إشكالية الديمقراطية والعنف

 

د. محمد السيد سعيد

 

 

بالفعل, الطريق إلى التغيير السياسي وحتى الطريق إلى الديمقراطية في العالم العربي محفوف بمخاطر العنف. وعلينا أن نفكر في هذه الإشكالية بعناية. هل هناك فرصة لنطرق طريق الديمقراطية بدون أن نعرِّض أنفسنا وبلادنا للعنف؟

السؤال من الناحية المنطقية له قيمة مزدوجة. إننا نسأل ما إذا كان من الممكن أن نناضل من أجل الديمقراطية دون أن يلحق بنا قدر كبير جداً من عنف الدولة, وعنف القوى الكارهة للديمقراطية وحكم القانون؟ ونسأل أيضاً كيف يمكن أن نحمى الديمقراطية في التطبيق العربي من الانزلاق إلى العنف أو إلى الفوضى؟ الجانب الأول من السؤال كان ولا يزال مطروحاً في حالة مثل العراق, حيث يتدهور الموقف بصورة مخيفة بالفعل أدت إلى تبخر الأحلام الوردية الأولى بأن يؤدي سقوط طغيان نظام صدام حسين إلى بناء ديمقراطية عراقية. وبالطبع ليس هنا مجال المساهمة في المناظرات الساخنة حول مشروعية هذه الأحلام أصلاً. فهناك من يضع المسألة بصورة صحيحة وإن جزئية عندما يؤكد استحالة بناء ديمقراطية أو تحقيق سلام في ظل احتلال. فعلى هذه الإجابة أن تبدأ بإجابة أخرى بحق من يقولها, وهو أنه لم يكن من الممكن بناء سلام حقيقي أو ديمقراطية بالطبع في ظل نظام "وطنوي" و"قوموي" هو نظام صدام حسين وأبنائه وأبناء عمومته وعشيرته وأجهزتة المروعة. وبالطبع يتعين علينا أن نطرح السؤال مُجهزاً بالإجابتين معاً, وهو ما إذا كان بناء ديمقراطية ممكناً إذن على الإطلاق في هذه الحقبة، وما إذا كان العنف يشكل قدراً إغريقياً، وما إذا كان العنف مرتبطاً ومعللاً بالتغير بذاته وليس بالديمقراطية, التي تصبح مجرد مرجعية سجالية لا توقاً أو تطبيقاً حقيقياً.

إذن كيف نفهم هذا العنف؟

بطبيعة الحالة فالعنف ليس خصيصة عربية, ويعتقد مفكرون كثيرون مثل "رينيه جيرار" أنه يشكل ملمحاً للإنسان باعتباره كائناً منتجاً للرموز. ولكن ذلك الاعتقاد لا ينفي ضرورة البحث عن سياقات وأساليب تمكِّن المجتمع من السيطرة على العنف وإزالته بالتثقيف والتدريب. ويؤكد مفكرون كثيرون مثل "جوم كين" بالمقابل أن العنف رغم كونه يشغل حيزاً هائلاً في تاريخ البشر, ربما منذ البداية، فإنه بنهاية المطاف ظاهرة تاريخية, أي أن من الممكن اقتلاعه أو على الأقل السيطرة عليه. ولا يمكن القول أيضاً إن البحث عن الديمقراطية بذاته هو السبب وراء عنف الدولة العربية.

على العكس تماماً, فلو أخذنا بالمظاهر العامة للعنف في عالمنا العربي سنجد أنه لم يعد موجهاً بفكر سياسي أو ضد فكر سياسي ما, بالضرورة. ويلاحظ أن المستوى العام لعنف الدولة قد تعاظم بمواجهة المواطنين العاديين الذين لا علاقة لهم بالسياسة أو الثقافة, ووصل إلى مستويات غير مسبوقة بالرغم من الملاحظة اليومية التي تجريها منظمات حقوق الإنسان. وهنا يشارك العرب غيرهم في السمات الجديدة للعنف وخاصة عنف الدولة, حيث ترى مدرسة جديدة أن المستقبل يهدد بانهيار النظام العالمي إلى حالة من العنف الفوضوي السابق على الحداثة. ويؤكد تاناكا أكيهيكو وجيوسيبي ساكو وأمبرتو إيكو أن البشرية تنحرف رغم كل الحديث عن التقدم والسلام والأمن إلى "عصور وسطى جديدة" تعجُّ بالعنف. ولكن هذا التطور لا يحدث بسبب العولمة وهبوط الدولة القومية كما يقولون, وإنما بتأثير فقدان الثقافة الطموح لشرط إنساني أفضل.

ولا يعفينا هذا التحليل العام من فهم العنف في سياقه العربي, وخاصة أن هذا العنف صار يشكل نسبة كبيرة من مجموع العنف في العالم. وما نقوله هنا هو أن الديمقراطية ليست ضمانة ضد العنف كما يؤكد أصحاب نظرية "حيز السلام الديمقراطي", ولكنها تتيح معادلات أكثر مواتاة للسلام الأهلي.

فالعنف العربي ينتظم في معين من خمسة أضلاع, هي الثأر والشرف القبلي (وعموماً نظم تربية أبوية في مرحلة تهتز فيها سلطة الأب), وعلاقات توزيعية طبقية مشدودة حتى آخرها بمطالب متناقضة نحو العدالة, ونظم تعليم تغذي الشعور بالبلادة وتطفئ الوهج الإنساني بأكثر مما تغذي الطموح لحساسية إنسانية أعلى أو شعور أرقى بالمواطنية, وبيروقراطيات أمنية وعسكرية تدافع عن امتيازاتها غير المعقولة بوحشية سافرة, وأخيراً الشرعيات الإيديولوجية التي تتحيز للعنف, وخاصة تلك المنتسبة للدين.

إذا نظرنا لمجموع هذه العوامل في علاقتها بالديمقراطية نجد نظريتان أو بالأحرى وهمان كبيران وشائعان. الأول يقودنا للاعتقاد بأن الديمقراطية إذ تضعِف الدولة إنما تطلق عوامل التشرذم الكامنة في المجتمعات العربية أكثر من غيرها بما تحفل به من عرقيات وطوائف وتحيزات جهوية وثقافية, فضلاً عن التشظي الطبقي. التفكك الشامل هو أهم المخاوف التي تزود عنف الدولة بمشروعية ظاهراتية. ولهذا السبب يزداد لجوء الدولة للنموذج العراقي الحالي للتدليل على عدم القابلية للاستغناء عن عنف الدولة كحاجز وحيد ضد الفوضى.

وتتجاهل هذه النظرية حقيقة أن الديمقراطية ليست السبب وراء العنف لا في العراق ولا في غيره, وإنما تكمن خلف العنف تلك العوامل الخمسة ذاتها والتي تتكثف جميعاً, وخاصة في بعض الحالات, في أسطورة تفوق تقود إلى عقيدة -أو عقائد- استحقاق ميكانيكي للسلطة, ولو على حساب جميع الآخرين. وتثبت حالة مصر وتونس واليمن والجزائر أنه ليس من الضروري أن يقوم هذا الاستحقاق على مفهوم قبلي أو ديني, بل يمكن أن يتأسس أيضاً على الصدفة البيروقراطية بذاتها دون الحاجة لدعمها بأي ادعاء آخر, غير ما هو مناسب لتقديم "حجة ديمقراطية" ولو في شكل انتخابات أو أغلبيات مزورة.

وبالمقابل فإن الوهم الثاني أو المضاد يقول إن الديمقراطية تضمن تلقائياً السلام الأهلي لأنها تحل مشكلة المشروعية التي وقعت فيها مختلف النظم العربية التي ضربت الشرعية التقليدية ولم تنجح في أن تؤسس لنفسها شرعية حديثة أو حقيقية. ولاشك أن هذا صحيح تماماً. ولكن الديمقراطية لا تحل المنابع الأخرى للعنف, في الحالة العربية. ويحتاج العالم العربي إلى رؤى وروافع للنهوض الوطني والقومي لوضع الادعاءات القبلية تحت السيطرة, ولتثوير نظمه التعليمية ونظم التربية بما يقود إلى نمط جديد للعائلة, والتحرر من أسبقية علاقات التوزيع الريعية على علاقات الإنتاج المنسوب للعمل والذكاء الإنساني, وأخيراً تصفية النزعات البيروقراطية المتأصلة في النمط الزراعي, وترشيق الدولة بنقل كل ما يمكن نقله من حيز التكلف البيروقراطي إلى حيز المسؤولية المدنية.

ولكنَّ ما لاشك فيه أن الديمقراطية أكثر جدارة من غيرها بإنتاج هذه الرؤى وهذه الروافع النهضوية. فأولاً يمكن للديمقراطية وحدها إنتاج مفهوم للمشروعية يحدث قطيعة مع مصادر العنف الأخرى, ومن ناحية ثانية, فهي وحدها تقوم على اقتسام السلطة. فإذا كان من غير الممكن تحت أي ادعاء احتكار السلطة فإن أكثر القوى الاجتماعية والسياسية قد تضطر للقبول بالمشاركة فيها. وإن كان ذلك يحتاج لخبرة التعلم, وربما ضريبته.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-31-5-2006