نذر الحرية في العالم العربي

 

سكوت ماكليود

ترجمة : مرتضى صلاح

 

يعد هشام البسطويسي شخصية ثورية. وهو قاض في محكمة النقض المصرية.وقد تجنب خلال سنوات عمله في محاكم البداءة الإصطدام مع السلطات ولفت الإنتباه اليه ولكنه برز كمتحدث ناقد بعد توليه سلطة النظر في قضايا الفساد في البرلمان والتزوير في الإنتخابات البرلمانية في المحكمة حيث وجه النقد الصريح الى الرئيس المصري حسني مبارك وديكتاتورية الحكم في مصر. ويخشى النظام المصري من ثورة القضاة التي يعلنها زملاء البسطويسي من القضاة والعاملين في السلك القضائي خوفا من تحول نموذجها الى باقي النقابات والإتحادات والمهن الإدارية. وكان البسطويسي قد إنتقد السلطات القضائية والتحقيقية التي لم تباشر عملها في التحقيق في الإنتهاكات التي وقعت في الإنتخابات والأحداث التي لحقتها على خلفية التنافس الحزبي بين الناخبين. كما طالب بحماية القضاء والحفاظ على إستقلاليته من تدخل السلطات العسكرية التي يدعمها الرئيس مبارك. فقد تعرض القاضي وزميله محمد مكي الى الإعتقال بدون معرفة السبب، مما دعاهما الى ترك الصمت والتصريح بأن النظام في مصر لايريد الإصلاح ولا يفكر فيه.

قال البسطويسي وهو أبن احد قضاة الخمسينيات ووالد محاميين شابين: أن الحكومة لاتريد قول الحقيقة ولكن الناس هم الذين بدأوا العمل على الإصلاح وأكدوا رغبتهم في الإصلاح والتضحية  من أجل ذلك، واكد بان عددهم يتزايد يوميا.ويبدو أن التشاؤم يخيم على أجواء الديمقراطية في مصر بعد مواجهة مبارك مع القضاة خاصة مع حلول وقت إنعقاد المنتدى الإقتصادي الدولي الذي يعقد في مدينة شرم الشيخ على ساحل البحر الأحمر ويناقش مواضيع تتعلق بمطالب الطفولة العربية على مدى الأجيال القادمة.

كانت الإدارة الأميركية قبل عام تقريبا تصف المنطقة العربية وأجواءها بأنها ربيع العرب بسبب كثرة الإنتخابات وكثرة الإحتجاجات الشعبية التي تطالب بالمزيد من الديمقراطية. وقد بادر العراقيون الى رسم صور الربيع الأولى عندما صوتوا لثلاث مرات في عام واحد حول نظامهم السياسي الجديد، وتبعهم الفلسطينيون في إنتخابات الرئاسة بعد وفاة عرفات، والسعوديون الذين دخلوا عالم التصويت للمرة الأولى في تاريخ دولتهم، ثم جاء الأردنيون ليعلنوا تبرمهم من عدم تنفيذ الملك عبد الله الثاني لوعوده بالإصلاح السياسي. اما في مصر فقد كانت الأوضاع ساخنة  لدرجة تعبر عن مدى تمسك الحزب الحاكم بالسلطة وتجذره في عروق مؤسسات الحكم حتى إن إحتجاجات القضاة التي أعقبت إعلان سيطرة الحزب على مقاعد البرلمان في الإنتخابات تمت مواجهتها بطريقة قاسية جدا في ترجمة لموقف الحكومة من الإصلاح، إذ حذر النظام من أن التغيير لن يأتي في مصر بسرعة بل عبر مسيرة بطيئة جدا.

ولكن ثورة القضاة تكشف المشكلة في مصر وتتحدث عن امل في التغيير لعموم المنطقة. فقد جاءت مطالب البسطويسي بتصميم على التغيير لاسابقة له في مصر، فهو ليس نموذج فاكلاف هافل في الجيك ، كما إنه لا يشبه نموذج نيلسن مانديلا في جنوب أفريقيا، ومن المتوقع حدوث تطورات دراماتيكية وسريعة في مصر وقد تكون لها آثار في البحرين والمغرب بين صحفيين ومجموعات حقوق الإنسان والمثقفين ومجموعات حقوق المرأة ومراقبة الحريات والإنتخابات ومنظمات المعارضة وشرائح الطلبة والأساتذة وغيرهم من المحتجين، وعندها يكون الفضل في تلك الإحتجاجات للبداية التي إنطلق منها البسطويسي وزملاؤه في التطلع نحو مزيد من الديمقراطية والشفافية.

يطالب العرب الآن بمزيد من الحريات عبر مجموعات الضغط والصحافة الحرة ومواقع الإنترنت وهم يحققون بعض النصر ولكن ماتحقق حتى الان يعد رمزيا قياسا الى حركة العالم لكنه قد يؤدي الى نهاية سلمية للديكتاتورية مع مزيد من نشاط منظمات امجتمع المدني وغيرها.

فهناك ناشطون مصريون يسعون الى تأسيس أحزاب جديدة تقدم البديل المناسب في القرن الحادي والعشرين لمشاكل مصر السياسية بعيدا عن قوالب رؤية الأحزاب القديمة القومية والإسلامية التي هيمنت على مصر معظم عقود القرن الماضي.

وهناك ناشطون لبنانيون يحاولون الخروج من القالب الطائفي الإقطاعي الذي يحكم لبنان منذ عقود، كما إن هناك محاولات لسعوديين للخروج عن إطار الدولة السعودية المحكومة بالمؤسسة الدينية الوهابية منذ حوالي القرن الى فضاء الدولة الليبرالية. وهناك سعي بحريني لتوسيع قاعدة المشاركة في الحكم بين الشعب والملك المختلفين مذهبيا. أما في الكويت فإن حركة حقوق المرأة تأخذ حيزا مهما في محاولتها كسب معركة دخول المرأة للتصويت والترشيح للإنتخابات المحرومة منها.

ويعد المسار الديمقراطي آخر المراحل التي يحاول العرب عبرها التخلص من الديكتاتورية المهيمنة على البلاد منذ أوائل القرن الماضي.

وكانت عدة قيادات ديكتاتورية في المنطقة قد وصلت الى سدة الحكم عبر انقلابات تخطط لها قوى سياسية وأحزاب قديمة ومنعت الأحزاب والقوى الجديدة من الظهور على الساحة السياسية العربية، وقد إستغلت القوى الدينية المساجد كملاذ آمن لممارسة حريتها بعيدا عين السلطات مثل حركة الأخوان المسلمين التي دخلت البرلمان المصري كحزب معارض وسيطرت على الحكومة الفلسطينية والبرلمان عبر قرينتها حركة حماس الإسلامية، وهي مرحلة تعبر عن مخاوف جديدة من إستبدال سلطة الديكتاتورية العلمانية بأخرى ثيوقراطية. وقد لايكون الإسلام السياسي عاملا ثقافيا في المجتمع العربي بل سلاحا لزعزعة الديمقراطية خصوصا مع جلاء حقيقة ولاء المجتمع العربي للقبيلة والطائفة والعرق.

ويعترف الكثير من العرب أن سياسة بوش التي أدت الى إسقاط طاغية قوي الجذور مثل صدام وممارسة ضغوط لمطالبة حليفها حسني مبارك بالتغيير سياسة أثمرت عن فتح فجوة في جدار تاريخ المنطقة العربية وكان لها فوائدها للديمقراطيين العرب. ولكن رئيس تحرير صحيفة المصري اليوم هشام قاسم يقول بأن الضغط الأميركي لايجب أن يتدخل مباشرة لفرض الديمقراطية بل يمكنه المساعدة لحماية الإصلاحيين وخلق اجواء التغيير الذي يجب أن يأتي من داخل البلد وليس من خارجه.

وفي بداية عام 2005 زارت كوندليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية مصر وألقت محاضرة عن الديمقراطية وإعترفت فيها بان الولايات المتحدة لم تحقق الإستقرار في العالم بتحالفها مع الديكتاتوريات العربية وتعهدت بدعم التطلعات الديمقراطية للعرب.

وبعد تلك الزيارة رشح مبارك نفسه لرئاسة سادسة لمصر ووقعت موجة رفض صاخبة ضده من قبل حركة كفاية التي تزعمت حملة معارضة لتجديده للرئاسة. وأسفرت الإنتخابات عن فوزه ودخول منافسه السجن بسبب مخالفات لقانون الإنتخابات والاحزاب. وإستمرت حركة كفاية في التظاهر والرفض حتى دخل المئات في السجن الأسبوع الماضي في حركة الإحتجاج المساندة للقضاة المعتقلين.

وجدد مبارك التمديد لقانون الطوارئ لعامين آخرين وهو القانون الذي أقر العمل به منذ مقتل الرئيس السابق أنور السادات وتولي مبارك المنصب خلفه في تشرين الأول عام 1981 وينطوي على إجراءات مشددة ضد حرية التعبيروالحركة والتنقل والتجمع.كما أجل مبارك الإنتخابات المحلية المقررة هذا العام الى إشعار آخر.

في الإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين دخلت المرأة في الوزارة للمرة الأولى وهي خطوة يعدها المراقبون تغييرا من قبل زعماء البلدان في التعامل مع منظمات حقوق المرأة. وهي خطوة تكررت في المغرب التي توسعت فيها مساحة حقوق المرأة  بعد تأسيس منظمة الحقوق والمساواة النسائية التي كانت ممنوعة في حياة والد الملك الحالي.

ومع ذلك تبقى الولاءات التي تحكم المجتمع العربي وهي الدين والقبيلة تقاوم مساحة الحرية التي يبحث عنها الآلاف من امثال البسطويسي وهي مقياس حقيقي لاتصل اليها احصاءات التصويت الإنتخابية فقد لاتؤثر الإنتخابات في النتائج كما تؤثر نشاطات القوى الديمقراطية التي يجب أن لايغيب عنها الدعم الأميركي في كل الأحوال.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح-12-6-2006