مـصـر :  

                   هلْ المستقبل السياسي للطبقة الوسطى ؟

 

 د‏.‏محمد السيد سعيد

 

المستقبل السياسي للطبقة الوسطى

يعتقد كثيرون أنه كانت ثمة صفقة ما‏,‏ حيث قام مجلس إدارة نادي القضاة يوم الخميس الماضي بانهاء اعتصامهم بعد صدور احكام مخففة‏,‏ وبوعد مواصلة النضال القانوني‏,‏ لم يضطر النادي لتجرع كأس الهزيمة‏,‏ وبنفس الوقت خرجت السلطة التنفيذية منتصرة‏,‏ كما هو متوقع‏,‏ فهي لم تلتزم باصدار قانون السلطة القضائية الذي يطالب به النادي‏,‏ ولم تحقق في الاتهامات بوقوع تزوير في الاستفتاء علي تعديل نص المادة‏76‏ من الدستور‏,‏ وفي الانتخابات البرلمانية‏.‏

وبنهاية اعتصام نادي القضاة‏,‏ والقبض علي عدد كبير من شباب كفاية والأخوان المسلمين وحزب الغد واستعادة المصادرة علي الحق في التظاهر وصدور حكم محكمة النقض بتثبيت الحكم الصادر ضد الاستاذ أيمن نور تكون السلطة التنفيذية ونخبة الحكم قد أغلقت الستار علي احداث عام‏2005,‏ واستعادت احتكارها التام للسلطة‏,‏ ولكن السؤال الكبير هو ماذا ستفعل نخبة الدولة بالطبقة الوسطي اذن‏.‏

الطبقات السياسية

فالطبقة الوسطى تحديدا هي مصدر الحراك السياسي خلال عام‏2005‏ بل وخلال القرن الماضي كله‏,‏ فالطبقة الرأسمالية اختارت اما العمل من خلال المؤسسات السياسية التي تفضلها نخبة الحكم خاصة الحزب الوطني وجمعيات وروابط رجال الأعمال‏,‏ أو الانسحاب التام من الفضاء السياسي‏,‏ وبالمقابل ثمة ما يؤكد ان القلق بدأ ينتهب الطبقات الشعبية‏,‏ فالريف يشهد منازعات كثيرة حول ملكية الأراضي بين عدد من الأطر القانونية والطبقات الاجتماعية‏,‏ وهناك توترات متعاظمة داخل المجتمع القروي‏,‏ وشعور متزايد بالتهميش والضعف امام القوة العاتية للجهاز البيروقراطي وامام نسق الثروات الجديدة الذي أخذ يقوم بدور متعاظم في التأثير علي الحياة الريفية ويعيد تكوينها‏,‏ وبينما لايغيب النقاش السياسي حتي أن أكثر البيوت الريفية بؤسا‏,‏ فلا يكاد يكون هناك أي وعاء لممارسة هذا النقاش بصورة منظمة وجماعية وبما يفتح باب المشاركة الشعبية في صنع السياسات أو المواقف المؤثرة علي حياة المجتمع القروي‏,‏ وبينما حقق الأخوان المسلمون اختراقا مهما وصعبا للريف‏,‏ فهو لايزال بعيدا جدا عن الحياة السياسية اليومية للبلاد‏,‏ اما الطبقة العاملة فتتعرض لعملية اعادة تشكيل كبيرة مع عملية اعادة هيكلة الصناعة والخدمات‏,‏ التقليدية التي كانت تسوعب العدد الأكبر والأعلي مهارة من الطبقة العامة المصرية تتعرض للتسريح‏,‏ وثمة اتجاه لبناء صناعات خفيفة لاتحتاج إلي مستويات مهارية عالية‏,‏ ومن ثم لايتمتع فيها العمال بقوة مشاركة كبيرة‏,‏ وعلي وجه العموم‏,‏ فان الطبقة العاملة تتمتع بمنظومة مؤسساتية افضل للتعبير عن مصالحها وللمشاركة الاجتماعية والسياسية بالمقارنة بالطبقات الريفية‏,‏ ولكنها مع ذلك لم تتمكن من تشغيل هذه المؤسسات خاصة النقابات بقدر يذكر من الفعالية وفي جميع الأحوال لايبدو أن الطبقة العاملة استردت أي قدر من الحيوية السياسية التي كانت تتمتع بها خلال عقدة السبعينيات‏,‏ وهي اجمالا مازالت بعيدة عن المعارضة السياسية‏,‏ وعن تشكيل رؤي للسياسة والمجتمع خاصة بها‏,‏ ويمكن القول إن نخبة الحكم نجحت في استرداد وتثبيت احتكارها وسيطرتها التامة علي الفضاء السياسي خلال عام‏2005‏ بفضل أصوات واستمرار تأييد قطاع لابأس به من صغار الملاك في الريف وقطاع كبير من العمال‏.‏

يبقي موقف الطبقة الوسطى الأكثر قلقا وميلا للمعارضة انطلاق من طموحات ورؤي ـ وربما مصالح ـ مختلفة‏,‏ كما يبقي موقف الدولة أكثر التباسا وجفاء تجاه هذه الطبقة ومؤسساتها وتعبيراتها الايديولوجية والسياسية المتنوعة‏,‏ ومصدر الالتباس هو أن هذه هي الطبقة التي قامت بثورة يوليو التي اسست النظام السياسي الحالي وظلت تشكل قاعدته الاجتماعية الاساسية لفترة طويلة من الزمن‏,‏ كما ان هذه الطبقة هي التي تشكل المزاج السياسي الاساسي للمصريين‏,‏ وهي صاحبة نفوذ لاينازع في تشكيل النسق الثقافي واسلوب الحياة الرئيسي في مصر‏,‏ ومع ذلك فانها صادرت أقل الطبقات تأييدا لنخبة الحكم‏,‏ وأكثرها ميلا لاسناد المعارضة السياسية‏.‏

ويعود جانب كبير من هذا الموقف إلي حقيقة ان الطبقة الوسطى اضيرت عموما من التحول الكبير والمتعثر في نفس الوقت للسياسات الاقتصادية بعيدا عن اشتراكية الدولة ونحو اقتصاد السوق‏,‏ فهي تعاني من بطالة أشد‏,‏ ونمو أقل بكثير للدخل بالمقارنة بالأسعار وتدهور بيئة العمل‏,‏ ولكن أكثر ما تعاني منه هذه الطبقة ليست الظروف المادية بل الفارق الكبير بين واقع الاداء السياسي والاقتصادي والثقافي للبلاد من ناحية والطموحات الرمزية العالية لهذه الطبقة من ناحية أخري‏,‏ فهؤلاء الذين يتوقون إلي تجربة ثقافية ودينية اصيلة يذهبون إلي التيار الإسلامي‏,‏وهؤلاء الذين يريدون استئناف مشروع بناء دولة الحق والعدل والقانون يذهبون إلي الفكر الليبرالي‏,‏ وهؤلاء الذين تهفو نفوسهم للنهضة الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية مع كثير من العدل الاجتماعي والسيطرة العامة علي الثروة لتحقيق انطلاق اجتماعي فيذهبون إلي تيارات اليسار المختلفة‏.‏

الحصار

ورغم أن ما يحرك المعارضة في صفوف الطبقة الوسطى هو هذه الطموحات السياسية والفكرية بذاتها‏,‏ فلم يكن من المتوقع ان تشتد احباطات الطبقة الوسطى لو ان نخبة الحكم كان لديها استراتيجية ديمقراطية لاستيعاب المعارضة الاتية من هذه الطبقة بتياراتها المختلفة‏,‏ وخوض حوارات حقيقية معها وصولا إلي حلول ممكنة موضوعيا‏,‏ وعلي العكس من ذلك‏,‏ تواجه نخبة الحكم والسلطة التنفيذية هذه الطبقة بقدر كبير من الصلف‏,‏ واليوم تتصادم نخبة الحكم والسلطة التنفيذية مع أهم قطاعات الطبقة الوسطي حول ابسط القضايا‏,‏ فمعظم النقابات مجمدة وهو ما يسبب غضبا شديدا للمهندسين بالذات‏,‏بسبب رفض عقد انتخابات النقابة رغم انعقاد جمعية عمومية صحيحة‏,‏ وهناك صدام مع الصحفيين حول الحبس في قضايا النشر وغيرها من القواعد القانونية الثقيلة الحاكمة للصحافة والتعبير‏,‏ ثم جاء الصدام مع نادي القضاة ليؤدي إلي صدع اضافي مع قطاع بالغ الأهمية وشريحة عالية من الطبقة الوسطي‏,‏ ثم ان هناك صدام متكرر وتقليدي مع الاحزاب والحركات السياسية حول قضايا الاصلاح السياسي والدستوري‏.‏

والآن يصل النزاع حول الاصلاح السياسي إلي طريق مسدود‏,‏ خاصة بعد أن عادت الدولة إلي مصادرة الحق في التظاهر السياسي الذي يعد متنفسا بالغ الأهمية للطبقة الوسطى‏,‏ فوق انه حق دستوري واساسي من حقوق الانسان‏,‏ وهو مايدفع هذه الطبقة لليأس التام‏.‏ وأشد جوانب الخطر في الموقف الحالي انه لايقدم أي مخرج للطبقة الوسطى أو أية وسيلة أو آليه أو فكرة لاستيعاب هذه الطبقة والحوار مع طموحاتها‏,‏ بل بالعكس يدفعها دفعا إلي الحائط‏,‏ ومن المثير أن اليأس السياسي الذي يدق في قلوب وعقول الطبقة الوسطي بتياراتها الفكرية المختلفة يعود ليس فقط إلي التقييد والقهر الحكومي وانما يضا إلي العزلة السياسية وسط الجماهير‏,‏ وهو مايجعل احباطات هذه الطبقة اشد واعمق من أية مرحلة سابقة في تاريخها الاجتماعي والسياسي‏.‏

وثمة مايقول بأن نخبة الحكم تعي هذه الاشكالية ولكنها تريد حلها من خلال مدخل اقتصادي صرف‏,‏ ويبدو ان الرهان الاساسي لمواجهة احباطات الطبقة الوسطي المصرية هو تحقيق انتعاش اقتصادي كبير يعوض الاحباط السياسي ويعزل أو يؤدي إلي انكماش تيارات المعارضة في صفوفها‏,‏ كما حدث في النماذج الآسيوية خاصة الصين‏.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب نصا ودون تعليق في كما في المصدر.

المصدر: الأهرام المصرية-22-5-2006