إشكالية التوفيق بين الاستقرار والديمقراطية

 

جابر حبيب جابر

 

 

يعتبر الواجب الاول للدولة ومبرر وجودها هو تحقيق الأمن، اذ ان نظريات نشوء الدولة، ايا كانت هذه النظريات، اجمعت على هذه الغاية، التي جعلت الانسان يتنازل عن حرياته الطبيعية ويرضى بحاكم مستقل يفصل بمنازعاته، حيث شعر الناس بوجود خلل في المجتمع، هو عدم وجود هيئة او سلطة تستطيع حل المنازعات بين الافراد، وتضمن أمنهم وسلامتهم، أو كما يرى روسو (1712 - 1778) أن الدولة وجدت كهيئة تمثل الارادة العامة للافراد، وتمثل سيادة الشعب، وخول الافراد هذه الهيئة العامة حق اكراه كل من يرفض إطاعة الارادة العامة، وقبل ذلك كان قد رأى ابن خلدون ان الاجتماع الانساني ضرورة لازمة وشرط حتمي للمدنية والحضارة، كما انه ضروري للناس، لأنهم بدونه يصبح وجودهم ناقصاً وتكون إرادة الله الهادفة الى اسكانهم الارض غير نافعة، وان كل اجتماع إنساني بحاجة الى وازع او حاكم يقيم العدل ويدفع بعض الناس عن بعض.

أوردنا هذه البديهيات لنذكر بأهم مبرر قامت من أجله الدولة، الذي ينتفي بانتفائه مبرر وجودها، وهذا المشكل لا يمثل هاجساً او ذا بال عند باقي مجتمعات المنظومة الدولية، التي تجاوزت ذلك عند لحظة التأسيس، ربما الاستثناء الوحيد هنا في بلد الاشلاء المتطايرة بفعل المفخخات وعشرات الجثث، من ضحايا مسلسل القتل اليومي الغامض، الذي اكتمل المشهد كارثياً بتهجير قسري طال عشرات الالوف، وكأن هذا الشعب كتب عليه التهجير وأدمن العيش مع المأسي.

الذي يعاكس سوداوية المشهد، هو التسليم بأن الصبر الذي ينفق من اجل حيازة التوافق، الذي يعتبر ممهداً لتحقيق الرضا الاوسع اللازم لدفع العملية السياسية يبدو رغم ضخامة الكلف ضرورياً، لهذا وان جاءت ولادة حكومة الوحدة الوطنية عبر مخاض طويل تأخر فيه اهم اجزائها، وهو اشغال وزارات الملف الامني، فإن ذلك يعود بجزء مهم منه الى ارث المخاوف المتبادل ولصعوبة اقناع فرقاء يحتكمون للمرة الاولى لقواعد اللعبة الديمقراطية، لذا وان تأخرت الحكومة، فإنها جاءت على قاعدة تمثيل واسع منبثقة عن برلمان لم يغب عنه اي مكون عراقي صغر أم كبر، ومثل فيه جل الطيف السياسي، وهذا من شأنه ان ينزع أي شرعية عن اي عنف مضاد لها.

يوم اكتمال الحكومة هذا رافقه انتقاص وانكسار قاصم على جبهة وبنية العنف والارهاب، بمقتل رأسه بالعراق، الذي فاقت رمزيته قائدي القاعدة التقليديين، بن لادن والظواهري، وجعلتهما في الظل لسنتين، في حين اتصفت عملياته بأنها الاكثر دموية وايذاء للنسيج المجتمعي العراقي، حيث اسس فيه لمنهجية القتل ولثقافة العنف الطائفي، عبر الفكر التكفيري الذي كان ابرز منظريه وفواعله العملية، حيث ان ذلك سيعطي زخماً للحكومة وسيوفر فرصة للانقلاب على بنية العنف في المناطق المضطربة، بتحفيز اهلها على طرد القوى الوافدة وفكرها، الذي اوجد له امتدادات محلية مستغلين انكسار حاجز الخوف والتشرذم المتوقع الذي سيصيب قيادات هذه الجماعات.

مع ذلك فإن هذا لا يقتضي الافراط في التفاؤل، اذ تبقى اولويات حكومة العراق مختلفة عن اولويات باقي حكومات الارض، فإنها تتلخص في معالجة اخطر ملفين، اللذين تفاقم الفشل في معالجتهما، وهما ملفا الامن والفساد، حيث يجب ان يكون علاجهما الحقيقي في قوة الدولة وباستعادتها لهيبتها وليس فقط بالتعويل والركون على العملية السياسية، التي هي واقعاً ثمرة تضحيات الشعب وليس من نتاج نخبته السياسية، التي على العكس برعت في اعاقتها، اذ اللافت انه تم تحميل العملية السياسية الشيء الكثير، بل واعتبرت وكأنها مفتاح نجاح البلد وباب فرجه، في حين الواضح ان الازمات المستدامة سترتد على هذه العملية السياسية وتخنقها، اذ ما الذي سيبقى من ملحمة خروج شعب وبذله الدماء لتأسيس ديمقراطية بناها وسط كل عوامل التهديد والتخويف وفقدان الأمل بالوعود الهلامية، التي بات أيسرها عصيا على التحقيق، مع يأس وإحباط من طبقة سياسية رفعها مراهناً على ارثها المقارع للدكتاتورية والناقد لفسادها والناقم على استئثارها.

هنالك خلاف بين المختصين في ما اذا كان ضمان الأمان سيسهم في نشر الديمقراطية بين الشعب، أم أن سلوك السبيل الديمقراطي هو شرط اساسي لتحقيق الاستقرار، لا شك انه ليس هنالك في الدنيا كلها شيء يضاهي في استقراره نظاماً دكتاتورياً فعالاً يتسلح بالقسوة ويجانب الرحمة، لذا نجد ان الديمقراطيا ت الناشئة في الوطن العربي، هي وحدها التي تعاني اليوم وبوضوح من عدم الاستقرار، كما في العراق وفلسطين ولبنان ، فهل ان ذلك يعود، كما يتهمنا بعض الغربيين، الى اننا نمتلك طبيعة بشرية لا تعرف كيف تنتفع من الحرية، او اننا شعوب لا تريد ان تكون حرة، كونها لا تعرف قيمة الحرية التي عرفها الآخرون، أم يعود ذلك، وكما يرى المدافعون عن الديمقراطيات، الى ضراوة الهجمة الموجهة اليها، التي تحالفت فيها قوى اصولية ترفضها فكراً ومنهجاً، ومنظومة اقليمية تخشى من انها ستحدث تصدعاً في جدرانها السلطوية، ومن قوى دولية تخشى من ان نجاحها سيكرس تفرد نظام القطب الواحد.

في حين ان النقد يوجه الى الديمقراطية عندنا، بأنها من جهة تطلق قوى التشرذم وتجعلها تصطرع على السطح بنزعاتها المناطقية والجهوية والطائفية، وتكبح من جهة اخرى وتقيد عنف الدولة، الذي ركنا اليه وحده كحاجز وضمانة لمنع الفوضى.

لا شك في ان الديمقراطية هي ليست دواء سحريا ضد العنف في مجتمعات تختزن كل مبرراته، الا انها تظل الاقرب لتحقيق السلم الاجتماعي، وهي ايضاً تقدم الوسيلة لاقتسام السلطة التي لم نعرف وعلى طول تأريخنا سبيلاً لاقتسامها، حتى انه لم يسل سيف في الاسلام ولم ترق دماء بقدر ما اريقت على مسألة السلطة «الإمامة».

اشيع عن السيد جمال الدين الافغاني ( 1838-1897) مقولة بأنه يرى أن الشرق يحتاج الى «مستبد عادل»، فرد مستغرباً بأن ذلك من قبيل جمع الاضداد، اذ كيف يجتمع العدل والاستبداد؟ انما خير صفات الحاكم «القوة والعدل»، اذ لا خير بالضعيف العادل، كما انه لا خير بالقوي الظالم.

المفارقة اننا ما زلنا نجتر ونراوح أمام الثنائية نفسها، أما القوة او العدل حيث استحال التوفيق بينهما.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط الندنية-11-6-2006