اليابان خارج الرهان الديمقراطي في بورما

 

مايكل جرين

 

على امتداد السنوات الماضية مررت بمناسبات عديدة كنت فيها فخوراً بالعمل الذي أقوم به لتعزيز العلاقات اليابانية والأميركية وتمتين التحالف القائم بين البلدين. ولطالما أعجبت طيلة السنوات الماضية بالدور الإيجابي لليابان على الساحة العالمية ومشاركتها الفعالة في تحمل قسط من همومها وانشغالاتها.

وفي هذا الصدد لن أنسى أبداً الرسالة الشخصية والحميمة أيضاً التي بعث بها رئيس الوزراء الياباني جونيشيرو كويزومي إلى الرئيس جورج بوش عقب هجمات 11 سبتمبر وتعهده بانضمام بلاده إلى الحرب على الإرهاب.

وأتذكر بنفس الإعجاب والتقدير الموقف الصارم والمبدئي الذي اتخذه الوفد الياباني في مناقشاته حول حقوق الإنسان ونزع السلاح النووي في المفاوضات السداسية مع كوريا الشمالية. وعندما سافرت إلى منطقة نائية في باكستان فوجئت بلوحة كبيرة في قرية فقيرة كتب عليها "شكرا لليابان" لأن المساعدات اليابانية ساهمت في بناء أول مدرسة حديثة في القرية. وأتذكر كيف أني التقيت في الكويت بمجموعة من القوات اليابانية المنهكة لكنها كانت فخورة بإسهامها في إعادة إعمار مدينة السماوة في العراق.

بيد أن تقديري الكبير لليابان وجهودها المتواصلة في لعب دور عالمي بجانب حلفائها من الدول الديمقراطية تعرض لانتكاسة كبرى، وأصبت بخيبة أمل حقيقية إزاء السياسة الخارجية اليابانية عندما قرأت في 31 مايو بأن ممثل طوكيو لدى الأمم المتحدة كينزو أوشيما اصطف مع الصين وروسيا ضد باقي الديمقراطيات في مجلس الأمن بشأن قضية بورما. وكان مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى بورما انتهى لتوه من إطلاع أعضاء مجلس الأمن على رفض الطغمة العسكرية الحاكمة هناك العرض الذي قدمه لها والقائم على الانفتاح الديمقراطي مقابل الحصول على مساعدات اقتصادية تحتاجها البلاد. وقد أطلع المجلس أيضاً على الدعم الخفي للنظام العسكري لعمليات تهريب المخدرات والنساء، فضلاً عن قمعه للسكان وقيامه بالتهجير القسري للأقليات العرقية، علاوة على سياساته التي تمس أمن واستقرار الدول المجاورة. ومع ذلك انحاز ممثل اليابان إلى الوفدين الصيني والروسي ورفض اتخاذ مجلس الأمن لأية إجراءات ضد النظام البورمي، رغم إقراره بـ"الحالة المؤسفة لحقوق الإنسان".

ولو أردت التماس الأعذار لموقف اليابان المنافي لقيمها المرتكزة على الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان لقلت إنها ربما اعتبرت أن من الخطأ ترك بورما نهباً للنفوذ الصيني. وربما سلكت هذا الطريق لتثبت استقلالية سياستها الخارجية، أو أن اصطفافها إلى جانب الصين وروسيا كان حرصاً منها على تأمين الموارد الطبيعية التي تفتقر إليها. ومهما كانت الأسباب والدواعي فإن ما قامت به اليابان كان خطأ فادحاً. فعلى امتداد السنوات القليلة الماضية ظهر جيل جديد من القادة اليابانيين مثل "شينزو آبي" ووزير الخارجية "تارو آسو" تحدثوا بشكل مستمر عن النموذج الديمقراطي الياباني، وركزوا على قيم الحرية الكامنة في سياسة بلادهم الخارجية والمحرك لتحالفها مع الولايات المتحدة وباقي الديمقراطيات في العالم. وهي القيم التي تميز اليابان عن الصين وتضع العلاقات بين البلدين في سياق محدد يجعل طوكيو في موقع تقديم المشورة كحثها للصين مثلاً على المشاركة الفعالة والمسؤولة في حل المشاكل العالمية والانخراط في معالجة القضايا الشائكة. لكن بموقفها الأخير من بورما فقدت اليابان قوتها الأخلاقية التي تخولها إسداء النصائح للآخرين. ومن المؤسف حقاً أن نرى الصين وروسيا بسجليهما المخزيين في مجال حقوق الإنسان والحريات المدنية تضاف إلى إليهما اليابان التي يفترض أن تقف في صف الدول الديمقراطية في مجلس الأمن.

ولا يسعنا أمام سوء تقدير الحكومة اليابانية لهذه الزلة في سياساتها الخارجية سوى أن نتساءل حول التداعيات المحتملة لقرارها على موقف اليابان الدبلوماسي في واشنطن كما في آسيا. فعلى سبيل المثال يعتبر عضو مجلس الشيوخ "جون ماكين" صديقاً قوياً لليابان ومن المرجح أن يكون أحد أشد المؤيدين لتطوير العلاقات اليابانية- الأميركية وأكثرهم تحمساً لها من بين جميع المرشحين المحتملين لدخول البيت الأبيض في الانتخابات الرئاسية لسنة 2008. غير أن السيناتور "ماكين" بعث برسالة شديدة اللهجة إلى اليابان في خطاب أدلى به أمام الكونجرس سنة 2003 في آخر مرة عرضت فيها طوكيو تقديم مساعدات إلى النظام العسكري في بورما، حيث جاء في كلمته "عار على اليابانيين، ومبروك للعسكريين في بورما، لكنني أعتقد أنه على من يريد مساعدة الشعب البورمي عليه اتباع مسار مغاير تماماً... وسيتذكر البورميون الأمم التي وقفت بجانبهم في مواجهة الطغيان الذي تسلط عليهم، والأمم التي اصطفت وراء الطغيان".

على اليابان أن تدرك بأنها تملك ما يكفي من الأدوات الدبلوماسية والمنظومة القيمية الكفيلة بتوسيع دورها في العالم بما يخدم مصالح شعبها. والأكيد أيضاً أن ذلك لن يتحقق إذا ما واصلت طوكيو العزف على مقطوعة الحفاظ على التوازنات الإقليمية وحماية مصالحها التجارية بمنطق القرن التاسع عشر لأن النصر في هذه الحالة سيحالف الصين. ولعل المثال الأبرز هو العلاقات اليابانية الإندونيسية، فقبل التسعينيات كانت اليابان تتمتع بنفوذ قوي في إندونيسيا بفضل مساعداتها السخية واستثماراتها المتعددة. لكن مباشرة بعد الأزمة المالية لسنة 1997 وسقوط نظام سوهارتو بدأ الدور الياباني في إندونيسيا بالانحسار لصالح الصين والولايات المتحدة وأستراليا بسبب استثمار اليابان في النظام البائد وفشلها في دعم موقعها مع دعاة الديمقراطية في إندونيسيا. وطالما أن موجة الديمقراطية تجتاح العديد من المناطق الآسيوية فإنه يتعين على اليابان لعب الورقة الرابحة والإصغاء جيداً لما قاله السيناتور "ماكين" من أن الشعب البورمي سيتذكر من وقف إلى جانبه في أحلك الظروف، ومن تنكر له خدمة لمصالحه الضيقة.

زميل بارز في مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية بواشنطن ومتخصص في الشؤون الآسيوية

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"-13-6-2006