ثقافة المعارضة

 

عبدالعظيم جبر

 

ان اختلاف الطبيعة البشرية في التفكير كان وما زال متغيرا مهما في حدوث الازمات والصراعات ولاسيما على المستوى السياسي وموضوعة (السلطة) وعند تصنيف النظم السياسية سنجد ان لكل نظام سياسي مجموعة من القيم والتقاليد السياسية فالنظام الشمولي يتميز بعدم حضور المعارضة وثقافة المعارضة في الحياة السياسية لهيمنة ايديولوجية الحزب الواحد الذي يحاول فرض قيمه عبر التنشئة السياسية والاجتماعية بدءا من مرحلة الطفولة  حتى المستوى الدراسي الجامعي وفي المؤسسات الاخرى لغرض السيطرة على دوافع الانسان من اجل ضمان استقرار هذا النظام ودوامه بوساطة تنمية وتطوير هذه الاتجاهات التي تنسجم واتجاهات النظام السياسي.

تتميز النظم السياسية الديمقراطية عن الشمولية بحضور ووجود المعارضة السياسية من خلال وجود الاحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والرأي العام وجماعات الضغط والمصالح فالديمقراطية السياسية تفترض نموذجا معيناً من الثقافة السياسية وهي ثقافة المساهمة يكون فيها المواطن على مستوى عال من الوعي بالامور السياسية ويقوم بدور فعال فيها ومن ثم يؤثر في النظام السياسي بطرق مختلفة كالمساهمة في الانتخابات او المظاهرات او تقديم الاحتجاجات فضلا عن ممارسة نشاط سياسي من خلال عضوية في حزب سياسي او جماعة ضغط، ولاجل تبيان وتحليل المعارضة وثقافتها وممارستها في النظام السياسي الديمقراطي كواحدة من القيم السياسية سنوزع البحث على ما يلي :

1. ما هي المعارضة وكيف تنشأ؟

2. دور المعارضة في العملية السياسية الديمقراطية.

3. ثقافة المعارضة.

1. ما هي المعارضة وكيف تنشأ؟

ترتبط المعارضة بنشوء حالة من الاستفزاز والقلق الاجتماعي والسياسي الذي ينطوي على شعور الانسان بالتذمر في درجاته الدنيا وفي التمرد في درجاته العليا بسبب حدوث التناقض بين السلطة والشعب مما يولد حالة من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي الذي يلقي آثاره الى مختلف نواحي الحياة الاخرى.

ان هذا القلق يؤدي الى اتخاذ موقف مناهض تجاه قرارات السلطة الامر الذي يفضي الى تأسيس تجمعات تتفق فيما بينها على مجموعة من المبادئ او تعمل على طرح مشروع اصلاحي لترميم بعض الهدم السياسي والاجتماعي ويكون ذلك في صورة غير منظمة في بادئ الامر ويتطور الى عمل منظم بشكل صورة احزاب سياسية او مؤسسات مجتمع مدني فالتجمعات السياسية التي تتميز بدرجة عالية من التنظيم تعمل على الوصول الى السلطة اما مؤسسات المجتمع المدني فتعمل بدور ( الناقد ) و( الضاغط ) على الحكومة ولا تسعى للوصول الى السلطة ان تلك التجمعات تدفع للقيام بشكل جماعي وبصورة تلقائية لمواجهة هذا التناقض وفي الحقيقة ان الوصول الى هذا التنظيم الجماعي المنظم مرده تمتع تلك الجهات بنوع من (الوعي الذاتي) الذي يميزها عن باقي حالات القيم السائدة في المجتمع، ويشير عالم الاجتماع الاميركي (هربرت) الى اهمية وجود القلق وعده المدخل الاول لتحطيم الحالات ونماذج السلوك الاجتماعي والسياسي السائدة مما مهد الطريق لظهور فعل جماعي جديد يتبلور في صورة اشكال من الحركات السياسية والاجتماعية لكونها وليدة للتغييرات التي يمر بها المجتمع وتتراكم عبر مدة من الزمن اذن فالمعارضة هي سلوك جماعي معين ازاء ظاهرة ما تتقاطع مع رأي هذه الجماعة ام تلك.

2. دور المعارضة في العملية السياسية الديمقراطية

ان العملية السياسية الديمقراطية ما دامت تؤمن وتقر وتعترف بالاختلاف فهي تطرح موضوعة ( التعددية السياسية ) لانها شرط اساسي من شروط تطبيق الممارسة الديمقراطية حيث تعمل في ظل المنافسة السياسية المشروعة دستوريا فطبيعة الدستور تحدد نوع المعارضة لان العوامل الدستورية تنعكس على حالات المعارضة السياسية وتلعب دورا مهما في توجيه الموارد السياسية، ان المنافسة السياسية تمر من خلال عملية الانتخابات وبخلاف ذلك تكون الممارسة مجرد سلوكيات هي اقرب الى الشكلية منها الى الديمقراطية وهذا ما شهدته تجربة النظام السياسي السابق حيث غيب دور المعارضة تماما.

ان الحزب او الكتلة السياسية التي تحصل على اصوات الاغلبية التي تؤهلها الى تشكيل الوزارة التي تسعى الى تحويل برامجها السياسية الى قوانين لخدمة المجتمع وقبالة ذلك يقف الحزب الذي لم يحصل على اصوات تؤهله للوصول الى السلطة موقف المعارضة داخل ( المجلس النيابي ) فمن حقها ان تنتقد وتعترض وتراقب عمل الوزارة وتستجوب رئيس الوزراء والوزراء في اي شأن من شؤون المجتمع والدولة وفق آليات دستورية وقانونية وتقديم المقترحات والبدائل لتصحيح الخطأ والخلل هذا من جهة ومن جهة اخرى فان المعارضة تحترم وتعترف بسلطة الحكومة المنتخبة كما تحترم الاغلبية الاقلية السياسية وتتعاون مع الحكومة لاجل الصالح العام فهي لا تقوم بالمعارضة لاجل المعارضة بل ان المعارضة تشكل جزءا متمما للنظام السياسي فالمعارضة قد تكون غدا في الحكومة وبالعكس، ان دور المعارضة طبيعي يرتبط بطبيعة الانسان بالاختلاف فمن غير الممكن ان يتشابه الناس في افكارهم جميعا او نحصل على ارادة اجماع في قضية ما لان الاجماع هو (فشل) في الحقيقة ولنا في تجارب انظمة التصويت بالاجماع التي تبنتها المنظمات الدولية والهيئات الدولية والرئاسية دليل على فشلها ومثال ذلك لا للحصر (عصبة الامم المتحدة) ولمعالجة ذلك ولتأمين الحصول على الموافقة على قرار ما استوجب تشريع نظام للتصويت مثل ( الثلثين، او النصف + 1) او ثلاثة ارباع المصوتين الموجودين) لاجل حل الاختلافات بشفافية وبعقلانية لتلافي تعطيل اي قرار يخدم المجتمع لذلك يفترض بالاحزاب السياسية ان تعترف بأن المواقف والاراء السياسية هي في الحقيقة (غير ثابتة) دائما فهي قابلة للتغيير وان الموافقة والوصول الى رأي في قضية ما لا يتمان في كثير من الاحيان الا من خلال ( التعارض ) في الافكار ووجهات النظر الذي يجري من خلال النقاش الحر والعام سلميا.

3. ثقافة المعارضة

تستند قاعدة المعارضة على ركيزة رئيسة هي الاختلاف فما دام الاختلاف واردا وحاضرا فمعنى ذلك وجود (معارضة) غير انه ليس من الممكن ان أختلف مع الاخر على الدوام ولا اتفق معه كذلك على الدوام بل أختلف وأتفق والنتيجة الوصول الى منتصف الطريق متقابلين معا بدلا من أن يذهب كل واحد منا باتجاه معاكس لذلك فان المعارضة ينبغي توافرها في اي عملية سياسية ديمقراطية لان الديمقراطية هي عملية (تسويات) بمعنى ان الاحزاب والحركات السياسية مهما كانت متبنياتها الفكرية وايا كان عمق الاختلاف بينها فمن الضروري ان تتعايش في فضاء سلمي عبر الانتخابات والحوار الهادئ وتداول السلطة والنقد وان تتقاسم معا قيم الحرية في التعبير والمعتقد والحماية المتساوية امام القانون فالاحزاب التي لم تصل للسلطة من الطبيعي ان تنتقل الى دور المعارضة تقوم بدور المراقب والراصد والمتابع لاي خلل يصيب اداء عمل الحكومة لتصحيح مسارها ـ كما اسلفنا ـ فهي تقوم بدور العون ما دامت جميع القوى السياسية تعمل لمشروع الصالح العام ومن ثم فان المعارضة تعمل للوصول للسلطة بالوسائل نفسها والاليات السلمية لانها تعلم جيدا ان الحكومة لا تكبح عملها ولا تكم افواهها بل تعمل الحكومة على حماية المعارضة في التنظيم والتعبير والنقد وعند وصول المعارضة للسلطة يتم تسليم السلطة سلميا لها من قبل الحكومة السابقة بقناعة وبهدوء ومن دون اثارة ما يعكر جو النظام السياسي وتتحول الحكومة السابقة الى معارضة.. وهكذا.. ان الممارسة السياسية والحكومية توفر افضل الادوات للعمل السياسي والحكومي فخير تدريب للمعارضة الفعالة ان تمارس الحكم وان تكون لها امكانات معقولة للعودة الى ممارسته على ان بقاء حزب واحد او ائتلاف في الحكم  فترات طويلة غير منقطعة ضار للطرفين ذلك بأن الحكومة عندما لا يوجه اليها النقد القويم قد تصبح راضية عن نفسها او حتى فاسدة اما المعارضة دون امل معقول في الحكم فانها تميل الى التفكك والتفسخ او الى ان تصبح غير واقعية فيزداد عجزها عن توفير النقد المؤثر وكثيرا ما اقترح المعلقون البريطانيون في سنة 1964 اي بعد بقاء حكومة (المحافظين) في الحكم ثلاث عشرة سنة ان المحافظين في حاجة الى فترة معارضة وان حزب (العمال) في حاجة الى فترة حكم كي يستعيدوا الحيوية والتماسك.

ان الشرط الاساسي للمعارضة الفعالة ان يكون لها من التماسك ما يكفي لاسقاط (اي حكومة) سلميا والحلول محلها وهو شرط لا تستطيع جميع الانظمة الديمقراطية ان تضمنه فالقانون الاساسي في (المانيا) يجعل من هذا الشرط مطلبا دستوريا بأن تضطر الحكومة للاستقالة اذا ما منحت الثقة من البرلمان ولكن من غير الممكن خلق معارضة فعالة اذا كانت تضم احزابا في اليمين المتطرف او اليسار المتطرف فهي لا تعارض الحكومة فقط بل النظام ايضا فماذا تستطيع المعارضة ان تفعل اذا لم تستطع تهزم (الحكومة) الا بمساعدة عناصر لا تستطيع ان تتحد معها لتأليف حكومة وهذا في الحقيقة مؤشر خطير لتهديد الديمقراطية ولمواجهة تلك المشكلة لا يمكن ان ينتظر من اي نظام ديمقراطي ان يخطئ بمساعدة الذين يريدون تحطيمه او توفير الفرص للعنف غير ان قمع بعض الحركات الثورية الصغيرة (يمينية ام يسارية) ما دامت لا تلجأ الى العنف قد يسيء الى الديمقراطية فالواجب عموما ان لا يفرض على حرية العمل سوى الحد الادنى من القيود وذلك لمنع خطر كبير على طريقة الحياة الديمقراطية والاعتراف بحقوق جميع انواع الحركات في التعبير عن ارائها على ان تحترم الالتزامات التي يفرضها القانون.

وحيث ان العراق المعاصر وهو يدخل في العملية السياسية الديمقراطية يفترض على الاحزاب والحركات السياسية ان تعي جيدا ماهية المعارضة ودور المعارضة لا لاجل المعارضة بحد ذاتها بل لتنشيط دورة الحياة السياسية للوصول الى عمل حكومي وسياسي يخدم الانسان اولا واخيرا فالواقع السياسي العراقي يشير الى ضعف في فهم ودور المعارضة فاغلب الاحزاب السياسية تركض نحو الجلوس على مقاعد الوزارة وهذا مهم جدا ولكن من يقوم بدور المعارضة؟ نحن نحتاج الى معارضة فاعلة وسلمية وواقعية لا سيما ان العراق يبدأ عهدا جديدا في التحول الديمقراطي فاذا كان الجميع يبحث عن الوزارة فمن يسائل ويراقب من؟؟

ان وجود المعارضة ضرورة كقيمة سياسية ديمقراطية لاجل تقويم واداء عمل الحكومة فيما اذا اخفقت لان القائمين على الحكومة هم من البشر يتعرضون للاخطاء والهفوات ومن هنا يبرز دور واهمية المعارضة في المراقبة والمساءلة ومن ثم التقويم العام فالمعارضة اخيرا هي ليست لاجل الصراع من اجل البقاء بل هي تنافس لخدمة الصالح العام.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح-28-5-2006