روح الإحسان تزرع بذرة المجتمع المدني

 

 

سابرينا تافرنس

ترجمة : نادية المختار

 

في موجة الفوضى واللاقانون وتفضيل المصلحة الشخصية المسعورة والحرب التي أرهقت كاهل العراقيين، تمضي بعض الأعمال الخالصة النيات، والتي تنم عن الإيثار دون أن يلاحظها او ينتبه اليها أحد. فهاهي نجاة السعيدي تأخذ معها بعض (البيجامات) الصغيرة والملابس الى حي الشعلة الشيعي البائس وتسعى سعاد الخفاجي جاهدة الى توفير المأوى لخمسة أولاد كانوا يعيشون في مرآب سيارات شمالي بغداد العام الماضي. وإنتبهت الحكومة العراقية اخيرا لتلك الأعمال الحسنة. والآن وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات من الإجتياح الأميركي أخذت حدود منظمات المجتمع المدني الناشئة تأخذ شكلا خاصا بها. فمنذ عام 2003 سجلت الحكومة خمسة آلاف منظمة (غير حكومية)، تتوزع بين مؤسسات خيرية وجماعات حقوق الإنسان ووكالات المساعدات الطبية والمشاريع الثقافية. ويقدر المسؤولون وجود ما لايقل عن 7 آلاف مجموعة أخرى تعمل بشكل غير رسمي. وتظهر هذه المساعي رغم العنف والتعصب الطائفي البغيض الذي يمزق مدن العراق المختلطة الى إجزاء، مع وجود عدد قليل من العراقيين يحاولون أن يلموا شملهم سوية. تقول خديجة طعمة مديرة مكتب في وزارة شؤون المجتمع المدني التي تعمل حاليا مع مجموعات تقديم (العون الخاصة): "كان العراقيون متعطشين لمثل هذه التجربة، فقد كانت كما لو أنهم قاموا بها بالفعل مع أنفسهم". وتقدم المجموعات الخيرية الجديدة مقادير ضئيلة من النجدة في بحر الفقر الذي إكتسح العراق طوال سني الحصارالإقتصادي عام 1990، والذي زاد من سوئه أكثر هو الإجتياح الأميركي وماتخلله من إنعدام القانون وسيادة الفوضى. وهذا الإنفجار النشط جاء بعد عقود طويلة من حياة الكبت والحرمان تحت طائلة حكم صدام، عندما سمح فقط بوجود لجان ذات نهج إشتراكي تقوم بمثل هذه الأعمال للشباب والنسوة وأصحاب المصانع.

لقد سحق صدام ما كان متعارفا عليه في الحياة العامة، فمنذ ظهور الإسلام في القرن السابع كان للمؤسسة الخيرية مكانة خاصة في المجتمع، وبالعودة الى الوراء قليلا في القرن التاسع عشر فإن قادة من رجال دين ينحدرون من سلالة النبي محمد (صلى الله عليه وآله و سلم ) شكلوا جمعية تدعى (نقابة الأشراف)، مثلت الرابط بين أهالي بغداد وواليها المعين من قبل الحكومة العثمانية. ويرجع تاريخ غرفة تجارة بغداد إلى الثلاثينيات، وقد أقحم متطوعيها الى مناطق بغداد الفقيرة ليواكبوا الحملات الثقافية نهاية خمسينيات القرن الماضي بعد سقوط الحكومة الملكية. وقد عادت اليوم  الجماعات الخيرية إلى منح ومضة أمل بأن العراقيين مازالوا قادرين على تواصل إلتحامهم على الرغم من إزدياد مشاهد التعصب السامة. وتعد الآنسة نجاة السعيدي إمرأة نشيطة (35) عاما غير متزوجة وليست لها وظيفة، وقد حاولت بعد الإجتياح الأميركي أن تجد لها عملا في إحدى شركات الهواتف النقالة، وهي واحدة من الأعمال الخاصة القليلة التي تدفع أجورا جيدة لموظفيها، لكنها أُخبرت بعدم قبولها في العمل، لأنه يتطلب السفر الى خارج العراق. وكان بقاؤها في المنزل جزءا مما تسعى إليه، فقد قيدت مخاطرة التعرض للخطف نساء عديدات، وأرغمهم هذا الامر على ملازمة البيت، وكان لديها ساعات طويلة تقضيها في المنزل دون ان تقوم بعمل ما. وقامت نجاة فيما بعد ومع مجموعة من صديقاتها المقربات وأختيها بانشاء مجموعة خيرية تهتم بالإحسان تدعى جمعية (بلاد الرافدين) لنجدة ورعاية اليتامى. وتذهب مرة في الشهر الى مدينة الشعلة ، التي تنتشر فيها أكوام القمامة والنفايات، تحمل معها أخفافا أنيقة وبطانيات وأحذية بسيطة ومناشف الى الاطفال هناك. ويتسلم أعضاء هذه الجمعية الخيرية منحا ومساعدات مالية من الأصدقاء والزملاء، وحتى الناس الذين يزورون المكاتب الرسمية الحكومية، حيث يشتغل البعض منهم ويقدمون العون بإنتظام إلى 520 طفلا. وبطريقة تنم عن الحب والحنان تسلم مفكرات بألوان شتى، وقد كتبت أسماء أفراد العائلة وتواريخ تبرعاتهم. تقول نجاة التي ترتدي حجابا أخضرا مفعما بالألوان، ترتديه النساء هذه الأيام،" هنالك عائلات لأطفال قتل والديهم في حوادث الإنفجارات، والحكومة الآن منشغلة جدا بأمور عديدة في البلد فقد لايبالي بهم أحد فإن لم أرعهم أنا فمن سيرعهم إذن؟". وتقول وسن الشريفي (28) عاما تعمل سكرتيرة لمسؤول حكومي "أنها أنضمت الى المجموعة لأنها أحبت روح وعزم أعضائها بالرغم من الظروف السيئة إلا أنهم يرغبون بمساعدة الناس". وقد أخذت عملية توزيع معونات مبكرة هذا الشهر نجاة الى مدينة الشعلة حيث منزل الأرملة الشيعية دموع مزهر (31) عاما التي تهتم بعائلتها المكونة من 15 طفلا ظلوا بلا آباء بعد أن قتل زوجها مزهر وأثنين من أخوانه في مدينة أبو غريب عام 2005، عندما إقتحم متمردون من عرب السنة محلهم الصغير وقتلوا الثلاثة. وفي البيت المبني من مواد بسيطة يخلو من النوافذ التي تطل على حظيرة صغيرة تضم معزة واحدة، فيما تعلو صور فوتوغرافية للرجال الثلاثة القتلى وليس بعيدا عنها صور للأئمة الشيعة. تسأل نجاة محاولة أن تهدأ الاطفال الذين تجمعوا حولها مثيرين ضجة قائلة: أين زينب؟ تتساءل فيما تمسك ثوبا ورديا صغيرا مغلفا بكيس من البلاستيك. ليس كل المجموعات تعمل من أجل الخير والاحسان، فقد قدرت الآنسة خديجة طعمة أن مايقارب من 10 بالمئة من الجمعيات المسجلة كانت متورطة في أنشطة حرب العصابات وجرائم أخرى.  وتضيف: إحدى هذه النشاطات كانت تقديم المساعدة للمسلحين في مدينة الفلوجة المتفجرة  وقد أغلقتها الحكومة، والنشاط الآخر إنصب في إدارة عصبة ممن تبيع أطفالاً عراقيين كعبيد خارج الحدود بعد إختطافهم، وقد قدمت تقريرا عنهم إلى رئيس الوزراء. وهناك بعض الأحزاب السياسية ذات الطابع الديني كانت أيضا لها اليد الطولى في تقديم المساعدة للجمعيات الخيرية، واصبحت جمعية(منظمة الرحمة)، التي أسستها الآنسة سعاد الخفاجي مأوى للنساء والأطفال المشردين، وفي عام 2005 حصلت جمعيتها على بعض التمويل من مكتب السيد مقتدى الصدر. وقد تنامت الحاجة هنا فقد تضاعف عدد الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد إلى أكثر من الضعف حيث بلغت نسبتهم 9 بالمئة في عام 2005 بعد أن كان 4 بالمئة عام 2002 وفقا لتقرير موثق بالارقام من وزارة التخطيط نشر هذا الشهر. وتقول سعاد "منذ عام 2003 إمتدت موجة التشرد بصورة أكبر مع تصاعد العنف الطائفي، وإحتلت  بعض العوائل حتى بناية المسرح والسينما وسط بغداد.  وقدرت وزارة الهجرة أن مايقارب من (1,1 مليون) عراقي ليس لديهم مأوى منذ العام 2003. والآنسة سعاد الخفاجي (49) عاما كانت مديرة مبيعات سابقة في الأسواق المركزية، تقول أنها تشعر شخصيا برابطة مع العراقيين الذين لا سكن لهم. ففي عام 1969 أعدم صدام والدها وجردت عائلتها من جميع ممتلكاتها، وقد إنفصلت هي وأخوانها عن أقاربهم من أجل سلامتهم، وقد اضطروا الى بيع جميع ما تبقى لديهم. تضيف سعاد بمرارة وهي تجلس في غرفة ببناية بالية في مركز بغداد:

أن هذه البيوت تضم 20 إمرأة وطفل. بالإضافة لوظيفة الآنسة سعاد، تسعى أيضا لإيجاد وظائف عمل للأزواج والنساء، فالمرأة الخجولة ذات الثلاثين عاما والتي هجرت حياة المنزل التعيس في الكوت مؤخرا وجدت عملا لها من خلال الملجأ حيث تقوم بإحضار الشاي إلى الضيوف في إحدى الوزارت الحكومية، فيما تزوجت نساء أخريات من رجال في مدينة الصدر الشيعية ببغداد. وزيارة واحدة للملجأ تقدم لك موجرا مؤلما لرحلة آلام الفقر هنا. فهاهم الأطفال الخمسة، الذين كانوا يسكنون المرآب، والذين تبلغ أعمارهم ما بين 3-10 سنوات، يتبارون عبرغرف كبيرة في البناية الكونكريتية وهم يصرخون فرحا مثالا على مانقول. وقتلت والدة هؤلاء الاطفال على يد صديق زوجها بعد أن رفضت اعطاءه قالب الثلج، بعد ذلك اضطرت أختهم الكبرى للبحث عن عمل، وهي تعمل حاليا في الملجأ. وفي قضية أخرى، جاء رجل غريب إلى بوابة الملجأ قبل شهر وحاول أن يترك طفلين أحدهم يبلغ سنة واحدة والآخر طفل رضيع يبلغ عمره أقل من شهر، لكن الملجأ لم يأخذهم. وتختتم حديثها قائلة " هنالك العديد والعديد من الضحايا" ، قالتها وهي تفتح راحتي يديها في إيماءة تنم عن مبلغ الاعياء والإجهاد الذي وصلت اليهما.

كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح-4-6-2006