المجتمع المدني في كردستان العراق

 

رستم محمود

 

يبدو الكرد في المنطقة بشكل عام، وبالتحديد منهم كرد العراق، منذ أحداث أيلول (سبتمبر) وما تلاها ابرز الحاملين للموجة الراغبة في إعادة تركيب منطقة الشرق الأوسط.

فالكرد العراقيون مثلا يظهرون أنفسهم كخير مناهض للفكر الشمولي الذي لف المنطقة منذ أربعة عقود، وبذلك هم أكثر الفئات المتهيئة لدخول الفضاء الديموقراطي الموعود. ويكمن الخلط في رؤية تعتقد أن تناقض الواقع السياسي الكردي مع الشمولية يعني مباشرة تناقض البنية الاجتماعية للكرد مع بنية المجتمع الشمولي، وهذا يؤدي الى استنتاج مباشر يحدد ارتقاء المجتمع الكردي بتبدل حاله السياسي فقط.

الأرقام التي ذكرتها إحدى الصحافيات عن النساء المنتحرات في مدينة السليمانية، أكثر المدن الكردية تمدنا، (حوالي 28 خلال أول خمسين يوما من هذا العام) كانت فظيعة، اضيفت اليها هجرة احدى العشائر من مناطقها خوفا من ثأر عشيرة أخرى، في غياب واضح لهيبة الدولة وتسليم قوي بحضور العشائرية.

وما هذان المثالان سوى نموذجين لصراع صامت لكن عميق بين شكلين من البنى. الأول عسكري عشائري ونصف اقطاعي مدعوم من سلطة الطرفين الكرديين في السليمانية واربيل، وذلك مثبت في علم الولاء، والثاني شبابي متأثر بالأجواء التي عاشها في اوروبا خلال عقد التسعينات ولم يشهد الصراع الدامي مع المركز، وهو مدعوم من البورجوازية الكردية الصاعدة والوجود والوصاية الأجنبية السياسية والإعلامية هناك.

لكن القراءة الصحيحة لمجتمع كردستان العراق ليست غنية عن ملاحظة التواتر المتسارع لبناها الأساسية السياسية والاقتصادية خلال العقود الثلاثة الأخيرة. فمن العسكريتارية العشائرية المرافقة لثورة البارزاني الى الشكل الحربي الاجتماعي في الحرب الإيرانية، ثم الحكم الذاتي المحاصر في بداية التسعينات. وفيما بعد تحولت كردستان الى مركز اقتصادي وسياسي آمن لكل العراق بعد الحرب الأخيرة. هذه التحولات كلها، وما رافقها من تأثيرات جذرية على المجتمع الكردي، حصلت في اقل من ثلاثة عقود، وهي متسارعة مقارنة بنظيرتها العربية لا الأوروبية. والأهم من ذلك أنها حدثت من دون تبدل ملحوظ في الميكانيزم المنظم للعلاقة بين السلطة بكل دلالاتها ومعانيها وبين القوى المسيطر عليها. فالقيادات التاريخية للشعب الكردي بقيت هي هي في كل هذه المفاصل التاريخية، والعشائرية كشكل للتراصف الاجتماعي والسياسي وحتى الاقتصادي ظلت اللاعب الأبرز.

وقد يكون المفترق التاريخي الذي يمر به كرد العراق اليوم نتاج وقوع القضايا الاجتماعية لفترة طويلة في مساحة اللامفكر به، حيث انحاز الوعي الكردي الى الانشغال بالسياسة خلال نصف قرن كامل، وذلك بسبب الحالة الاستثنائية للعلاقة مع المركز، منذ المؤتمر الرابع للحزب الديموقراطي الكردستاني بداية الستينات، الذي قرر نهج الكفاح المسلح لنيل الحقوق القومية الكردية، وكان وقت ذلك تتويجا لانتصار الجناح العسكري القروي على الجناح المدني التجاري في الحزب. ولم يشعل تلك التراكمات والتبادلات الحاصلة في القاع الاجتماعي الكردي الا فضاء الحرية الممنوح للعامة بعد الحرب الأخيرة، ولم يرافقها فضاء مساوي من الديموقراطية. وعلى هذا الأساس بات كم هائل من الوعي الاجتماعي معرضا للنقد والتناول من دون أن يرافقه أي ميكانيزم للتغيير.

ان منظمات المجتمع المدني في كردستان العراق نشطة جدا وعددها يفوق 128 منظمة حسب الأرقام الرسمية، وهي تتوزع على طيف مشكل من حقوق المرأة والطفل مرورا بالبيئة وانتهاء بالمنظمات المدافعة عن حرية الصحافة والإعلام. وبرلمان الإقليم سن بدوره الكثير من القوانين المدنية الرائدة مقارنة مع الجوار. فهو يمنع تعدد الزوجات ويحرم على الجندي إطلاق النار على المدنيين ولو بأمر من مرؤوسيه، الى ما هنالك من الخطوات الجادة في سبيل المدنية الاجتماعية.

لكن السؤال الصعب الذي لا بد أن يطرحه كرد العراق هو مدى نجاعة عمل أي منظمة مدنية أو قوانين رسمية في ظل مجتمع ريعي لا يستطيع الإفلات من قبضة السلطات السياسية الحاكمة. فكل المنظمات المدنية تتمتع بالحماية اقتصاديا اما بشكل مباشر من حكومة الإقليم أو من البورجوازية المحسوبة عليها. وطبعا قد لا يكون غريبا هنا أن الاقتصاديين الكرد الذين لهم مشاريع اجتماعية أو سياسية، رديفة لنشاطهم الاقتصادي يواجهون عقبات أضعاف ما يواجهه نظراؤهم المتجاهلون لهذه المواضيع، وذلك نزولا عند رغبة الحزبيين الكرديين الراغبين في احتكار المسارح العسكرية والتربوية والشبابية. من هنا لم يكن غريبا خلال الخمسة عشر عاما الماضية عدم ظهور أي منظمات شبابية منافسة لمنظمتي الحزبين الرئيسيين الا منظمة شباب الاتحاد الإسلامي، وإن لم يكن على المستوى السياسي، وذلك للسبب الريعي الذي سميناه سابقا.

حصلت حالات استثنائية راغبة في تكوين سياقات خاصة للعمل المدني، لكنها واجهت الصدام المباشر مع السلطة القائمة، كما حصل مع بعض الصحافيين والناشطين الكرد المستقلين، انتهى اغلبها بتدخل الهيئات والمنظمات الدولية. هذه الأخيرة التي كان من الممكن أن يكون لها دور اكبر لولا الشكل الحساس للتحالف الكردي مع الدول الغربية. ومن هنا قد يستسلم بقدرة السلطات السياسية الكردية في توجيه دفة الصراع الاجتماعي الكردي، والرغبة الأكيدة منهم بدخول الشعب الكردي في الحداثة المرفقة بفتح المجال العام أمام الجميع ومن دون ريعية، وحدها القادرة على جعل «بيشمركة» البارحة التي تعني الذاهبين الى الموت الى «البيشمركة» اليوم التي تعني الذاهبين الى الحياة.

و كل ذلك بحسب راي رستم محمود في المصدر المذكور .

المصدر : الحياة – 7-6-2006