نـحو انـتاج ثـقافة وطـنية مشتركة ـ جـامعة

 

محمد عبد الجبار الشبوط 

 

 

1ـ المشهد

تسير عملية اعادة البناء في العراق، بعد ان تهدم كل شيء بسبب الدكتاتورية،والاحتلال، وغياب الثقافة الوطنية الجامعة، على ثلاثة محاور هي: اولا ـ محورالبناء السياسي الذي يستهدف بناء الدولة والنظام السياسي بما فيه الدولة.

وهذا مايجري العمل فيه بموجب الجدول الزمني المعروف للعملية السياسية. وقد انجزت عدة خطوات في هذا السبيل كان آخرها الانتخابات النيابية.

ثانيا ـ الملف الامني ومكافحة الارهاب، الذي يستهدف استعادة هيبة الدولة وتوفير الامن للمواطنين،  حيث لا عيش بلا امن، والقضاء على مجموعات الارهاب المسلحةالمؤلفة اساسا من التكفيريين، والصداميين، وعصابات النهب والسرقة.

ثالثا ـ ملف الاعمار بمعناه المادي، والذي يستهدف بشكل اساسي اعادة بناء البنية التحتية للبلد، من الناحية الخدمية والصحية والتربوية والاقتصادية، وهي  بنية متهرئة قديمة ومتخلفة، كون النظام السابق خاصة في سنوات التسعينيات لم يتوجه الى تحديثها وتطويرها بعد ان انكفأت دولته الى ذاتها العصبوية والعشائرية ولم تعد تأبه للقيام بواجباتها ازاء الوطن والمواطن. غير ان عملية اعادة البناء هذه تواجه خطرين كبيرين يحدان من قدرتها على الانجاز والتقدم،وهما:

اولا ـ خطر الفساد الاداري والمالي الموروث بعضه من ايام النظام السابق والمولود بعضه الاخر بعد الحرب  والذي ادى، من الناحية المالية، الى نهب ثروات العراق بصورة منظمة ما جعل الدولة تقف الان على حافة الافلاس الشامل، الذي ادى من الناحية الادارية الى تسفيه معنى الدولة والحكومة وتحويلها الى ساحة للتسابق بل التكالب على تبوؤ المناصب واحتلال المواقع على اسس عائلية او حزبية او شخصية، ما ادى ايضا على اهداف مبدأ المواطنة الصالحة، والكفاءة، وتفشي الترهل الاداري وسوء التنظيم والوساطة والمحسوبية والرشاوى.

ثانيا، غياب النسق الثقافي الوطني الجامع والمشترك الذي يعيد اللحمة الى المجتمع وينتج المواطن الصالح الفعال القادر اخلاقيا وعمليا على القيام بواجباته في عملية اعادة البناء وحماية المجتمع والدولة من الاخطار والاخطاء التي تواجههما.

عن الخطر الثاني تتحدث مقالتنا، حيث تقدم دعوى مفادها:

 اولا ـ  ان عملية البناء، في ملفاتها الثلاثة المذكورة فيما سبق، يجب ان تتم في اطار نسق ثقافي جامع ومشترك يشكل الثقافة الوطنية العامة التي تصنع او تساهم في صنع السلوك السوي للمواطن العراقي، في اي موقع كان، بدءاَ من مواقع المسؤولية العليا وانتهاء باخر مواطن يقوم بدور ما في الهرم الاجتماعي.

 وثانيا ـ ان عملية البناء الجارية الان تتم بعيدا عن مثل هذه الثقافة وخارجها اطارها ومناخها، الامر الذي يعرقل الكثير من مساراتها ويجهض انتاجها ويعيق تطورها وتقدمها، ويجعل الازمة العراقية الراهنة، ذات التمظهرات السياسية والامنية، ازمة ثقافية في جوهرها وحقيقتها وطابعها العام، ما يعني ان الحل الشامل يجب ان ينطلق من رؤية ثقافية وطنية للقضية الاجتماعية والسياسية والامنية والاقتصادية.

واخيرا تزعم هذه الدعوى اننا لم نرث من النظام السابق ثقافة وطنية مشتركة وعامة، حيث ان ثقافة القمع التي اعتمدها كانت تحول بالضرورة دون انتاج ثقافة وطنية مشتركة وعامة وتطويرها باتجاه ان تكون اطارا عاما لكل الانساق الفرعية الاخرى للفعل الانتاجي المجتمعي.

2ـ ثقافة القمع

سوف استميح القارئ المطلع عذرا انني سوف اتحدث قليلا عما يعرفه عن ثقافة القمع.

 ثقافة القمع لا تصنع ثقافة وطنية  مشتركة وعامة. بل ان ثقافة القمع التي سادت على مدى ثلاثة عقود ونصف تحت حكم  حزب البعث نجحت في اجهاض نمو وانتاج ثقافة وطنية عراقية عامة. اولا، انا استخدم مصطلح "ثقافة القمع" استخداما مجازيا، لأنني لا اعتقد ان للقمع ثقافة بالمعنى الايجابي للكلمة، ولكني اقصد بالكلمة "المحددات" التي تصنع سلوك النظام القمعي المستبد والتي من الممكن تشخيصها بالنسبة للنظام الصدامي القمعي المقبور بما يلي :

1. مفهوم القائد الضرورة، الملهم، الذي يمارس دور النبي المعلم لكل شيء، ويتقمص شخصية الدولة ومؤسساتها، ويتعامل مع الشعب كرعية وليس كمواطنين. ومشكلة "نبينا المعلم" انه كان جاهلا واميا ومتخلفا بالمعنى الحضاري العام، وغير قادر بالتالي على الهام ثقافة قادرة على توليف مفردات المجتمع باتجاه فعل متقدم.

2. مفهوم الحزب القائد الذي يحتكر السلطة و يتناقض جوهريا مع المفاهيم الديمقراطية التي تتضمن التعددية الحزبية وتداول السلطة سلميا، وهذه من المفاهيم المحرمة في ظل ثقافة القمع، حيث يتماهى الحزب مع الدولة، ويتحول الى جهاز قمعي استخباري. ومشكلة هذا الحزب انه حزب عصبوي يفتقد الى ابسط مقومات انتاج ثقافة عصرية قادرة على بناء دولة صالحة.

3. مفهوم العنصرية الشوفينية الذي يستبطن التعالي على الاخرين.

4. اخيرا، مفهوم استخدام العنف= القمع كوسيلة مثلى وربما وحيدة لحكم المجتمع وادارة الدولة.

الثقافة القمعية بالعناصر السابقة غير قادرة على انتاج ثقافة مجتمعية وطنية مشتركة، لسبب يبدو بديهيا وبسيطا وهو ان انتاج الثقافة الوطنية بوصفها اسسا جدلية متواصلة بين الثقافات الفرعية والذات المجتمعية الكلية،  يتطلب مناخا قيميا وحياتيا لا توفره الثقافة القمعية. تتطلب هذه الجدلية الابداعية الثقافية حرية فكرية-سياسية شاملة، تكون ضامنة للحركة الفكرية، واستعدادا للاعتراف بالاخر والتعايش معه، واقرارا بالتعددية بمختلف اشكالها، بوصفها شرط انتاج الديمقراطية الضرورية هي الاخرى بالنسبة لهذه الجدلية، ونبذا للعنف بمختلف اشكاله واساليبه وآلياته، واخيرا احتراما جادا للانسان وحقوقه ومكانته الحضارية والقيمية واعتباره موضوعا للحركة الابداعية وهدفا لها. يتطلب انتاج الثقافة الوطنية حراكا فكريا متواصلا لا يحده سقف اعلى، فيما ثقافة القمع تعتبر القبول بالدكتاتور شرط هذا الحراك الفكري وسقفه ومحوره، وتعتبر تجاوزه والخروج عليه ومعارضته تجديفا وانحرافا بل خيانة عظمى سوف يحاسب عليها قانون العقوبات الذي لا يعرف عقوبة غير التصفية الجسدية والفكرية للمعارض او لمنتج الثقافة المخالفة.

والثقافة القمعية اعجز من ان توفر كل هذه الشروط، انها لا تسمح للمجتمع ان يرى اكثر مما ترى هي، وهي لسوء الحظ قصيرة النظر متخلفة العقل معوقة الذهن.

ولهذا لم تستطع الثقافة القمعية للنظام السابق ان تنتج ثقافة وطنية شاملة تجمع العراقيين حولها وعلى اساسها وتمنحهم هويتهم الثقافية  العاملة بابعادها الوطنية المشتركة والتي تتفاعل ايجابيا مع ثقافاتهم الفرعية المعاشة، ولا هي سمحت بتوفير الشروط الموضوعية التي تمكن المجتمع من انتاج ثقافته الوطنية المشتركة.

وهذا هو جوهر ازمتنا الراهنة، اننا مجتمع بدون ثقافة وطنية مشتركة.

ولهذا وجدنا ان مكونات هذا المجتمع الذي  غابت عنه الثقافة الوطنية الشاملة لثلاثة عقود ونصف ارتدت الى ثقافاتها الفرعية قبل ان تتمكن من اعادة انتاج ثقافة وطنية تستأنف بها عراقيتها، التي صادرتها الثقافة القمعية السابقة.

احدى اهم مشكلاتنا الراهنة اننا ورثنا مجتمعا بدون ثقافة وطنية شاملة تحتضن الثقافات الفرعية وتتجاوزها وتمزج بينها ، و تكون مصدر الهام لأنتاج المواطن الفعال، وتكون قاعدة لبناء مجتمع مدني قوي، واخيرا بناء دولة عصرية ديمقراطية.

3ـ الثقافة الوطنية المشتركة

نحن بحاجة الى ثقافة وطنية شاملة تكون قاعدة للخروج من الازمة السياسية التي تعاني منها الدولة العراقية الوليدة بسبب غلبة الثقافات الفرعية وغياب ثقافة وطنية شاملة تجمع في اطارها وتحت مظلتها التكوينات الاجتماعية المتعددة التي ارتدت الى ثقافاتها الفرعية كاجراء فطري لحماية ذواتها الاجتماعية بسبب الاحتلال وغياب الدولة والانفلات الامني والانهيار الاخلاقي والقيمي.

في اغلب المجتمعات نوعان، او لنقل مستويين من الثقافة، هما: الثقافة الوطنية الشاملة، والثقافات الفرعية الخاصة. يشترك جميع او اغلب ابناء المجتمع في مجال الثقافة الوطنية الشاملة، وهي الثقافة التي تشكل احد عناصر الشخصية العامة لذلك المجتمع، وبها يتميز عن غيره من المجتمعات، وتدخل في هذه الثقافة اللغة المشتركة والتاريخ المشترك والعادات الاجتماعية العامة والمؤثرات المشتركة للسلوك. اما الثقافات الفرعية فهي الثقافات الخاصة بالمنظومات الفرعية للمجتمع، سواء كانت منظومات موروثة كالتكوينات القومية او المذهبية اوالدينية التاريخية الموروثة، او التكوينات الحديثة النشوء. وتدخل في مكونات الثقافة الفرعية اللغات المحلية، و الرموز الدينية التي تنفرد بها المنظومات الفرعية وغير ذلك.

تقوم الثقافة الوطنية بعد ان يتوفر مناخ الحرية والامن، بانجاز جدلية تاريخية متواصلة بين المكون الوطني العام، المستند الى فكرة الوطن الواحد والمواطنة الصالحة والتاريخ المشترك والمصلحة المتبادلة، وبين الثقافات الفرعية دون ان يعني ذلك الغاء هذه الاخيرة ومصادرتها او افراغها من خصوصيتها، وصولا الى المشترك العام الذي تقوم اساسه الدولة، وتتقاسم في ضوئه السلطات بما في ذلك السلطات الثقافية، ويبنى بموجبه مفهوم المواطنة الصالحة والفعالة والكفوءة، التي ستكون بناء عليه وحدة بناء المجتمع ووحدة قياس الصلاحية. ويكون نجاح الثقافة الوطنية المشتركة في هذه الجدلية الاولى، مقدمة واساسا لنجاحها في الجدليات اللاحقة اعني جدلية الفرد والمواطن، وجدلية المواطن والمجتمع والدولة، وجدلية الذات المجتمعية والموضوعات الخارجية، وجدلية الماضي والحاضر والمستقبل، واخيرا جدلية التنمية والديقراطية.

اعتقد ان انتاج الثقافة الوطنية بهذه المواصفات هو من مجالات عمل المجتمع المدني والاهلي وليس الحكومة، لأن الثقافة في الاخير هي ترميز لمجمل الذات المجتمعية وليست من اختصاصات الحكومة.

ولكن في المرحلة الانتقالية التي يمر بها مجتمعنا، حيث تسود الثقافات الفرعية ونعاني من سيولة سياسية كبيرة، فانه من الممكن ان تقوم وزارة الثقافة بدور الراعي لولادة ثقافة وطنية جديدة، تقوم على اساس التفاعل الايجابي بين الاصالة والحداثة، وصولا الى خلق تراكمية ثقافية واجتماعية قادرة على بناء الديمقراطية وانجاز التنمية في ظل دولة مؤسسات حديثة ومجمتع صالح يتقوم بشبكة علاقات طوعية يقيمها مواطنون فعالون.

مع التحذير بان الرعوية الثقافية لوزارة الثقافة لا يعني تحويل المثقفين خاصة، وهم منتجو الثقافة والافكار، الى رعايا لها، او موظفين عندها، لأن حريتهم واستقلاليتهم، هي شرط قدرتهم على انتاج الثقافة الوطنية المشتركة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح-21-5-2006