نموذج الديمقراطية الكويتي وصراع مراكز القوى

 

علي الطراح

 

لم يعد بوسع الكويت ان تتراجع عن ديمقراطيتها وذلك بالرغم من العثرات التي مرت بها، كما ان الاوضاع العالمية جعلت من الافكار الديمقراطية اكثر اهمية من أي وقت مضى، فالعامة من الناس وليس النخبة منهم اصبحوا اكثر اهتماما في عملية المشاركة في اتخاذ القرارات.

التجربة الكويتية تمثل احد اهم النماذج لصراع مراكز القوى التقليدية والافكار الحديثة، وذلك بالرغم من عدم اكتمال النضج السياسي وغياب البيئة الثقافية المرتبطة بالديمقراطية إلا ان التجربة الكويتية استطاعت ان تشق طريقها وتحولت الى جزء من التكوين الاجتماعي للمجتمع والى اداة مهمة لمختلف القوى السياسية في توصيل افكارها والحفاظ على مكتسباتها.

على مر العصور في التجارب التاريخية لتطور الديمقراطية، السلطة وحلفاؤها دائما يسعون الى تأكيد نفوذهم ويستخدمون كافة الحيل لضمان سيطرتهم على النتيجة الانتخابية. والحالة الكويتية ليست استثناء من ذلك، فهي تدخلت في عام 67 وحلت البرلمان بطريقة غير دستورية لأكثر من مرة وعلقت العمل ببعض مواد الدستور وحاولت، بدون جدوى، ان تدخل تعديلات جوهرية على الدستور لضمان تفوقها في حسم قضايا الاختلاف إلا ان صلابة تجذر التجربة وضخامة الردود الشعبية لم تمكنها من ذلك.

تدخل السلطة في النتيجة الانتخابية يعد ممارسة عامة في كثير من الدول التي تمر بمرحلة انتقالية وتعتبرها تطورا طبيعيا نحو اكتمال النضج السياسي للمجتمع. القناعة في الافكار الديمقراطية ما زالت متأرجحة وما زالت القوى الاجتماعية ذات النفوذ سواء من داخل السلطة او خارجها تعمل على اعاقة التطور بل وتسعى احيانا كثيرة لتشويه الديمقراطية، والخلاف الدائر في الكويت حول موضوع اعادة تقسيم الدوائر الانتخابية ما هو الا نموذج من نماذج الصراع على التحكم في النتيجة الانتخابية، وهو حيوي طالما بقي الصراع ضمن حدوده المتعارف عليها ومدمرا للبنية الاجتماعية اذا ما تحول الى الاقصاء او التهميش لبعض من القوى المتصارعة. قد يكون احد المخاوف ان يتحول الصراع الى اداة هدم في ظل عدم الاتفاق او احيانا غياب المواثيق الصريحة بين النخبة الحاكمة والمجموعات المعارضة، التي تضمن عدم تهديد الموقع الاجتماعي والسياسي لها فيعجل في الانفلات نحو تردي الاوضاع او تفجرها احيانا، ما يستدعي التأني في اتخاذ القرارات المصيرية. يبدو ان غياب ثقافة الديمقراطية يعجل احيانا من التصادم المعلن خصوصا اذا ما ادركنا ان التحول نحو الديمقراطية يتطلب مواثيق تحكم العلاقة مع الخصم ولا يمكن تحقيق هذا التحول اذا ما أصرت بعض من القوى على توظيف الادوات الديمقراطية لإقصاء الآخر وتهميشه.

في الحالة الكويتية، الانقسام حول افكار الديمقراطية ليس فقط ضمن العامة من الناس وانما يبدو ان السلطة نفسها تعاني من ذلك، وبهذه الحالة تكونت مراكز نفوذ في داخل السلطة نفسها وتبدأ عملية استقطاب على المستوى الشعبي ما يضاعف الصراع حدة وقد يدخله في متاهات مضرة بسلامة الامن الوطني.

أخفقت السلطة في الكويت مثلها مثل بقية الدول العربية في تحقيق استراتيجية الاندماج بين كافة الشرائح الاجتماعية بل احيانا كثيرة وظفت الانقسام الاجتماعي لمصالحها، ما عزز البنية التقليدية كالقبلية والطائفية والعائلية في المعترك السياسي وتحولت مع الوقت الى وضع قائم ومسلم به في ادارة الصراع الاجتماعي والسياسي.

القانون الانتخابي تتفاوت انواعه وليس هناك قانون واحد يعتبر الأصلح لضمان التمثيل المتكافئ، بقدر ما تحكم العملية الديمقراطية باعتبارات تاريخية وسياسية وثقافية ودينية في كثير من الدول التي تأخذ في الديمقراطية وسيلة للحكم. فالدول التي تتبع نظام التصويت بالاغلبية المطلقة او نظام التمثيل النسبي تعتبره مسألة تقليدية تقع ضمن خيارات الدولة. التمثيل النسبي تأخذ به الدول التي تتسم بتنوع عرقي وفي حالة تحديد «كوتا» للنساء او الاقليات والاحزاب السياسية لضمان التمثيل للقوة للقاعدة الانتخابية. التمثيل النسبي اذا ما تم حسن استخدامه يضمن عدم سيطرة الحزب الواحد كما يضمن التوازن بين فئات السكان من حاضرة وبادية على سبيل المثال، ففي مصر نصف الاعضاء من العمال والفلاحين، في نيوزيلندا اربع دوائر انتخابية من بين 97 دائرة تمنح لانتخاب نواب من الجنس الماوري الذين يشكلون 12 % من السكان، وفي لبنان يصوت الناخبون على قوائم وفق التقسيمات الدينية المختلفة.

يعد اسلوب تحديد الدوائر الانتخابية امرا في غاية الاهمية لضمان نزاهة التمثيل وعدالته لكي لا يضر بالتوازنات الاجتماعية ويضمن الحصة للقاعدة الانتخابية، ودائما يؤخذ في الاعتبار التقارب الجغرافي وعدد القاطنين من السكان في كل دائرة. في الحالة الكويتية هناك عدم رضا على الوضع الحالي للدوائر الانتخابية واعتبرها الكثير احد اهم الاسباب لتفريغ الديمقراطية من محتواها ومصدرا للفساد الذي تعاني منه الكويت. النظام الحالي (25 دائرة) جاء في فقرة حل البرلمان كما ادى الى تقليص عدد نواب الطائفة الشيعية وزاد من عدد نواب الخدمات وادى الى اضعاف المؤسسة التشريعية بشكل عام. كان من اهم الثغرات التي افرزها النظام الحالي ظاهرة شراء الاصوات والانتخابات الفرعية التي تمارس بين القبائل لفرض وجودها السياسي على الساحة الكويتية والتي ادت الى اقصاء كامل لبعض الفئات الاجتماعية غير المنتمية للقبيلة المهيمنة في الدائرة الواحدة. اللالفت للانتباه ان شراء الاصوات لا يمارس بين ابناء القبائل فحسب بل كذلك بين ابناء المدينة. اضطرت الحكومة ان تجرم الانتخابات الفرعية وظاهرة شراء الاصوات الا ان ممارستها ما زالت مستمرة ولم يعد بوسع الحكومة السيطرة عليها لارتباطها بمراكز النفوذ. الا ان النموذج الكويتي بالرغم من الاخفاقات حيوي حيث افرز لنا تراكمات من الممارسة الديمقراطية التي تحولت الى ثوابت من الصعب التخلص منها، بل لا نبالغ بالقول بان الحفاظ على المكتسبات الديمقراطية امر حيوي للكويت خصوصا بعد ان احتكم النظام السياسي للدستور لنقل السلطة الى سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد بعد ان ثبت طبيا عجز الأمر الشيخ سعد العبد الله من تسيير دفة الحكم.

حدة الصراع الذي تشهده الساحة الكويتية وخصوصا بعد تقديم طلب استجواب رئيس الحكومة والذي يعتبر الاول في تاريخ الكويت بحاجة الى تدخل الحكماء للحد من تبعيته ونتائجه التي قد تزيد من حالة الاحتقان في ظل الارباك الذي يشهده المحيط الاقليمي.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-25-5-2006