الديمقراطية وانزياحها خارج السِّرب!

 

د. طيب تيزيني

 

يكاد مصطلح "الديمقراطية" في المرحلة العالمية الراهنة، يكون الأكثر حضوراً ضمن الفكر السياسي والخطاب السياسي. ونلاحظ أن دعاة الديمقراطية في العالم -ومن ضمنه الحقل العربي- راحوا يعتقدون (على الأقل في قسم كبير منهم) أن مواجهة التخلف والتخليف والاستبداد في بلدانهم، لابد أن تمر بالديمقراطية (وهذا حق من حيث المبدأ). ولكنهم تعثروا كثيراً، ووقعوا في صعوبات نظرية وسياسية وقيمية جمّة، خصوصاً بعد نشأة النظام العالمي الجديد، الذي حسم موقفه من الديمقراطية بمثابتها "بيضة القبّان" في هذا الموقف.

ومع التغيير الذي أخذ يلحق بذلك الموقف (خصوصاً في ما وصل إليه المفكر الياباني- الأميركي فوكوياما، من أن الأولوية تبرز ها هنا لصالح الحداثة وليس لصالح الديمقراطية)، فإن نقطة محورية ظلت تهيمن على موقف أو مواقف دعاة الديمقراطية، وهي الانطلاق من أن الديمقراطية إنما هي خيار سياسي بامتياز ومن حيث الأساس. وهذا الموقف يُفصح عن نفسه، بكيفية خاصة، في البلدان التي تقوم آليات الحكم السياسي فيها على القمع والخوف والاستبداد. ومن ثم فإنه (أي الموقف المذكور) يتأسس على كونه "رداً سياسياً مباشراً" على تلك الآليات، يفتقد التصور حول ما بعد هذا الرد.

ويبرز السؤال الكبير، ها هنا، في وجه الإخفاقات المتتالية على صعيد التأسيس الديمقراطي في العالم العربي، على النحو التالي: لماذا هذه الإخفاقات، وإلى أين يمكن أن تؤدي؟ في هذا السياق، قد يصح القول -بعد الحُطام الذي أخذ يلحق بالعالم المذكور- إن الديمقراطية تجاوزت نفسها كخيار سياسي تُناط به مهمات التحول إلى مجتمعات عربية ديمقراطية، وأصبحت قريبة من الخيار الوجودي الذي يمكن ضبطه على النحو التالي: إما البقاء في التاريخ كقوة متقدمة فاعلة، وإما السقوط التاريخي.

ذلك أولاً، أما الوجه الآخر من المسألة فيدعونا إلى التفكّر، ثانية، في الإخفاقات (الديمقراطية) المذكورة (عربياً على نحو الخصوص). في هذه الحال، يجدر بنا أن نضع نصب أعيننا ما عمل مؤلّفا كتاب "عناصر من أجل علم اجتماع سياسي" وهما "جان بيير كوت" و"جان بيير مونييه"، على طرحه حيال هذا السؤال-المعضلة. لقد أعلن الباحثان أن الإخفاق في التأسيس الديمقراطي لدى مجموعة من الشعوب (منها شعوب عربية) يتحدر من عدم إدراك أن نقل مؤسسات الديمقراطية ومبادئها الكبرى "لا يكفي للحصول على نظام ديمقراطي"، فيجب فوق ذلك تنمية القواعد الإجرائية للنظام الديمقراطي: الاتجاهات السياسية، معايير السلوك، آليات اتخاذ القرار، العلاقات بين الحكام والمحكومين. إلا أن هذه المجموعة الثقافية مرتبطة بنظام المعتقدات وميثاق العلاقات الشخصية، اللذين يميزان مجتمعاً معافىً برهة معينة، ويتطوران -وهذا يؤكده علماء الأنتروبولوجيا- ببطء ويُنقلان بصعوبة.

ويضبط الباحثان المذكوران أفكارهما بالقول إن هذه الأنظمة الديمقراطية تفتقد ما عالجه الفلاسفة اليونان (وكذلك في رأينا العرب لاحقاً وخصوصاً منهم الفارابي وابن رشد) تحت فكرة "الفضيلة المدنيّة". أما تجلّي هذه الفضيلة فيظهر -بمقتضى علم الاجتماع السياسي- في ثلاثة تقاليد، هي ضبط حدٍ أوّلي من العلاقة بين الأخلاق والسياسة أولاً (وهذا التقليد ذو مرجعية فلسفية)، وتعميق العلاقة على نحو فعال بين الفعل الديمقراطي والنمو الاقتصادي ثانياً، (وهذا التقليد ذو مرجعية سوسيولوجية)، وتطوير الفعل المتبادل بين الإجراءات السياسية والشخصية الإنسانية على قاعدة منظومة القيم السيكولوجية والروحية، مثل الشفافية والغيرية والتسامح ثالثاً، (وهذا يتحدر من علم النفس الاجتماعي).

لقد أحجم معظم الناشطين والباحثين والسياسيين العرب عن فحْص الشرط التاريخي والسوسيوثقافي، الذي يمكن أن ينمو فيه الفعل الديمقراطي والمؤسسة الديمقراطية. فوقعوا في الاعتقاد الناقص بأن النشاط السياسي الثقافي في سبيل نظام ومجتمع ديمقراطيين إنما هو يتأسس على إنهاء الاستبداد السياسي وعلى القيام بالفعل الديمقراطي البديل، دون وضع اليد على ضرورة إعادة بناء المؤسسات المجتمعية المدنية والأهلية، والمنظومات الأخلاقية والسيكولوجية والروحية، يداً بيد مع إعادة بناء المجتمع السياسي المحطّم. وبذلك، فإن ثقافة الحوار والإقرار بالتعددية والدفاع عن الحرية والكرامة والمساواة والعدالة، تجد موقعاً مهماً في المشروع الوطني- القومي الديمقراطي العربي. وإذا ما أُغفلت هذه المفاصل، فإن استراتيجية العمل الديمقراطي من السهل أن تعيش حالة من الانزياح تفضي إلى النقيض أو الأخطاء ومواضع القصور.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-6-6-2006