ثقافة حقوق الانسان من ركائز المجتمع المدني

 

كاظم الحسن

 

مفهوم الدولة الحديثة لم يتبلور في المجتمعات التقليدية وما زالت مفاهيم مثل الدستور، البرلمان والاحزاب الحرة غامضة وضبابية عند الكثيرين. وكان الشوط الاعظم من حياة هذه الشعوب قد مارسه ما سمي بـ (الضباط الاحرار) ونقيضه الاحزاب السرية التي تعيش في الاقبية والكهوف والسراديب وفي احسن الاحوال في السجون.

فماذا جنت الشعوب من الثكنات العسكرية والسراديب غير الافكار الاحادية والشمولية؟

بمثل هذه الاجواء لا ينشأ نظام القانون والشفافية والنزاهة بل الفساد الاداري والرشوة والمحسوبية، فهذه الظواهر هي جزء متمم للثكنة العسكرية التي تقود الدولة والمجتمع الى الخراب والدمار.

هل يمكن لمجموعة من العسكر او حزب مهما حسنت النوايا ان تقود عملية معقدة، وهي الانتقال من المجتمع التقليدي الى المجتمع الحديث المفتوح على التعدد سياسيا وثقافيا عبر آلة التسلط والاستبداد؟

وكيف يستقيم الامر اذا كان الجزء يقود الكل أي الحزب الذي يدعي القيادة والرسالة ولا يؤمن بتداول السلطة؟!

وازاء القمع والكبت السياسي لن يعترض احد على منظومة القرابة العشائرية في مفاصل الدولة واجهزتها ووضعها موضع مساءلة ومحاسبة، لان معايير النسب والدم هي الفيصل في تبوؤ المناصب وليس الكفاءات والمؤهلات العلمية.

هذا الامر يؤدي الى انعدام الحراك وتوقف التنمية السياسية والاقتصادية والبشرية فتتآكل وحدات المجتمع المدني وتحل بدلا عنها الاشكال والتكوينات البدائية التي تتمثل في القبلية والعرقية والطائفية والمناطقية.

وكما لاحظنا في المثال العراقي، فحتى بعد انهيار نظام القمع والاستبداد عملت تلك التكوينات على الصورة نفسها على الرغم مما يغلفها من اغطية وأقنعة، لاننا هنا نتحدث عن نظام اجتماعي وسياسي تكون بفعل انهيار مقومات واسس المجتمع المدني.

ما زال الكثير يتحدث عن النوايا والمشاعر والقيم بمعزل عن التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وهؤلاء ينظرون الى الاحداث من خلال التوصيف الشخصي القائم على الرغبات والامنيات فيقعون في فخ نظرية المؤامرة الخارجية.

يعتقد في الاوساط التقليدية ان الحاكم كلي القدرة او ثمة قوة خفية وراءه.

والناس يتساءلون كيف ان شخصا ما يدير دولة ويحكم الملايين بالرغم منهم؟

من دون معرفة ان الاعداد الكبيرة من البشر بلا مؤسسات المجتمع المدني هي مجموعة كمية قواها مشلولة ومقيدة وغير قادرة على الحد من تعسف الدولة وطغيانها.

ان الفجوة بين الدولة والمجتمع كانت تعمل على تدمير الاثنين معا لحساب الحاكم المستبد في الماضي.

اما في العصر الحديث وبسبب التطورات التاريخية والاقتصادية والعلمية وتكنولوجيا المعلومات وثورة الاتصالات فقد اصبح الحاكم مقيدا ومن العسير عليه اغتصاب السلطة وعزل المجتمع عن العالم.

ان القهر والخوف والاستبداد يخلق مجتمعاغير قادر على التعامل مع منتجات التكنولوجيا، وهذا ما واجهته اوروبا في عصور الاقنان والعبودية، فالعبد غير قادر على الابداع والخلق ولابد من الحرية.

الديمقراطية هي ام الصناعة وحاضنتها على الرغم من ان بعض الدول تحاول ان تفصل التنمية الاقتصادية عن السياسة.

وهذه محاولات بائسة لتجميل الدكتاتورية باسم التراث والاصالة، انها قضية كونية تتعدى العرق والدين والجنس البشري والهوية وتوحد الجنس البشري.

النظام السياسي في العالم يواصل السعي في الدمج ولا يمكن العمل بمعزل عنه فلابد ّ من التفاعل والتكامل والتجانس والتعايش، فالقوة وحدها لا تكفي لغرض الارادة على الآخرين ولو كان هذا الامر صحيحا لبقي الاتحاد السوفيتي السابق والدول التابعة له في مسيرة التسلح والنظام الشمولي لا سيما ان تلك المنظومة امتلكت ترسانة غير مسبوقة في تاريخ التطور الصناعي في العالم، وكان من نتائجها اهمال التنمية البشرية التي تمثل ركائز المجتمع المدني وبنيته الفاعلة في ثقافة حقوق الانسان، في حين نعرف من التجربة التاريخية للامم، ان التطور الصناعي يخلق وعيا تقنيا يكسر الآيديولوجيات التي تحد من التطور.

على الرغم من ان الفترة الانتقالية في المجتمعات هي مخاض صعب لا سيما انها تدمر الكثير من التطورات والعلاقات الاجتماعية.

إلا ان العملية كلها تحتاج الى الدولة والمجتمع معا من أجل الخروج بأقل الخسائر وغالبا ما تكون ناضجة في المجتمعات التاريخية لانها تتعامل مع الحدث والمتغيرات من خلال العقل النقدي والنظرة الموضوعية والافكار الحرة.

ان خلاص المجتمعات الحرة يأتي من داخلها وهذا هو فعل الحرية حيث تخلق بدائل ولا تتوقف امام المعضلات والازمات التي تواجهها.ازاء ذلك نرى المجتمعات التقليدية في مراحل التحول والازمة، ترنو الابصار باتجاه المخلص أو المنقذ من خارج التاريخ في حين ان الخلاص هو مؤسساتي وليس فرديا.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح-22-5-2006