فرصة نادرة لشرق الأوسط كي يتخلص من طغاته!!

 

عادل درويش

 

أوردت صحيفة الشرق الأوسط اللندنية مقالاً بعنوان خطط بلير وبوش للديموقراطية فرصة نادرة لتقدم الشعوب الإسلامية جاء فيه:

تحديد رئيس الوزراء البريطاني توني بلير والرئيس الأمريكي جورج بوش «لأخطاء» في الحرب على الارهاب وافغانستان والعراق، امر يدعو للفخر ويعضد قوى مناصرة الحرية الساعية لبناء الديموقراطية في البلدان الاسلامية والناطقة بالعربية، أكثر مما هو مصدر «لتشفي» اليسار الأوروبي، والاسلامويين والقومجية. فالزعيم المؤمن برسالته، يتعرف على الأخطاء لتصحيح خريطة الرحلة، بينما لا يعترف الطغاة بالأخطاء المؤدية للهلاك.

قرار السياسة الخارجية في الديموقراطيات الغربية يمر بمسيرة طويلة معقدة، تبدأ بجدل في منابر الإعلام وخزانات التفكير، وفحص اللجان البرلمانية لدراسات الخبراء وفتاوى المحامين الدوليين، ليختار رئيس الحكومة القرار المدروس بعناية. اما الديكتاتور الشرق اوسطي فيتخذ القرار في «لحظة تجل» وسط تصفيق «المستشارين»؛ كما يقول ستيفين ايكوفيتش، بروفيسير العلاقات الدولية في الجامعة الأمريكية في باريس.

ويضيف أن موافقة الكونغرس على ارسال الرئيس جورج بوش الأب القوات الامريكية للخليج عام 1990، جاءت بفارق صوتين او ثلاثة، «ولو كان صدام فهم سير العملية الديموقراطية البرلمانية، ربما كان نجح في اقناع الكونغرس بالعكس».

لكن الثقافة البرلمانية الليبرالية غائبة اصلا عن فكر الشموليين.

وهي ثقافة تحمي العالم من تجاوزات انتهاكات ابو غريب، او جرائم المارينز في حديثة. فالانتهاكات كشفتها الصحافة الحرة، كسلطة رابعة من اهم دعائم الثقافة الليبرالية الغربية، بمعاونة جنود مهمتهم حماية سيادة القانون من تجاوزات زملائهم. والرئيس بوش نفسه خاضع للقانون الوضعي للديموقراطية الأمريكية لا يملك الا احالة المارينز للمحاكمة.

ومتى كانت آخر مرة وقف فيها ضابط او شرطي شرق اوسطي او اسلامي امام محكمة لانتهاكه حقوق المواطنين، بدلا من منحه ألأوسمة؟

اليسار يستغل «اخطاء» العراق لتغييب بلير وبوش عن المسرح السياسي، وهذا ليس في مصلحة الشعوب المغلوبة على امرها.

بلير يروج لمبدأ ان القيم الليبرالية كحق انساني توجب التدخل الاستباقي لنصرة الديموقراطية Values-based pr-emptive pro-democracy intervention ، وهو التعريف القانوني ـ وبلير محام اصلا ـ لأطار التطبيق الاستراتيجي لما وعد به الرئيس بوش (الأقل لباقة من بلير) في وستبوينت عام 2002، على اسس مبادئ الرئيس ويدرو ويلسون، بأن الحرية لا تتجزأ.

فحق الحرية هو غريزة بديهية انسانية لا تتقيد بالدين والثقافة. والافتراض بان البيئة الثقافية او الدينية لقوم، كالعرب او الأفغان، مثلا تجعل تطلعاتهم للديموقراطية وحماية القانون اقل من توقعات البريطاني هو افتراض عنصري يهين حقوقهم الإنسانية.

ومبدأ بلير يقدم للشعوب الاسلامية فرصة زمنية window of opportunity لن تعوض في هذا الجيل، اذا قاومه العالم او سمح بفشل تجربة بناء الديموقراطية في العراق.

ولذا فتطوير الأمم المتحدة، كما دعا بلير في جورج تاون قبل اسبوع، هو سبيلها للنهوض من خندق العجز والاستمرار في اهدار الجهد والمال في دهاليز صفقات الفساد، تاركة الشعوب المغلوبة على امرها تتعفن تحت كراسي حكم طغاة وكولونيلات يدعم اليسار الأوروبي «موقفهم الصامد» ضد المبادرة البليرية ـ البوشية لاعادة صناعة الكراسي كمقاعد برلمانات منتخبة شرعيا.

فمعادلة اوروبا القديمة بالحفاظ على استقرار «الوضع الراهن» Status Quo كتبرير لمعارضتها مشروع تغيير الأنظمة المستبدة، مناقضة لنفسها، ولم تحم العالم من عدوان القاعدة ـ في اربع قارات واوروبا ـ قبل وبعد 11 سبتمبر.

«الوضع الراهن» كان مستقرا عندما تبادلت قوتان نوويتان عظميان نظرات التحدي عبر حائط برلين، واكتفتا بتحريك ديكتاتوريات العالم الثالث على رقعة شطرنج السياسة الدولية.

وقواعد شطرنج الحرب الباردة لم تعد تصلح كأطار عمل للامم المتحدة، في عصر يهدد فيه المهوسون وجود البشرية بسلاح نووي، وسلامتها الوجدانية بإرهابها للتخلي عن انجازات العلم والفلسفة والفن المتراكمة، منذ احياء عصر النهضة الأوروبي لميراث حضارة مصر الفرعونية.

فالتدخل في العراق كان للإطاحة بنظام طاغية التطهير العرقي والسلاح الكيماوي، وهو ما لا تجيزه نصوص القانون الدولي الحالية. فلم يكن امام بلير وبوش، الا استخدام نص يجيز التدخل الاستباقي لمواجهة خطر اسلحة الدمار الشامل في يد صدام (استخدمها في حلبجة وضد ايران كما شاهدت بنفسي اثناء تغطيتي للحرب).

وعندما عجز مكتب التحقيقات الفيدرالية عن ايجاد أدلة تقبلها المحكمة، لجأ الى محاكمة زعماء المافيا بتهمة التهرب من الضرائب، والنتيجة العملية واحدة: حماية المجتمع بوضع زعماء الجريمة وراء القضبان.

ومفارقة شر البلية، ان اليسارين يدينون «التدخل الإمبريالي الغربي» في العراق. لكنهم انفسهم ادانوا «الامبريالية الغربية» لثلاثة عقود «لدعمها الطغاة والديكتاتوريات ضد الشعوب».

وجاء اعتذار العم سام وجون بول في شكل ركل كراسي الحكم من تحت المؤخرات المنتفخة لهؤلاء الطغاة.

فماذا يفضل اليساريون والقومجية والاسلامويون اذن؟

ان تترك بريطانيا وامريكا الطغاة ينكلون بشعوبهم؛ أم تزيحهم؟

والدوافع الأخلاقية وحدها لا تحرك السياسة الخارجية وفق مبدأ بلير، والا كان ركز على تخليص شعب زيمبابوي المسكين من بطش روبرت موغابي، ولاجئي دارفور من بطش الجنجويد؛ لكن عندما تتوافق المصالح القومية لبلدان الغرب الديموقراطية مع هذه المبادئ يسهل إقناع البرلمانات المنتخبة بقبول التدخل لصالح الديموقراطية. واتفاقيات استخراج وتصدير بترول لفائدة الطرفين افضل من ان يسرقه صدام وعصابته او ينفقه على الحروب.

وبعد انتهاء الصراع الآيديولوجي للحرب الباردة، فإن ما يهدد الديموقراطيات الغربية اليوم هو احتمال حصول ديكتاتوريات العالم الثالث على السلاح النووي، وتمويلها وتحريكها لشبكات ارهابية. فأقل من خمسين ارهابيا تمكنوا من قتل قرابة خمسة آلاف ينتمون لعديد من الاديان، في امريكا وشرق آسيا وغربها افريقيا واوروبا في خمسة اعوام. الإرهابيون يتحركون بسهولة ولا مجال للتراخي والتهاون، فهم يهددون حياتنا وحياة اطفالنا.

ويجب ان يحذر المسلمون من قبول حجج تروجها الفضائيات واعلام الديكتاتوريات مثل: «تحريرينا ليس من شأن بلير وبوش»، والتغير يأتي من «عندنا ومن ثقافتنا».

وفي المقابل فليحذر دافع الضرائب الغربي من قبول براغماتية الحرب الباردة بترك الديكتاتوريات الصغيرة وشأنها، حفاظا على استقرار «الوضع الراهن» وتجنب «اخطاء» كحرب العراق.

ومصلحة الطرفين هي في قبول المسلمين والديموقراطيات الغربية ببراغماتية القرن الـ21 وهي «التدخل الاستباقي الوقائي».

تفجيرات نيروبي ودار السلام كانت مبررا قانونيا لبيل كلينتون عام 1998 للإطاحة بنظام طالبان قبل استفحاله، وعلى الأغلب، كان تجنب 11 سبتمبر، وتكون بناء ديموقراطية العراق اسهل واقل ألما.

ومبدأ بلير يعني دعم الحرية وبناء الديموقراطية لتجفيف مستنقعات الديكتاتورية والظلم التي ينمو فيها الإرهاب.

وربما تعجز المثالية الامريكية عن فهم تردد شعوب عانت القهر لأجيال، سواء من التقاليد القبلية او من الديكتاتورية، او من التسلط الكهنوتي للسلفيين، في قبولها هدية الحرية. لكن الخبرة البريطانية ـ ممثلة في بلير ـ تعرف انها مسألة وقت تدريجية.

فالغرب، بمرور الوقت، قهر المجاعات والاوبئة والظلم، ليس بالانقلابات، وانما ببناء الديموقراطية وسيادة القانون وانتخاب حكومات ليبرالية واتباع اقتصاديات السوق الحرة التي حققت الوفرة والرخاء، وخلقت نظاما حرا يقنع الشعوب بحمايته، بالتدخل الاستباقي اذا لزم الأمر.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-3-6-2006