معركة النُخب

 

محمد صلاح

 

لماذا لا يشعر المواطن المصري بجهود وإجراءات إصلاح الحزب الوطني الحاكم ولا يتابع عن كثب إلا ما يقوله المسؤولون في الحزب عن ذلك الإصلاح في وسائل الإعلام؟ ولماذا تركز الصحف والفضائيات ويتابع الناس الصراع بين «الوطني» والحكومة المصرية من جهة وغالبية قوى المعارضة من جهة أخرى، والذي وصل حد الصدامات في الشوارع وسط العاصمة؟

ربما يقول البعض إن ما يجري داخل الحزب الوطني لا يخص سوى اعضاء الحزب ورموزه، وأن عملية الاصلاح التي تجري منذ نحو خمس سنوات اثمرت لكن الناس لم تذق بعد من ثمراتها شيئاً لأن قوى المعارضة جذبت الأضواء عبر تحركاتها واتهاماتها وصحفها والفضائيات التي تفتح المجال لرموزها فانشغل الناس بالصراع الدائر بين الحكم (حزباً وحكومة) وبين المعارضة الشرعية منها (الأحزاب) أو تلك التي تنشط في الشارع من دون ترخيص أو صكوك تضفي عليها الشرعية كجماعة «الاخوان المسلمين»، وحركة «كفاية». وقد يقول آخرون إن بطء عملية الاصلاح داخل «الوطني» ليس بطئاً وإنما ترو وتأن و «تعقل» حتى تخرج الطبخة في النهاية وقد نضجت، وأن تحركات المعارضة تعيق الاصلاح وتشغل القائمين عليه بأمور غير تلك التي يجب أن يتفرغوا من أجلها. وفي المقابل فإن البعض الآخر يرى أن أي حديث عن إصلاح الحزب الحاكم ما هو إلا سيناريو لإلهاء الناس وايهامهم بأن شيئاً سيتحقق في حين أن «الوطني» ورموزه لن يقدموا إلا على ترسيخ مواقعهم من دون منح أي قوة سياسية أخرى أملاً في المنافسة على الحكم أو حتى مساحة حرية حقيقية تتخطى مجرد الكلام، وان ما اتخذ من اصلاحات سواء داخل «الوطني» أو على مستوى العمل السياسي عموماً يرسخ الاعتقاد بأن تداولاً للسلطة بين القوى السياسية أمر بعيد المنال وأن «الوطني» باق مهما كانت الاصلاحات.

في كل الأحوال، فإن المشهد السياسي المصري يشير الى أن النخبة السياسية (حكماً ومعارضة) لم تتفق أصلاً على أسس هذا الإصلاح أو حتى معناه أو الهدف منه، وأن الفريقين يسيران في طريقين متوازيين ولا أمل في أن يلتقيا طالما أن كل فريق منهما مُصر على المضي في الطريق الذي اختاره: «الوطني» يطبق الاصلاحات كما يراها وليست لديه الرغبة في تلبية الحد الأدنى من مطالب المعارضة التي يعتقد أنها تهدد الاستقرار وأن خططها الإصلاحية اذا تحققت يمكن ان تهدد عقد التماسك المجتمعي. أما قوى المعارضة على اختلافها فلا ترى أملاً في إصلاح طالما أن الحزب الوطني هو القائم به.

بعيداً عن المشهد الذي صار معتاداً لقوى الأمن تحيط وسط القاهرة، وتمنع المحتجين من الوصول الى الأماكن التي حددوها للتظاهر أو الكر والفر بين قوات الأمن بلباسها العسكري أو المدني وناشطي المعارضة، فإن غالبية الشعب المصري غير مهتمة أصلاً بذلك الصراع بين النخب وكأن الأمر لا يعنيها وكل ما تهتم به هو غلاء الأسعار أو علاوات ستضاف الى رواتب الموظفين ولا فارق عند الناس بين الحكم والمعارضة فأمر النخب يخصها وليست لدى الناس رفاهية التفكير أو الوصول الى الحكم أو ممارسة المعارضة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الحياة اللندنية-29-5-2006