مستقبل البناء الديمقراطي في العراق بين أحزاب لا تؤمن بالديمقراطية و...

 

سعدون محسن ضمد

 

كتب الكاتب سعدون محسن ضمد في جريدة الصباح مقالاً بعنوان مستقبل البناء الديمقراطي في العراق بين أحزاب لا تؤمن بالديمقراطية و شعب لا يهضم أبرز مما جاء فيه:

بين أن يكون الحزب عبارة عن تجمع سياسيين يؤمنون ببرنامج (سياسي/ اجتماعي/ تنموي) محدد ويسعون جاهدين لتطبيقه، وبين أن يكون عبارة عن تجمع وصوليين يؤمنون بمصلحتهم و(يتبرمجون) بحسب مقتضاياتها، تكون الديمقراطية مَرْكَبَ لصوصٍ، أو شريعة أحرار.

وبين أن يكون هم السياسي ـ الذي هو خلية الحزب الأساسية ـ امتلاك المقعد البرلماني، سعياً وراء امتيازاته ومهما كان الثمن، وبين أن يكون همه الوصول لتطبيق أهدافه التي يؤمن بها وتلبية طموحات جماهيره الذين يؤمنون به، يكون البرلمان ـ الذي هو خلية الديمقراطية الأهم ـ مُرَكَّب فشل، أو مُنْبَثَق طموحات ومستقبل واعد.

إن الكلام حول دور الأحزاب السياسية في بناء الديمقراطية، يفترض أن يتأسس على  ثلاث معالجات في الأقل :

أولاً: الأحزاب :

قد تكون السياسة ـ التي هي أداة الأحزاب وأداؤها ـ فن الممكن، الأمر الذي يسمح للأحزاب السياسية بالكثير من المرونة على مستوى الإيمان وعلى مستوى السلوك، ولكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال وتحت أي ظرف، أن يتنكر الحزب لمبادئه الأساسية أو لمرتكزات برنامجه السياسي، أو أهدافه أو معاييره، أبداً. لأن الحزب ليس مجموعة أفراد، فالمكون الأساسي في الحزب ليس أفراده، بل البرنامج الذي يجتمع عليه هؤلاء الأفراد، ولهذا فإن التَنَكُر للبرنامج لا بد أن يؤدي لخروج المُتَنَكِر طوعاً، حيث لا يعود الحزب ممثلاً لطموحاته وأهدافه ورؤاه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى سيكون هو جسماً غريباً على الحزب. وهكذا... فيكون البرنامج هو المكون الأساس، هو المعيار والقضية، ما يؤدي حتماً لكون الفرد هو الطارئ، أو غير الثابت، بالنسبة للبرنامج داخل الحزب وليس العكس.

هذه هي الأحزاب كما تعرفها أمم الأرض وشعوبها. حيث لا يرتبط الحزب باسم أو أسماء محددة أبداً، وهو على هذا الأساس لا تمتلكه العوائل ولا تستهلكه الشخصيات ولا تذيبه الأديان.

لكن لماذا يختلف الأمر دائماً في العراق؟

لماذا تتبدل برامج الأحزاب بين ليلة وضحاها، بل لماذا لا تعلن الكثير من أحزابنا عن برامجها بصورة محددة وواضحة، حتى عندما تعرض نفسها على الشعب في سياق التنافس الانتخابي، وهل لهذا الأمر علاقة بتحكم النسق العشائري بباقي أنساق مجتمعنا، هذان النسقان اللذان ينتجان الولاء للأشخاص لا لأفكارهم، الأمر الذي يجعل الحزب يدرك بأن المجتمع يبحث عن الفرد أو مجموعة الأفراد، ولا يأبه بعد ذلك لطبيعة البرنامج الذي يتبناه أو يتبنونه؟ وإذا كان الحزب يدرك ذلك ويعمل على أساسه، فهل يعدُّ هذا العمل تضامناً مع الجهل وترسيخاً للتخلف، في سياق استثمارهما معاً لتحقيق المصالح الخاصة ضيقة الأفق؟

الحزب تضامن سياسيين على تبني وتفعيل برنامج يقع في صالح شريحة من شرائح المجتمع، أو كل المجتمع، الأمر الذي يبرر ولادة تعاقد بين هؤلاء المتضامنين وبين الشريحة التي يحقق البرنامج مصالحها، وهكذا يكون تمثيل الحزب للشريحة واقعياً، وتصويتها له مجدياً، ثم على أساس كل ذلك يستطيع الشعب مراقبة ممثليه ومحاسبتهم على مفردات البرنامج، ويكون مؤهلاً بالتالي لتقييم أداء مختلف الأحزاب خلال فترة الحكومة.

لكن عندما يغيب البرنامج، كيف نستطيع أن نسمي ونفهم اجتماع جملة من السياسيين وعملهم معاً؟ كيف نستطيع أن نفهم ترشيحهم أنفسهم في الانتخابات التشريعية؟ ثم ومن جهة أخرى كيف نستطع أن نفهم تضامن شريحة اجتماعية على اختيار أحزاب لا تَعِدُهُم بشيء ملموس. وأزاء كل هذه التناقضات كيف نستطيع أن نفهم ونقِّيم الحراك أو البناء الديمقراطي في العراق.

طبعاً ليس المقصود بغياب البرنامج عدم وجوده مكتوباً، أو موعوداً به، بل نقصد بالغياب أن لا يكون واقعياً أي معمولاً به. فيغيب البرنامج عندما تُتْرَك مفرداته خلال أداء الحزب، ولا يكون هو الضابط لحراك السياسيين فيه. وعندما ينتقل السياسي ـ ومن خلاله حزبه ـ بين المواقف المتناقضة وبشكل مثير للسخرية، لا يعود الكلام عن وجود وعدم وجود البرنامج مجدياً.

إذن لدينا في العراق خلل في مفهوم الأحزاب وفي بنيتها، وهذا الخلل يؤثر بالتأكيد في التغيير باتجاه الحياة الديمقراطية. 

و في ما يخص بعدم إيمان الأحزاب العراقية بالديمقراطية يقول الكاتب :

الأحزاب العراقية التي تتبنى الخيار الديمقراطي، لا تتبناه على جميع المستويات، إذا السلوك داخل هذه الأحزاب لا يجري وفق الضوابط والمعايير الديمقراطية، هناك تناقض صارخ بين شعارات الأحزاب السياسية وبين حقيقتها،  وأداء هذه الأحزاب وخلال فترة الثلاث سنوات يفضح هذا التناقض وبشكل صارخ، القرارات داخل الأحزاب لا تتخذ وفق مقاييس التصويت، فضلاً عن أنها قرارات لا تتخذ بالاستناد لرأي الجمهور الذي يمثله الحزب، مع غض النظر عن كون الكثير من أحزابنا ليس لديها عمق جماهيري بالمعنى المتعارف عليه، ومن ثم فهي ليست أكثر من مجموعة سياسيين يجمعهم مصير واحد ومصلحة مشتركة، وحتى هؤلاء لا يقتسمون الحق باتخاذ القرار بشكل متساو، بل ينفرد به أكثرهم مالاً، أو عزاً ونفوذاً.

الانتقال السلمي للسلطة الذي هو صيغة الديمقراطية في السيطرة على موضوع التفرد والاستبداد، غير معمول به وعند جميع أحزابنا السياسية وبكل أشكالها. وإذا كان هناك حزب يدعي تطبيق هذه الآلية فإنه يطبقها وفق الرؤية (الصدامية)، حيث يكون حق انتخاب الرئيس أو الأمين العام أو غيره محصوراً بعصبة محددة من أفراد القيادة المقربين من هذا الأمين والمسيطر عليهم سلفاً من قبله، وبهذه الطريقة يضمن (القائد الضرورة) بقاءه.

وهكذا يتحول النظام الداخلي الخاص بالحزب الذي يكون مثقلاً بشعارات الديمقراطية والتعددية، لوثيقة تضمن بقاء (القائد الرمز) على كرسي القيادة لأطول فترة ممكنة، ومن هنا استطاع سياسيونا أن ينشبوا أظافرهم في كراسي قيادات أحزابهم ويعتلونها إلى الأبد.

إذن علينا أن نتوقف طويلاً ونحن نسعى لتقييم دور الأحزاب السياسية العراقية في عملية بناء الحياة الديمقراطية، ذلك أن استعراض الأداء الخاص بهذه الأحزاب وخلال الثلاث سنوات المنصرمة، يكشف أن هذه الأحزاب تمارس دوراً سلبياً، وأن عملها لا يصب بصورة كاملة باتجاه التطبيق المثالي للديمقراطي.

و كل ذلك بجسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح-1-6-2006