الحـل في العـقل

 

طارق سيف

 

ما الفرق بين التحول الديمقراطي الكبير الذي حدث في دول أوروبا الشرقية التي رزحت تحت نير الديكتاتورية والصراع بين "سلطة الكنيسة" و"سلطة الملك" لعقود من الزمن، ومخاض التحول الديمقراطي في الدول العربية المستعصي على الولادة؟ سؤال نطرحه على الجهابذة والمفكرين والخبراء السياسيين العرب والأجانب، وقبل أن نتلقى منهم الإجابات... أجد أن الفرق يكمن في العقول!

فالعقل العربي الذي تربى على البحث عن تبريرات وحجج واهية للهروب من واقعه والتنصل من تحمل مسؤولياته، والذي درج على أن الحكومات تعرف مصلحته أكثر منه، وأن طاعة الحكومة من طاعة "الرب"، وأن الطريق إلى تحرير فلسطين يبدأ بقهر المواطن العربي ومصادرة حقوقه وسلب حرياته، لا يستطيع أن يفهم محتوى "ثقافة الديمقراطية"، وحقيقة أسس الإصلاح السياسي، ومرتكزات الحكم الصالح.

عبر قرون من الزمن جرى تغييب العقل العربي ومنعه من ممارسة حقه الطبيعي في التفكير وفهم الأمور على حقيقتها، تارة تحت شعار الكفاح ضد الاستعمار، وتارة أخرى لمواجهة الأطماع الخارجية، وتارة ثالثة لرفع آثار النكبات والنكسات والهزائم التي ألمت بالأمة العربية، فبات العقل العربي عبئاً ثقيلاً على صاحبه، فتخلص منه إما بثقافة "الخنوع والاستسلام"، وإما بثقافة "الانتحار"، وإما بالهجرة والرحيل إلى أرض الله الواسعة.

لقد أصبحت معظم الشعوب العربية في مفترق طرق للاختيار بين مسارين لا ثالث لهما، المسار الأول هو التسليم لحكم الديكتاتورية المستبدة والقبول الطوعي للقهر السياسي ونسيان دعاوى الإصلاح والتحول الديمقراطي؛ ومن ثم يظل الحال على ما هو عليه. أو اختيار المسار الثاني وهو الوقوع في قبضة الهرطقة الدينية والتعصب والتطرف لتكون النهاية تفكك أوصال الشعب وانفصال بعض عناصره وتكفيرها له وقتلها الأبرياء أو الهجرة الجماعية إلى "طالبان".

إلا أن هناك مساراً ثالثاً بات ضرورة وليس ترفاً فكرياً، ضرورة لوقف التفجيرات والسيارات المفخخة ومواجهة "ثقافة الانتحار" وشلالات الدماء البريئة، لابد من إيجاد صيغة تكفل للإنسان العربي ومن يقيم على الأرض العربية المنكوبة ممارسة دوره الطبيعي في الحياة السياسية، وهذا المسار يعني إعادة تشكيل التركيبة النفسية والعقائدية والسياسية للعقول العربية بأسرها وعلى مستوياتها المختلفة من حكام ومحكومين من خلال "ثقافة الديمقراطية".

يجب أن نركز هذه الثقافة على إعادة صياغة العلاقة بين الحكومات والشعوب العربية، وبين النظم الحاكمة ومواطنيها بما يضمن عودة المسار الطبيعي لهذه العلاقة، والاتفاق على عقد اجتماعي جديد تستعيد فيه الشعوب حقوقها السياسية المسلوبة، وحرياتها المفقودة، وتعود قوى الأمن والشرطة والمخابرات والجيوش إلى ممارسة واجبها الحقيقي ومسؤولياتها في حماية هذا الشعب ومصالحه وليس الوقوف ضده وقمعه، وتعرف الحكومات أن وجودها واستمرارها مرهون بمدى اهتمامها وجديتها وقدرتها على خدمة هذا الشعب.

لقد آن الأوان للقضاء على ثقافة "الاستعصاء الديمقراطي" التي تتشدق بها الأنظمة السياسية العربية وأصحاب المصلحة لتبرير تصرفاتها القمعية ضد شعوبها، وتستخدمها "شماعة" للتخويف من أن نشر الديمقراطية سوف يفضي إلى وصول المتطرفين الإسلاميين إلى الحكم في الدول العربية ويهدد مصالح أطراف كثيرة.

إن الديمقراطية ليست تشريعات وقوانين وتعديل دساتير فقط، إنها قبل كل شيء ثقافة شاملة، وفي ظل غياب هذه الثقافة تظل الدعوة إلى التحول الديمقراطي والإصلاح، سرابية وتكريساً للوضع القائم، لذلك يشكل بناء هذه الثقافة في الميادين جميعها دون استثناء، شرطاً أساسياً وحتمياً لاستنهاض الشعوب العربية، وطريقاً وحيداً نحو التنمية الحقيقية الشاملة.

إنها ثقافة تقضي على الخوف وتنهي عصور العبودية، وتقضي على القمع، وتعيد للشعوب العربية إنسانيتها، وقدرتها على المساهمة في صنع حاضرها وبناء مستقبلها، وتضمن لها حرية ممارسة العقيدة والعبادات، والمشاركة في صنع القرار السياسي دون وصاية، وتوفر لها التعليم والرعاية الصحية والمساواة أمام القانون، وتنصف المرأة، فهي ثقافة "العدل والعلم والعمل"، حيث تنتفي الشعارات المنافقة التي تتاجر بالدين والوطن، ويحدونا الأمل في أن نصل إلى يوم تُعاد فيه الزكاة إلى بيت المال لأنه ليس في الأمة من هو بحاجة إليها.

لقد باتت قناعات الغالبية العظمى من الحكومات والشعوب العربية وموروثاتها الثقافية، العقبة الكؤود أمام التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي، ونظرة سريعة على ما يحدث في الدول العربية تشير بوضوح كافٍ إلى هذه الحقيقة.

ومن أبرز المعوقات أمام ثقافة الديمقراطية "الحكومات" والإرث الثقافي-الاجتماعي للشعوب، فبعض الحكومات العربية غير مقتنعة بأهمية الإصلاح السياسي أو التطوير، وضرورة التحول الديمقراطي كأساس للتقدم، ولا تزال هذه الحكومات تشعر عن يقين بأن مصلحتها الخاصة مهددة إذا حصلت الشعوب على حقوقها، مما زاد الفجوة بين مصالح الوطن والمواطن والحكومات، ومما عقد الأمور وجود قناعات سياسية متأصلة لدى المجتمعات العربية وحكوماتها أضحت من المسلمات، فقد نهضت الدول وأنظمتها السياسية على قبول الأمر الواقع، وانكفأ المواطن على ذاته واحتمى بعصبته وقبليته وطائفته متخلياً عن حقوق المواطنة، وشاعراً بالعجز الدائم عن مواجهة قوى السلطة الحاكمة، وتقلصت الدول العربية في شخصية نظمها الحاكمة، بعد أن سلمت الشعوب العربية طواعية أو قهراً قدرها إلى حكومات تفتقر إلى ثقافة الديمقراطية أيضاً، واستطاعت أن تقنع شعوبها بدورها الأبوي في رعاية شعوب تفتقد إلى الأهلية ولم تبلغ سن الرشد لتتولى أمورها بنفسها، بل إنها ترزح في أمية تعليمية وثقافية وسياسية.

فالحكومات العربية تقوم بتغيير وتعديل الدساتير وفق مصالحها الذاتية وبما يمنحها مزيداً من المزايا والسلطات تحت زعم الإصلاح السياسي، والشعوب العربية تعتبر ذلك قمة الديمقراطية وتهتف باسم الحكومات، ولا ترى في ذلك أي مساس بحقها الطبيعي ودورها في تحديد التغيير المطلوب وأبعاده ومدى توافقه مع المصلحة العامة، واستطاعت أن تحول هزائمها الخارجية إلى مصدر تسلط على شعوبها، وتستحضر دائماً ثقافة "المؤامرة" لتمنع أي تغيير.

وبعض النظم السياسية العربية تعتبر نفسها فوق القانون وهي مقتنعة بأن ما تقوله أو تراه هو دستور وقانون ونص مقدس يجب على شعوبها احترامه والالتزام به، وهو ما يعتبره المجتمع أمراً طبيعياً، فهذه النظم تمتلك وسائل تستطيع بها فرض ما تقول، لذلك فإن "القوة فوق الحق" والحق تملكه الحكومة فقط.

لقد كان هناك أمل في أن تستطيع ثورة الاتصالات والمعلومات والإعلام العابر للحدود أن تسهم في نشر ثقافة الديمقراطية، ولكن غالبيتها تخضع لمنطق التسلية والترفيه، وتشارك في سباق "التفاهة" واستنساخ البرامج، وتفتح قنواتها الفضائية لفتاوى "شيوخ الإعلام"، وحوار "الطرشان"، وتهميش الفكر العلمي والعقلاني.

أما الأحزاب السياسية العربية التي انعقد عليها الأمل لبناء فكر ثقافي ديمقراطي، فكان لها دور غير مسبوق في تكريس ثقافة الاستبداد، فمن يتولى رئاسة حزب يريد أن يستمر إلى الأبد، وفي سبيل ذلك يقضي على أي تطور داخل الحزب، ويحارب الكفاءات، ويتحالف مع الحكومة ضد أعضاء حزبه، بل وجدنا من يطلق النار ويستولي على مقر الحزب وفق ثقافة "الانقلابات العسكرية"، ضارباً بالقانون عرض الحائط.

تواجه الديمقراطية منظومة من التراث والفكر الديني المتطرف المتأصل في بنية المجتمعات العربية، مما فرض نوعاً من الشرعية على الاستبداد، وقضى على أي أمل حقيقي في الإصلاح السياسي، وبات الحل في العقل العربي ليتعلم ثقافة الديمقراطية لأن البديل... هو استمرار الحال على ما هو عليه... وعليه العوض!

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-11-6-2006