أزمة الديمقراطية في مصر... وليست مشكلة القضاة

 

فهمي هويدي

 

فهمت خطأ التقارير التي خرجت من القاهرة طيلة الأسابيع الأخيرة والمتعلقة بالسجال والتجاذب بين القضاة والسلطة، والتي فتحت الباب واسعاً لحملة تضامن شعبية مع القضاة، تخللتها مظاهرات وصدامات واعتقالات لأشخاص تجاوز عددهم 400 شخص حتى الآن. وجه الخطأ في تلك التقارير انها تتبعت التفاصيل جرياً وراء الإثارة في الأغلب، ولم تنفذ إلى لب الموضوع وجوهره، ذلك أن المشكلة لم تكن بين القضاة والسلطة، ولكن موضوعها الأساسي كان ولا يزال هو رفع وصاية السلطة المفروضة على المجتمع، بما يكرس استقلال مؤسسات الدولة ويحقق الفصل المنشود بين السلطات، الذي هو أحد أركان التطبيق الديمقراطي. بكلام آخر، فإن موضوع الصراع كان الدفاع عن الديمقراطية الحقيقية، ووقف محاولات الالتفاف عليها، ومن ثم فضح الديمقراطية المزيفة والوهمية، كيف؟

المعروف أن مؤسسة القضاء في مصر لها تاريخ طويل في النزاهة والاستقلال، ورسوخ تقاليد تلك المؤسسة وثيق الصلة بثراء التجربة الإسلامية بخصوصيتها الفريدة، التي حفظت للقاضي والفقيه مقامهما جنباً إلى جنب مع السلطان، ذلك أن مرجعية الاثنين (القاضي والفقيه)، حين استندت الى الشريعة فإنها ظلت بعيدة عن هوى السلطان، باعتبار أن تلك المرجعية فوق السلطان ذاته، الذي لا يملك سوى الامتثال لها. والتاريخ الإسلامي حافل بقصص القضاء الشامخ، الذي ظل مرفوع الرأس من جراء استقلال مرجعيته المستمدة من الشريعة. وكان ذلك الاستقلال هو الذي دفع القاضي المسلم في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز، لأن يحكم بإخراج جيوش المسلمين من سمرقند، التي فتحها قتيبة بن مسلم من دون أن ينذر أهلها، وحين رفع الأمر إلى الخليفة وأحال الأمر إلى القاضي، فإنه حكم بإخراج تلك الجيوش، ولم يملك له أحد رداً. وانطلاقاً من تلك المرجعية أيضاً فإن قاضي مصر المعز بن عبد السلام قضى ببيع المماليك الذين كانوا يحكمون البلاد، لكي يعتقهم من اشتراهم، فيصيروا أحراراً ويستردوا اعتبارهم بعد ذلك.

ثمة مصنفات كثيرة عالجت الموضوع سواء في شقه القانوني أو في جانبه التاريخي، لسنا هنا بصدد التفصيل في محتواها، لكن ما يعنينا في هذا الصدد هو التنبيه إلى تجذر فكرة استقلال القضاء في التجربة المصرية، واتصالها تاريخياً باستقلال المفتي والقاضي الذي كفلته الشريعة، في مواجهة السلطان.

في المرحلة الملكية بمسحتها شبه الليبرالية، ظل استقلال القضاء المصري محفوظاً ومستقراً، وقد عزز من استقلاله أن النخبة المصرية التي تلقت تعليمها في بلاد الغرب عادت مشبعة بفكرة الفصل بين السلطات، التي هي من ركائز الفكر الليبرالي والنموذج الديمقراطي، غير أن المشهد اختلف مع قيام ثورة 23 يوليو عام 1952، التي انتقلت بالبلاد إلى النظام الجمهوري بمسحته العسكرية، إذ في ظل الحكم الجديد ألغيت الأحزاب وخضعت المشروعات الاقتصادية للتأميم، وألغيت الأوقاف الأصلية، وألحق الأزهر بالسلطة كما تم تأميم الصحافة، الأمر الذي أخضع المجتمع بأسره إلى سلطة الدولة، واستصحب تراجعاً كبيراً في فكرة الفصل بين السلطات، وفي استقلال مختلف مؤسسات المجتمع.

بمضي الوقت، وبصورة نسبية فإن السلطة نجحت في بسط هيمنتها على مختلف مؤسسات المجتمع، إذ ظل الجهاز التنفيذي بيدها، كما أنها هيمنت على وسائل الإعلام وعلى النشاط الاقتصادي، ومن خلال الحزب الواحد تارة، أو الأحزاب المصطنعة تارة أخرى، تمت الهيمنة على الحياة السياسية، ولأن السلطة هي التي تدير الانتخابات، وهي التي تسيطر على الأحزاب فلم يكن مستغرباً أن يظل الحزب الحاكم مكتسحاً الأغلبية البرلمانية طول الوقت، الأمر الذي كان تجسيداً لهيمنة الجهاز التنفيذي على السلطة التشريعية أيضاً.

في كل ذلك ظلت السلطة القضائية عصية على الاجتياح وعقبة حالت دون إكمال الحلقة وإتمام عملية إلحاق مؤسسات المجتمع بالسلطة التنفيذية، صحيح أن اختراقات حدثت في حرم القضاء، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لتحقيق الإخضاع المطلوب، وهو ما أدى إلى استخدام العنف من قبل السلطة التنفيذية، الذي تمثل تارة في الاعتداء بالضرب على رئيس مجلس الدولة عبد الرزاق السنهوري باشا وفي طرد 18 من أعظم قضاة الدولة في عام 1955. كما أدى إلى فصل 189 من خيرة رجال القضاء ومنعهم من الاشتغال بالمحاماة، مع حل نادي القضاة، في ما عرف بمذبحة القضاء، التي تمت في عام 1969.

وللالتفاف حول استعصاء جبهة القضاة، فإن السلطة لجأت إلى استحداث القضاء الاستثنائي (العسكري)، الذي يسمح به قانون الطوارئ، كما لجأت في حين آخر إلى إلحاق بعض ضباط الشرطة، الذين يحصلون على ليسانس الحقوق مع تخرجهم في كلية الشرطة، في سلك النيابة العامة حتى ينتقلوا بعد ذلك إلى سلك القضاء، ويصبحوا أكثر موالاة من غيرهم للسلطة التنفيذية، ورغم ذلك كله فإن قلعة القضاء ظلت صامدة ولم تستسلم.

في صمود القضاة فإنهم ظلوا ينادون بإصدار قانون يعزز استقلالهم ويرفع وصاية السلطة التنفيذية عنهم، ويوقف تدخلات وزارة العدل، التي هي جزء من السلطة التنفيذية، في شؤونهم من خلال أبواب ومنافذ عدة، وكان طبيعياً أن تقاوم السلطة ذلك المطلب، وهي الساعية إلى مزيد من الإخضاع للقضاء وليس مزيداً من الاستقلال. ولذلك فإن وزارة العدل قامت بإعداد مشروع آخر للسلطة القضائية احتفظت بسريته، ورفضت إطلاع نادي القضاة عليه، رغم أن مجلس إدارة النادي المنتخب، هو الجهة الوحيدة التي يمكن الاطمئنان إلى شرعية تمثيلها للقضاة في مصر.

في ذات الوقت فإنه إزاء الضغوط المستمرة والمطالبات الملحة بتوفير الشفافية والنزاهة للانتخابات، فإن السلطة قررت إخضاعها لإشراف القضاة وهو ما بدا مطمئناً للناس من حيث الشكل على الأقل، ولكن الأجهزة التنفيذية دأبت رغم ذلك على التدخل في العملية الانتخابية والتلاعب بنتائجها، مما أثار حفيظة القضاة وغضبهم، وحين نشرت الصحف المستقلة والمعارضة معلومات عن تزوير نتائج الانتخابات، التي جرت في شهر فبراير (شباط) الماضي في بعض الدوائر، فإن نادي القضاة أضاف مطلباً جديداً دعا فيه إلى التحقيق في دعاوى التزوير، حتى تتضح فيه الحقيقة أمام الرأي العام، وحتى لا يشك أحد في أن القضاة الذين أولاهم الناس ثقتهم تحولوا الى شهود زور في العملية.

لم تسترح السلطة لإصرار القضاة على المطلبين، فافتعلت أجهزتها شكوى قدمها أحد رجالها نسب إلى اثنين من نواب محكمة النقض، أعلى درجات التقاضي في مصر، تهمة إهانة القضاء (!)، وجرى الاستناد إلى هذه الشكوى في تقديم القاضيين الكبيرين إلى مجلس للتأديب، كي يكونا عبرة لغيرهم ممن يرفضون الانصياع للسلطة ويرفضون التستر على الممارسات المنسوبة إليها، وحين حدث ذلك فإنه أثار غضب القضاة، فأعلن مجلس إدارة ناديهم الاعتصام حتى يحسم أمر مجلس التأديب، كما أن هذه الخطوة حركت العديد من مؤسسات المجتمع، على النحو الذي سبقت الإشارة إليه.

هذه التطورات رفعت من وتيرة الاحتقان في المجتمع المصري، الذي ظلت شرائحه الواسعة تترقب ما ستسفر عنه محاكمة القاضيين الكبيرين، في قضية موهومة، لا أصل لها ولا دليل على الاتهام الوارد فيها، وحين يكتب تاريخ هذه المرحلة، فلا بد أنه سيسجل وقائع الضغوط الكبيرة التي مورست لإنزال عقوبة العزل على القاضيين، ليكونا عبرة لغيرهما، ثم الضغوط المقابلة التي مارسها نفر من عقلاء القضاة، الذين كانوا على يقين من براءة الرجلين، ومن أن الأمر كله ليس سوى مكيدة، تستند إلى السياسة ولا سند لها من القانون، وقد شاء ربك في نهاية المطاف أن ترجح كفة العقل والرشد، فيصدر الحكم بتبرئة أحد القاضيين والاكتفاء بتوجيه لوم مخفف للثاني، رغم أن تهمة الاثنين واحدة.

لم ينته الموضوع أو يغلق ملفه، لأنه لا يزال بين القضاة من يتمسك بالطعن في قانونية المحاكمة من الأساس، وأهم من ذلك أن تجاوز هذه النقطة أعاد الجدل إلى مربعه الأول، ومن ثم استدعى إلى الواجهة مطلبي استقلال السلطة القضائية والتحقيق في وقائع تزوير الانتخابات، الأمر الذي يعني أن التجاذب سوف يستمر لأجل غير معلوم، بل أزعم أن الموقف سوف يزداد سخونة، لأن قضية الديمقراطية هي جوهر القضية الخلافية، ولذلك فإن النضال من أجلها سيطول، كما أن وقوف كل قوى المجتمع الحية في صف الداعين إليها سيصبح مطلوباً بإلحاح، لأنها قضية الوطن بأسره وليس القضاة وحدهم.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر نصا ودون تعليق .

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-24-5-2006