مشوار الإصلاح أصابه عطب ... في مصر

 

منتصر الزيات

 

ثمة ملاحظات حول ما يجري في مصر من ردة في مشوار الإصلاح السياسي بعد تقدم تم إحرازه خلال عام مضي ، فالمؤكد أن تنظيم عشرات المظاهرات خلال الفترة الماضية التي أقر خلالها حق التظاهر أوضح عدم صحة المخاوف التي اعتمد عليها النظام فترات طويلة من الخشية من وقوع حوادث شغب وفوضي أثناء المظاهرات ، كانت أجهزة الأمن دائما ما تسبب اعتراضاتها علي تنظيم مظاهرة بمثل هذه الحجج ، وتتخوف من أن بعض المخربين قد يندسون أثناء المظاهرات ويقومون بأعمال عنف وفوضي وتخريب ، وخرجت مظاهرات كفاية وقطعت شوارع القاهرة يمينا وشمالا دون أن تقع حادثة عنف واحدة أو دون أن تتسبب في قلاقل ولا يحزنون ، كما خرجت مظاهرات الإخوان بكثافة وفي مناسبات هامة وانتهت دون أن يحدث مكروه ، إلي أن حدث التحول أو وقعت الردة ، وتترس الأمن في الشوارع والطرقات ليمنع المتظاهرين من التعبير عن آرائهم ، أو عقد الاجتماعات أو الاعتصامات ، وليحول دون تضامن فئات الشعب المختلفة مع نادي القضاة في معركة الحرية ومقاومة التزوير .

الشيء الغامض في الموضوع هو سبب تحول النظام وردته عن الاستمرار في عملية الإصلاح السياسي التي كان يخطوها بخطوات بطيئة متثاقلة ، عاد ليقول " مش لاعب "ربما وجد أن نتائج الإصلاح لن تكون في صالحه أو في صالح رموزه وسدنته ، لكنها ستكون بالتأكيد في صالح الشعب والوطن ، ربما لم عجز عن الاستمرار لعدم قدرته علي ذلك ، فالنظام الذي مارس الاستبداد لعقود طويلة يصعب عليه أن يتحول بقدرة قادر مرة واحدة ، لكن الأكثر غموضا هو موقف الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي في التعامل مع الموضوع وانتهازيتهم المفرطة ، فمن جعجعة حول الإصلاح ومبادرات وحصص مالية لتنفق علي الإصلاح وتشجيع الحكومات والحركات و هلم جر، ومن تحذيرات رسمية لبعض الحكومات المستبدة في المنطقة ومنها مصر ، إلي صمت مطبق ورضاء كامل وإجازة لما يفعله النظام من تجاوزات ، فالمصلحة البراجماتية هي التي تحكم تصرفات الإدارة الأمريكية والغرب ، وربما كان مفيدا في هذا الظرف التاريخي أن تتضح صورتهم ليفيق بعض الذين كانوا يراهنون علي ضغوط العم سام وشلته علي حكوماتنا المستبدة ، وأن الشعوب لن تحصد إلا ما تكسبه بسواعدها ونضالها .

مهندسون ضد الحراسة : حالت مهام كثيرة دون الالتحام المفترض والتواصل الإيجابي مع هموم المهندسين ومساعيهم لاسترداد نقابتهم المضروب عليها منذ ما يزيد علي العشر سنوات حراسة قضائية مقيتة ، لأن الأصل في العمل النقابي هو الحرية والديمقراطية وليس الحراسة ، وكان حكم قضائي نهائي قد أنهي الحراسة علي نقابة المحامين منذ عدة أعوام قد حسم عدم جواز فرض الحراسة علي النقابات المهنية.لكن حماسة المهندسين ودأبهم تكسبهم أنصارا لقضيتهم العادلة ، وأعتقد أن المعوقات التي توضع في طريق إنهاء الحراسة وعقد جمعية عمومية صحيحة تنتخب مجلسا شرعيا لن تستطيع الصمود أمام تلك الهمة الكبيرة للمهندسين علي اختلاف ميولهم ومشاربهم الفكرية والسياسية ، فقد توحدوا خلف مطلب وحيد هو إنهاء الحراسة.

والحقيقة أن القيود التي فرضها المشرع علي النقابات المهنية بالقانون 100 إنما هي قيود ثقيلة قصد منها غل قدرة تلك النقابات علي إدارة شؤونها بحرية ، لكن نقابة المهندسين ابتلاها المشرع بقيد إضافي لا معني له ولا موضع هو الصلاحيات الواسعة الممنوحة لوزير الري والأشغال التي ترتفع فوق صلاحيات المجلس المنتخب وفوق كل تشكيلات ديمقراطية تنتخب من قواعد المهندسين سواء عبر الجمعية العمومية للنقابة أو الجمعيات العمومية للشعب ، ولعل أكبر قيد يعاني منه المهندسون هو احتكار وزير الري حق الدعوة لانعقاد الجمعية العمومية وهو إن حضر ورأي تلك الحشود الغفيرة التي امتلأت بها قاعة المؤتمرات الكبري علي غير رغبته انسحب مدعيا عدم انعقادها ناسخا القرارات التي صدرت طاعنا في أعمالها ، وكل ذلك يتم باسم القانون.إن كثيرين يستغربون استمرار أزمة نقابة المهندسين لأكثر من عشر سنوات لكن إذا ثارت أزمة حول العمل النقابي مع بعض أجهزة الدولة التنفيذية فلا أتصور أن يستمر ذلك إلي ما لا نهاية مما يعد معه استمرار أزمة المهندسين أمر لا مبرر له ويحتاج إلي تدخل سياسي رفيع يدفع الأمور باتجاه الحل ، خاصة ونحن في منعطف يسعي الجميع خلاله لإعمال الإصلاح السياسي في شتي مناحي المجتمع.دخل المهندسون في معركة " تحرير " نقابتهم من الحراسة بشكل مكثف منذ عام 2004 تقريبا عندما تقدم بعض النشطاء من المهندسين بتقديم طلب وقع عليه عدد من أعضاء الجمعية العمومية تصدق عليه بالشهر العقاري لعقد جمعية عمومية غير عادية تنظر في جدول أعمال مكون من بندين أولهما إنهاء الحراسة القضائية علي النقابة والثاني انتخاب مجلس جديد نقيبا وأعضاء ، وأرسلوا بهذا كتابا إلي "الرقيب الأعلي" وزير الري ولما لم يتحرك كما هو المتوقع أقاموا دعوي قضائية أمام محكمة القضاء الإداري طالبين وقف تنفيذ وإلغاء القرار السلبي للوزير الرقيب بعدم الدعوة لعقد الجمعية العمومية الطارئة لإنهاء الحراسة وصدر الحكم فيها في 26 ديسمبر من ذلك العام بإجابة المهندسين إلي مطلبهم ، وكما هي العادة لجأ الحراس أو من يحركهم إلي إقامة طعون في الحكم أمام محاكم غير مختصة بقصد إطالة أمد النزاع وعرقلة إجراءات عقد الجمعية العمومية الطارئة ، وخاض المهندسون نزاعا قضائيا معقدا ومركبا حتي صدر حكم جديد من محكمة القضاء الإداري برفض إشكالات الحراس والجهة الإدارية واستمرار تنفيذ الحكم بعقد الجمعية العمومية ، وفي فبراير الماضي عقد المهندسون جمعيتهم العمومية التي طال الشوق إليها وقرروا في إجماع مهيب إنهاء الحراسة القضائية واتخاذ الإجراءات اللازمة لإجراء الانتخابات ، وعقد الجمعية العمومية في 19 مايو لمتابعة تنفيذ القرارات السابق صدورها ، وفي اليوم الموعود لم يجد المهندسون مكانا يعقدون فيه جمعيتهم العمومية بفعل فاعل ومنعوا من عقدها حتي في الطريق العام.إن الرأي العام المصري يحتاج أن يفهم سر كل تلك العقبات التي توضع في طريق تنفيذ أحكام القضاء بعقد الجمعية العمومية الطارئة التي ترتب لانتخابات في نقابة المهندسين ، من المسئول عن ذلك ؟ ما هي مصلحة وزير الري - وهو بالمناسبة وزير في حكومة لها رئيس - في تعطيل إجراءات انعقاد الجمعية العمومية للمهندسين وتحريرها من براثن الحراسة ؟ هل يحتاج الأمر لكل تلك التعقيدات لإيجاد مكان لعقدها؟

إننا نتمني إيجاد حل سريع لهذه الأزمة وعقد لقاء عاجل بين القيادات التي فوضها جموع المهندسين وبين وزير الري يتم الاتفاق خلاله علي حزمة من البنود والإجراءات ومساحة يمكن من خلالها الوصول إلي إنهاء الحراسة والتمهيد لانتخابات حرة ونزيهة في نقابة المهندسين ، ويسألونك متي هو قل عسي أن يكون قريبا.الذي أثق فيه يقينا أن المهندسين وضعوا أقدامهم علي الطريق وقد باتوا قاب قوسين أو أدني من بلوغ غايتهم السامية والعادلة وأن أمر عودتهم إلي نقابتهم بات وشيكا.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الراية القطرية-3-6-2006