هل يحتاج موظفو الدرجات الخاصة إلى موافقة مجلس الوزراء وثقة مجلس النواب؟

 

المحامي طارق حرب

 

إذا كان قانون ادراة الدولة العراقية في المرحلة الانتقالية وفي المادة(39/ د) خص المدير العام لدائرة الاستخبارات وكبار ضباط القوات المسلحة من رتبة عميد فما فوق بوجوب تعيينهم من مجلس الوزراء  ومصادقة الجمعية الوطنية، فأن الدستور الجديد وفي المادة(80/ خامساً) عهد الى مجلس الوزراء صلاحية تعيين اصحاب الدرجات الخاصة من وكلاء الوزارات والسفراء ورئيس اركان الجيش ومعاونيه ومن هم بمنصب قائد فرقة ورئيس جهاز المخابرات ورؤساء الاجهزة الأمنية وغيرهم من اصحاب الدرجات الخاصة، وأناطت المادة(61/خامساً) بمجلس النواب الموافقة على تعيين رئيس وأعضاء محكمة التمييز الاتحادية ورئيس هيئة الادعاء العام ورئيس هيئة الاشراف القضائي بناء على اقتراح مجلس القضاء الاعلى والسفراء ورئيس أركان الجيش ومعاونيه ومن هم بمنصب قائد فرقة فما فوق ورئيس جهاز المخابرات بناء على اقتراح مجلس الوزراء.

ماهي الدرجات الخاصة؟

وقبل تحديد الموظفين من اصحاب الدرجات الخاصة المشمولين باحكام الدستور السالفة، فانه من المشهورات الدستورية والواضحات القانونية إن أحكام الدستور هذه تنطبق على من يتم تعيينه بوظيفة من وظائف الدرجات الخاصة بعد نفاذ الدستور. أي الموظف الذي تتولى تعيينه حكومة الاستاذ نوري المالكي وبالتالي فأن اي موظف درجة خاصة ترغب الوزارة الجديدة في تعيينه لابد من موافقة مجلس الوزراء اولاً وعرض الاسم على مجلس النواب للحصول على الثقة ثانيا إذ لا يكتفى  بموافقة مجلس الوزراء ولا يجوز صدور امر التعيين بالموافقة هذه وإنما لابد من عرض الموضوع على مجلس النواب للحصول على ثقته في هذا التعيين. وثقة مجلس النواب بالاغلبية البسيطة اي ( 50%+1) من عدد اعضاء مجلس النواب الحاضرين في الجلسة. فاذا فرضنا أن الجلسة ضمت (200) عضو فلابد من موافقة(101) عضو ومن لم يوافق عليه مجلس النواب بهذه الاغلبية فان موافقة مجلس الوزراء لا يعول عليها دستوريا ولا اثر لها قانونيا ولكن السؤال المهم هو هل إن حكم الدستور السالف يشمل موظفي الدرجات الخاصة السابقين ممن تم تعيينهم قبل استلام الحكومة الجديدة برئاسة نوري المالكي، بمعنى إن من تم تعيينه في السلطات السابقة وهي سلطة الائتلاف المؤقت والحكومة الانتقالية برئاسة الدكتور اياد علاوي والحكومة الانتقالية برئاسة الدكتور ابراهيم الجعفري ، هل يحتاج الى إعادة تعيين بموافقة الحكومة الجديدة برئاسة المالكي وثقة من مجلس النواب أم ان اصحاب الدرجات الخاصة الذين تم تعيينهم من قبل السلطات السابقة لا يحتاجون من الوجه الدستوري والناحية القانونية الى موافقة وثقة جديدة واعادة تعيين آخر من حكومة المالكي ومجلس النواب.

رأيان

وفي الاجابة على هذا السؤال يمكن ان نرى رأيين اولهما يقول بأن الموضوع لا يحتاج الى موافقة مجلس الوزراء او ثقة مجلس النواب وذلك لأن تعيين المذكورين من اصحاب الدرجات الخاصة حصل في ظل نظام قانوني معين وإنهم اكتسبوا في ظل هذا النظام حقوقا مكتسبة ولا يحتاج الأمر الى موفقة وثقة جديدة من الحكومة الجديدة ومجلس النواب وإن حكم الدستور بشأن تعيين اصحاب الدرجات الخاصة والموافقة عليهم ومنحهم الثقة ينبسط على حالات التعيين الجديدة وليس السابقة فهم في حصانة قانونية مستمرة، اما الرأي الثاني فينادي بوجوب إعادة موافقة مجلس الوزراء وثقة مجلس النواب على اصحاب الدرجات الخاصة ممن تم تعيينهم سابقا سواء تم تعيينهم من قبل سلطة الائتلاف او من قبل الحكومتين المؤقتة والانتقالية، وذلك إن من سيتم تعيينه مجددا في الدرجة الخاصة لابد ان يحصل على موافقة مجلس الوزراء باعتباره جهة التعيين وثقة مجلس النواب تطبيقا لاحكام الدستور ولكن الاشكال الدستوري والاعضال القانوني بشأن من تم تعيينه سابقاً  وانه لابدمن مراعاة احكام الدستور بالنسبة للذين تم تعيينهم سابقا إذ لا يمكن ان يكون هناك فرق بين من تم تعيينهم سابقا ومن تم تعيينه ولا مجال لاعطاء من تم تعيينه سابقا بأمتياز لم يحصل عليه من سيتم تعيينه، وإن احكام الدستور هي وثيقة قانونية جديدة يجب تطبيقها على من سبق تعيينه ومن سيتم تعيينه وبخلافه فأن ذلك يعني عدم تطبيق احكام الدستور وهذا ما لا يمكن قبوله لا سيما وإن الزام الحكومة الجديدة بأشخاص تم تعيينهم سابقا من سلطة الائتلاف والحكومتين المؤقتة والانتقالية يعني تحميل الحكومة الجديدة اخطاء موظفين لم تتول تعيينهم وإنما تولت تعيينهم جهة اخرى غير حكومة المالكي وبالتالي تحتسب اخطاؤهم على الحكومة الجديدة في حين إنها لم تعينهم ولم تكن راغبة في استمرارهم بالوظيفة لا سيما وإن اصحاب الدرجات الخاصة من وكلاء وزارات وسفراء وقادة جيش وقادة أمنيين ورؤساء أجهزة خطيرة في الدولة لهم دور كبير في أداء الحكومة الجديدة وقيامها بوظيفتها حيث تكون مسؤولة أمام مجلس النواب وامام الشعب عن اداء الجهاز الحكومي بما فيها الدوائر التي يشغل فيها موظفو الدرجات الخاصة مناصب مهمة جداً فليس من المعقول أن تتحمل حكومة المالكي خطأ موظفين لم تتول تعيينهم وإنما تم تعيينهم من سلطات اخرى سابقة على الحكومة الجديدة خاصةان اداء الجهاز الاداري والحكومي وجريان مسيرة الدولة هو في يد موظفي الدرجات الخاصة إذ إن وكلاء الوزارات هم الذين يسيرون أداء كل وزارة ذلك إن الوزير ليس الا منصبا وزارياً اما الجهة الفنية العملية للوزارة فيكون بيد وكيل الوزارة. وكيف يسأل مجلس النواب حكومة المالكي عن اداء الدوائر التي يرأسها اصحاب الدرجات الخاصة في حين إن هذه الحكومة لا ارادة لها في تعين رئيس الدائرة فكيف تسأل حكومة المالكي عن مفوضية حقوق الانسان وعن مفوضية الانتخابات وعن هيئة النزاهة وعن ديوان الرقابة المالية وعن هيئة الاعلام والاتصالات وعن ديوان الاوقاف وعن البنك المركزي وعن اداء الجيش وعن اداء جهاز المخابرات وعن اداء الاجهزة الأمنية وعن اداء شبكة الاعلام العراقي وعن أداء هيئة حل المنازعات العقارية وعن غيرها من الدوائر والمؤسسات والاجهزة التي يرأسها وأعضاء  مجلس ادارتها من اصحاب الدرجات الخاصة في حين ان هذه الحكومة لا دور لها في تعيين رؤسائها واعضاء مجلس إدارتها؟ وهل يمكن لرئيس مجلس الوزراء الجديد ان يدفع امام مجلس النواب بعدم مسؤوليته بسبب ان اداء تلك الجهات المتدني وغير المقبول كان بسبب ان رؤساءها واعضاء مجلس ادارتها لم يتم تعينهم من قبل مجلس الوزراء الحالي وانما تم تعيينهم من قبل السلطات السابقة وهذا الدفع لا يمكن الالتفات اليه من مجلس النواب من رئيس مجلس الوزراء باعتباره المسؤول عن السلطة التنفيذية التي تشمل هذه الدوائر وجميع الوزارات.

استحصال موافقة

يعاضد هذه الرأي ويؤازره ما استقر عليه العمل في كثير من انظمة الديمقراطية واوطان الحرية من ان تشكيل سلطة جديدة يوجب على اصحاب الدرجات الوظيفية الكبيرة إستحصال موافقة وثقة السلطة الجديدة على بقاء المذكورين في مناصبهم واستمرارهم في عملهم، طالما إن السلطة الجديدة ستكون مسؤولة امام البرلمان عن اعمالهم، لكي يكون الامر واضحا امام السلطة الجديدة.

ولكن من العجب والعجاب والعجائب والاعاجيب الدستورية والقانونية ان ايا من موظفي الدرجات الخاصة سواء الذين يتم تعيينهم من سلطة الائتلاف المؤقتة او الحكومة الانتقالية لم يبادر الى سلوك السبيل الدستوري نحو ما ذكر سلفا في عرض موضوعه على رئيس مجلس الوزراء للموافقة من عدمه، وهذا عوار دستوري ومعرة قانونية كان من اللازم عليهم سلوكه فهو من جميل الرسوم الدستورية وجميل التقاليد القانونية، واذا كان المذكورون لم يبادروا الى ذلك فأن على الاستاذ المالكي ممارسة صلاحياته الدستورية بهذا الشأن على الاقل ان لا يتحمل جريرة ذنب اقترفه سواه في تعيين شخص ما في وظيفة من الدرجة الخاصة لا يستحقها من حيث الكفاءة والمهارة إذ على اصحاب الدرجات الخاصة التقدم الى رئيس الوزراء بتجديد الثقة والموافقة عليهم لكي يكون رئيس الوزراء على بينة عند موافقته على استمرار صاحب درجة خاصة بأداء مهمته الوظيفية او ان له رأيا آخر في الموضوع، فلا يمكن لاصحاب الدرجات الخاصة بالاستمرار بوظائفهم دون موافقة مجلس الوزراء لا بل ان على مجلس الوزراء الاعمام على جميع الجهات في رفع اسماء شاغلي الدرجات الخاصة لكي يكون لمجلس الوزراء الرأي في استمرارهم بالوظيفة او انهاء خدماتهم طالما ان رئيس مجلس الوزراء مسؤول دستوريا امام مجلس النواب عن اداء اجهزة الدولة بأجمعها وخلاف ذلك تحميل رئيس مجلس الوزراء ذنبا لم يقترفه في تعيين المذكورين والاداء الحسن لهم، وفي الختام نقول ان على موظفي الدرجات الخاصة التي اوردناها والتي لم نوردها ذلك ان قانون الخدمة المدنية 24 لسنة 1960 وقرارات مجلس قيادة الثورة المنحل حددت اصحاب الدرجات الخاصة وعلى رئيس مجلس الوزراء ان يكون المقصد من عملهم العراق الوطن والعراقي المواطن وبصرف النظر عن ايراد قائمة طويلة عريضة للوظائف التي اعتبرها النظام القانوني العراقي من الدرجات الخاصة موضوعة بحث الحكم الدستوري السالف، فهلا بادر من يعنيهم الامر من شاغلي هذه الوظائف اشعار مجلس النواب بذلك، على الاقل كي يقرر مجلس الوزراء استمرارهم بوظائفهم من عدمه، ذلك ان مجلس الوزراء هو الهيئة التنفيذية العليا في العراق على وفق احكام الدستور الجديد ومجلس الوزراءان يقرر ما يراه على وفق مصلحة البلاد، ولا مانع دستوري حتى لو وافق مجلس الوزراء استمرار جميع شاغلي هذه الدرجات بوظائفهم وعدم انهاء خدمة اي منهم، وبذلك يعتمد نظام الادارة رسما دستوريا جميلا ويقوم شكل الحكم على عرف دستوري جليل، إذ علينا ان نؤسس لتقاليد وقيم وأصول إدارية ووظيفية وحكومية تساير احكام الدستور وتتناغم مع المبادئ القارة”المستقرة “ في دول الديمقراطية واوطان الحرية، ويبقى العراق الوطن والعراقي المواطن مقصد وغاية الخدمة الوظيفية.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح-6-6-2006