت هو: هل الفساد وصل إلى مرحلة من القبول الاجتماعي ولم يعد يثير الناس؟ البعض لا يرون في شراء الذمم ما يخالف الأعراف أو الدين، بل ربما يرون أن العملية برمتها ليست إلا "تبادل مصالح", ومن ثم لا ضرر منها! البعض الآخر يرى أن ما يحدث ما هو إلا دلالة على تغيير جذري في نظام القيم الاجتماعية، حيث تحول سلوك الفساد إلى سلوك مقبول في مجتمع تزداد فيه حدة الضغوط الاجتماعية نتيجة لهيمنة المظهرية على نفوس الناس ودفعهم لممارسة سلوكيات مشينة!

التصدي للفساد عملية ليست بالسهلة وبحاجة إلى جهود مخلصة. ولعل الشباب الذين يقودون الحملة المناهضة للفساد يعيدون للناس وعيهم ويعيدون لنظام القيم الاجتماعية توازنه. الكثير من الناس متفائل بـ"شباب ضد الفساد"، والكثير من الناس أيضاً يعوِّلون على أولئك الشباب في إحداث نقلة نوعية للعمل السياسي في الكويت، حيث أصيب الناس بملل من العمل الحزبي التقليدي الذي لم يقدم الفهم الواقعي للمجتمع وفشل في مشروعه الوطني. حتى الأحزاب الدينية لم تعرْ ظاهرة الفساد الأهمية المطلوبة، بل إن بعضها يبحث عن تبريرات شرعية للسلوك الفاسد, فهي أحزاب وظفت الدين لمصالحها السياسية ولم تهتم بالبناء الأخلاقي للإنسان حيث لعبت دوراً في تحويل اهتمامات العامة إلى قضايا هامشية وشغلتهم عن الانغماس في العمل الواقعي الملامس لقضايا العصر.

الانتخابات الكويتية المقرر لها في التاسع والعشرين من هذا الشهر، ستشهد متغيرات جديدة ويتوقع البعض أن يتحقق من خلالها تغير كبير في توجهات مجلس الأمة القادم، حيث جميع الأطراف المتنازعة هيأت نفسها وحشدت كل ما لديها من قوة لتثبيت مواقعها, والجميع يعتبر الانتخابات القادمة منعطفاً في تاريخ الكويت. وما نتمناه أن تتمكن القوى الشابة الجديدة من استعادة البريق الديمقراطي للكويت.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- 14-6-2006