الديمقراطية المباشرة والديمقراطية النيابية

 

جواد كاظم البيضاني

 

المعنى الحرفي لكلمة ديمقراطية ، هو حكم الشعب، أي أن يكون للشعب نصيب في حكم إقليم الدولة بطريقة مباشرة او غير مباشرة.وهنا يتبادر الى الذهن هل أن هناك ديمقراطية مباشرة وأخرى غير مباشرة ؟ بمعنى هل أن هناك أنواعا للنظم الديمقراطية او قواعد مختلفة في مفهوم الديمقراطية بين دولة وأخرى ؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد من استعراض موجز تاريخي يعطي صورة لمرحلة التطور التي شهدها النظام الديمقراطي في الحكم. فمن الواضح ان الديمقراطية هي ناتج عمليات تحول طويلة الأمد مرة بمراحل عديدة قبل أن تتوصل لوضع أدوات الحكم تحت رقابة جميع المواطنين . وكان للمجتمع الاثني " اليوناني " دور بارز في وضع لبناتها الأولى من خلال حكم الشعب بصورة مباشرة او ما يسمى بالديمقراطية المباشرة بمعنى أخر أن الحاكم يلجأ الى الشعب في اتخاذ أي قرار سياسي او مصيري يتعلق بالدولة ، كذلك يتم سن القوانين ووضع اللوائح الخاصة بها من خلال اللجوء الى الشعب ويتم ذلك باجتماع الشعب على شكل هيئات في الساحات العامة يتداولون فيما بينهم على وضع نص او استحصال موافقة في موضوع ما ويتم التصويت وفق ذلك فالشعب هو صاحب القرار وهو المسؤول بصورة مباشرة على قيادة الدولة . فهو الذي يشرع القوانين ويلغيها وله الحق في إقالة الحاكم او إبقائه، وقد بلغ هذا النوع من الديمقراطية اوجه في عهد بريكلس . والديمقراطية المباشرة قد اختصت بالمجتمع الاثني دون باقي مدن اليونان على أن هذا النظام اختفى بعد أن بدأ الحكم يتجه نحو الفردية والاستبداد ونظام التوريث. وعلى الرغم من أن الرومان قد استخدموا هذا النوع في الحكم إلا ان الصفة الاستبدادية حالت دون استمراره طويلاً حيث استأثر اوغسطوس بالحكم ليقضي نهائياً على نظام الديمقراطية المباشرة ولتبدأ مرحلة جديدة في الحكم وجدت من الدستور الرومان منفذاً لها .انهيار او سقوط الديمقراطية المباشرة أمر لا بد منه، فالدولة الرومانية اتسعت  مساحتها بشكل كبير وهناك قبائل وأمم مجاورة أخذت تهدد حدود الدولة المترامية الأطراف وهذا يتطلب  اتخاذ قرارات سريعة لا يمكن تحقيقها بهذا النوع من الحكم. ثم أن دولة بهذا الحجم لا بد إن تكون لها اسرار ترتبط وامن الدولة  وهو يناقض الحكم المباشر للشعب.وبدأ الرومان يحاولون وضع قواعد جديدة في الحكم لا تتعارض مع المنهج الديمقراطي وتساهم في إنقاذ البلاد في وقت الأزمات فكان الاجراء الدستوري الذي شرعوا في تطبيقه كنص قانوني  يتم بموجبه توقف السلطات الممنوحة لقنصلين " حاكمين " ولمجلس الشيوخ والمجالس العامة وان تسلم سلطاتهم لشخص واحد على ان يكون قائداً عسكرياً ويمنح هذا الشخص لقب (دكتاتور) الذي له صلاحيات واسعة بموجب الدستور . قلنا ان هذا الاجراء دستوري يتم بموجبه وقف العمل بالدستور مؤقتاً في فترة الأزمات البالغة الخطورة التي تمر بها الدولة وعلى الدكتاتور ان ينهي صلاحياته بعد انتهاء الأزمة التي تمر بها الدولة، وكان القائد سنسناتس المثل الطيب للذين تولوا هذا المنصب حيث عاد الى مزرعته فور انتهاء مهمته التي لم تتجاوز الستة اشهر وهي المدد التي حددها له الدستور .

وبمرور الزمن جرد اسم الدكتاتور من معناه القديم حيث تمكن القائد " سولا" من إجبار مجلس الشيوخ الروماني على تعيينه دكتاتورا والذي بدوره ساهم في بلورة المفهوم الحديث لصفة الدكتاتور والتي تعني الانفراد بالحكم . لم تستطع  أوروبا إعادة النظام الديمقراطي الى سابق عهده فتحول الحكم هناك إلى حكم وراثي استبدادي يورث لولي العهد بعد موت الملك ويختصر الحكم على الملك او الأمير دون الرجوع الى مجلس يمكن من خلاله مناقشة او تعديل القرارات التي يتخذها، فالملك صفة مطلقة في الحكم . إلا ان النمط الاستبدادي في الحكم ورغم استمراره لفترة طويلة ما لبث أن تقلص أو بدأ يضعف بفعل الضغط الشعبي . حيث بدأت تظهر في الأفق دراسات وأفكار تدعو إلى فهم المبادئ الحقيقية والصحيحة للسياسيين لان عملية فهم هذه المبادئ تساهم في المحافظة على الحرية في أي بلد . ثم بدأت الدعوات إلى التحرر والانعتاق والمساواة يطلقها مفكرو وفلاسفة القرن الثامن عشر أمثال منتسكيو، فولتير ، جان جك روسو .. الخ وبدأ الناس يميلون الى آراء المفكرين ومناهجهم في بناء الدولة او طبيعة تحديد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، او النظام السياسي او أسلوب الحكم .. الخ . ان دراسة تاريخ اليونان والرومان دفعت الشعوب للبحث عن سبل جديدة في الحكم يتم من خلالها القضاء على المنهج الاستبدادي وتعطي للشعوب نوعا من الانعتاق والحرية وتساهم في بناء دولة تعتمد في بنائها على قاعدة جديدة ممثلة بقوانين تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم وبين الناس فيما بينهم وهذا ما ساهم وبشكل كبير في ظهور الديمقراطية من جديد . يعتقد ماكيفر أن الديمقراطية يمكن أن تظهر مع زوال التقاليد او العرف فزعزعة التقاليد تساهم في انهاء الحكم الاستبدادي وحكم التقاليد كما يعبر عنه ماكيفر " بان السلطة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالأرض التي يحرثها الناس، واضفت بركة السماء على هذه الوحدة بين السلطة والأراضي ". فسيادة السلطة جاءت وليدة الحاجة العميقة الى قاعدة جديدة للتضامن نتيجة ذلك سادت أسطورة السلطة سيادة تامة ويعتقد ان الأزمات تزعزع التقاليد كما حدث في فرنسا او في انكلترا مع بداية الأزمة ظهر كروميل والذي انتهت دكتاتوريته مع انتهاء الأزمة والتي قضت على التقاليد السابقة في الحكم. فمهد هذا الانهيار السبيل لعودة العملية الديمقراطية الى انكلترا . معظم الباحثين يرون ان الديمقراطية لا يمكن تحقيقها بسرعة وان عليها أن تمر بمراحل وهم يرون أن النظام الديمقراطي الإنكليزي والذي يراه البعض أنه القاعدة الأولى لانبثاق أنظمة الحكم الديمقراطي في العالم المعاصر. مر هذا النظام بمراحل عديدة حتى وصل الى ما هو عليه الان فقد بدأ التوجه في انكلترا مع بداية تأسيس مجلس الملك والذي حمل الصفة الاستشارية ، ثم تبع ذلك اول برلمان عرفته أوروبا في تاريخها الحديث حيث تكون هذا البرلمان من مجلسين ، وبذلك تكون مرحلة الحكم الديمقراطي قد بدأت في انكلترا ثم الى باقي أجزاء أوروبا عندها يمكن القول ان المفكرين والفلاسفة الأوروبيين قد استساغوا ما نقلوه وعرضوا آراءهم من خلال الاعتماد على المنهج الديمقراطي الإنكليزي الذي يعد النواة الأولى لديمقراطية الغرب التي تفرض علينا الان . نظام الحكم المتبع في بريطانيا وفي عموم أوروبا هو نظام برلماني يعتمد على قاعدة الديمقراطية غير المباشرة أي أن الشعب يمثل من خلال نوابه في البرلمان المنتخب .

فماذا نعني بالنظام الديمقراطي المباشر ؟  وكيف يمكن  تطبيقه ؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد من القول ان النظام الديمقراطي المباشر يستخدم في بعض الدول لوقتنا الحاضر رغم صعوبات تطبيقه . فلا تزال سويسرا تستخدم لحد الان  نظام الديمقراطية المباشرة ولكن بصيغة أخرى ، حيث تعرض التشريعات على الشعب ومن حق المواطن الطعن بها . وللمواطن حق المبادرة في تقديم المقترحات الدستورية ، واقتراح القوانين والمعاهدات وتعديلها . وبذلك اكتسب الشعب سلطة الرقابة المباشرة على أعمال هيئة الاتحاد الفدرالي ، وهو ربما يكون نوعا فريدا من الديمقراطية والتي يستطيع الشعب من خلالها حكم نفسه بنفسه وبصورة مباشرة . اما الديمقراطية غير المباشرة فهي النظام السياسي الذي يقوم على أساس برلمان أو مجلس نيابي منتخب يتولى الحكم بالنيابة عن الشعب والذي يختار أعضاءه .وهذا النوع من الحكم مستخدم في معظم دول العالم ذات النظام الديمقراطي .وابرز ما يميز هذا النظام هو الفصل بين السلطات الثلاث " السلطة القضائية ، التنفيذية ، التشريعية " يرى ج . و . بورجيس "أن الناس أقاموا الطاعة على سندين شريعة السلطة التي تعود الناس أن يرى القانون صادرا عنها.. .. وعقلانية محتوى القانون ، أي قيمته الذاتية حيث هو قانون ، ومدى اسهامه في نظام القيم الذي يؤمن بها الناس . وكثيرا ما يتداخل السندان بحيث يعتذر التمييز بينهما . .. " بمعنى اخر أن الشعب متى ما ادرك ان القوانين الموضوعة هي من صنعه يكون اكثر ولاء للسلطة وهذا لا يتحقق ما لم يكن هناك مشرعون يمثلون الشعب يضعون القوانين التي من خلالها يتم تطبيق القانون وسير القضاء وممارسة السلطة عند ذاك يصل الشعب الى القناعة انه مصدر القوانين ، وعليه احترمها لانه من وضعها من خلال ممثليه الذين صوت لهم في الانتخابات. أن الأنظمة الديمقراطية لا يمكن تطبيقها ما لم تتوفر أدواتها ومن هذه الأدوات الشعب وهو العنصر الفاعل في بناء أي ديمقراطية من خلال مدى تقبله لها فإذا لم يصل الرأي العام إلى قناعة مطلقة بتقبل الديمقراطية ذهب تأثيرها وتبدأ الالتباسات والمنازعات بين التيارات المختلفة وهذا يتطلب بطبيعة الحال من الدولة أن تساهم في بلورة الثقافة الديمقراطية في تعاملاتها ليعتاد الناس هذا المنهج في سير حياته ، كذلك على مؤسسات المجتمع المدني أن تأخذ دورها في بلورة المفاهيم الديمقراطية من خلال التماس المباشر مع الشعب والطبقات الفقيرة منه التي تعد العنصر الفاعل في حسم مقعد مجلس النواب ولنقلها بوضوح لاهتمام منظمات المجتمع المدني بالمناطق الفقيرة .الديمقراطية تعني المساواة والعدالة إذا طبقت على أسس صحيحة فهل يتخلى الشعب عن العدالة لصالح الحكم الاستبدادي.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح-25-5-2006