اعـلان حالة الطـوارئ فـي الـعـراق .. .بين الضرورة القصوى ومتطلبات حقوق الانسان

 

د. فـلاح اسـماعيل حاجم

 

الاحداث الجارية على الساحة العربية عموما؛ و العراقية على وجه الخصوص؛ لم تعد تثير الدهشة.

- اذ ليس عجيبا ان يقوم محامي عربي بتبرأة حاكم مجرم حتى قبل محاكمته؛ واخر عراقي بتلقين شهود الدفاع ودفعهم لاتهام احد اركان القضاء الاساسيين بالعمالة لجهة اجنبية. فالدوافع في هذه الحالة واضحة حتى من دون اللجوء الى وكلاء دفاع مصريين رديئي التمثيل.

- وليس غريبا ان تقوم الفضائيات العربية بمنح الارهاب الدوّلي حيّزا مجانيا من الدعاية لم تمنحه لأي مشروع انساني آخر.

- ولم افاجأ حينما تصبح بعض المنظمات و الهيئات العراقية؛ التي ولدت بعد سقوط النظام؛ اجنحة سياسية لعصابات القتل ونحر الابرياء؛ لان دوّرة التكوين لتلك المنظمات لم تكتمل بعد, حيث ولدت بعمليات قيسريّة و في خضم الهروب السريع اثر السقوط المخزي لنظام صدام.

- ولم يعد غريبا بالنسبة لي اصطفاف اليساريين العرب الى جانب اعتى دكتاتورية عرفها التأريخ البشري ومساندة الانظمة الشمولية ضد تطلعات شعوبهم في الديمقراطية و الحياة الكريمة.

- وصار مألوفا بالنسبة لي رؤية صحفيين عرب؛ في المهجر " يعضّون اليد التي تطعمهم " ويكيلون الشتائم ويسيئون الى من منحهم الدفئ و قاسمهم الخبز في الوقت الذي طاردتهم فيه مفارز المخابرات في اوطانهم.

نعم؛ لم يدهشني ولم يفاجئني كل ذلك؛ انما اشد ما يثير عجبي هو هذا الاصرار على ادامة معاناة الشعب العراقي وغض الطرف عن بحر الدماء الذي باتت روافده تنبع من كل حدب وصوب. وكأن على العراقي ان يدفع ظريبة حريته دماءا زكية يدفع صحفيو فضائيات الدوّل ( الشقيقة ) اثمان اقراصها سلفا لتحقيق السبق الصحفي. وان أشد ما يثير دهشتي هو وقوف البعض من قادة دولتنا الجديدة ضد تفعيل قانون محاربة الارهاب واعلان حالة الطوارئ في البلاد تحت يافطة مقلوبة عنوانها الدفاع عن حقوق الانسان. فيما يوغل عتاة الارهاب ليس بخرق حقوق الانسان فقط , وانما بالغائه جسديا وبالصورة التي لم تشهدها اشد المراحل قتامة وظلاما في التاريخ الغابر والمعاصر على الاطلاق.

- هل ان منع المواطنين من التجوّل ؛ في اوقات محددة ووفق ضوابط معيّنة؛ اسوأ من حرمانهم من الحياة ذاتها؟. انني ارى ان حظر التجوّل كان يجب ان يعلن في العراق منذ فترة طويلة. وكان على حكومات العراق الانتقالية والمؤقتة انهاء فوضى السلاح وحصره في اجهزة الدولة المختصة, مع التصدي وبحزم لكل تجمع من شأنه تشكيل هياكل موازية لأجهزة الدولة الرسمية. وهنا اجد من الضروري الاشارة الى ان العراق هو الدولة الوحيدة التي تشهد شوارعها انتشارا لا مثيل له للمسلحين, يذكرنا بشوارع بيروت ابان الحرب الاهلية وشوارع الصومال حاليا.

- وهل تفتيش بعض البيوت؛ وباجراءات وضوابط قانونية؛ افضل بكثير من تحويلها الى ملاجئ للارهابيين وعناصر الجريمة المنظمة ومخابئ لاسلحة الموت والدمار في الظرف الراهن؟

- ثم ألم تكن التضحية ببعض الحقوق؛ ولشريحة ضيّقة ( مشتبه بها ) افضل من التضحية بجميع الحقوق ولكل لشرائح ؟ ( أود التذكير هنا بان نظرية الدولة و القانون تطلق على الاخلال ببعض الحقوق الدستورية للمواطنين ؛في الظروف الاستثنائية؛ الخرق المشروع ). وبهذا الخصوص ايضا اجد لزاما الاشارة الى أن العلم القانوني عالج هذه القضية؛ اذ منح الحق بالعودة الى المبادئ القانونية المعروفة مثل اعتبار حياة الانسان قيمة عليا؛ ومبدأ العدالة؛ و الحفاظ على كرامة الناس وصونها..., الخ. ثم ان هناك حالات تضمنتها الشرائع السماوية؛ مثلما حددتها القوانين الوضعية؛ مثل حالة الضرورة القصوى والدفاع عن النفس؛ ومفهوم الحق العام وغيرها من الحالات التي تبيح المحظور في الظروف الاستثنائية. ولا اعتقد ان حقوقيا يدعي الموضوعية يستطيع التأكيد بان العراق في الوقت الراهن لا تنطبق عليه جميع هذه الحالات. ان الحكومة العراقية لا تمتلك الحق فحسب؛ بل وملزمة ايضا باعلان حالة الطوارئ ؛ على الاقل في مناطق انتشار الارهاب والجريمة المنظمة ؛ اذ ان من اولى مهماتها كحكومة؛ توفير الامن للمواطنين؛ وهو الاساس الذي بدونه لا يمكن الانطلاق لتحقيق البنود اللاحقة في برنامجها الصعب. انها مهمة معقدة؛ دون شك؛ لكنها مشّرفة. واعتقد ان على اعضاء حكومة العراق الحاليين اثبات كونهم جديرين بهذا الشرف.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: البديل الديمقراطي-6-6-2006