صراع الدوائر الانتخابية

 

د. علي الطراح 

 

 

تعودت الساحة الكويتية على النقاش, وتعودنا في الكويت على الأجواء الساخنة حتى في أيام الشتاء، ولا يبدو في الأفق أننا نملك الخروج من أزمات الديمقراطية، فالمواطن تعود على الأجواء الساخنة واعتاد على مناقشة اجتماعات مجلس الوزراء السرية.

موضوع الدوائر الانتخابية أضحى حديث الصغار قبل الكبار، وانقسمت الكويت بين من يريد الدوائر الخمس أو العشر وبين من يريد الأوضاع أن تستمر كما هي عليه. وطبعاً وقفت الحكومة كعادتها موقف اللامبالي وكأن الأمر لا يعنيها، ما يعرض البلاد لأزمات سياسة خانقة.

ولكي يعرف القارئ موضوع الدوائر الانتخابية الذي شغل الساحة الكويتية, فقد أصدرت الحكومة مرسوماً أميرياً في عام 1981 بتقسيم الكويت إلى خمس وعشرين دائرة، بعدما كانت عشر دوائر. طبعاً لم يكن التقسيم متماشياً مع دستور البلاد بل جاء المرسوم في فترة حل مجلس الأمة وجاء وفق رؤية اجتماعية للتقسيمات القبلية والطائفية، وقد ترتب على ذلك سقوط كثير من أعضاء مجلس الأمة من المحسوبين على التيارات الوطنية أو المعارضة ووصول من هم محسوبون على الحكومة مما أضعف المجلس وتحول بفعلهم إلى مجلس خدمات وتنفع.

لا أعتقد أن الأزمة سياسية, بل هي أزمة اجتماعية بالدرجة الأولى, حيث نجد أهل المدينة تقلص عددهم أمام تزايد أبناء القبائل الذين يجدون أنفسهم بعيدين عن مواقع النفوذ والقوة في المجتمع، وهم يشكلون الغالبية، مما أدى إلى زيادة حدة الانقسام في ظل غياب التنشئة المبنية على مفهوم المواطنة.

دوائر في السلطة أو محسوبة عليها وجدت في حالة الانقسام قوتها وسارعت إلى تغذية التجزئة التي يدفع ثمنها الجميع، ولم تلتفت لصوت العقل وآثرت المصلحة الآنية على المصلحة الوطنية. تفاقم حدة الانقسام لن يخدم مصلحة الكويت في ظل الأوضاع الإقليمية المحيطة التي لا تنبئ بخير.

المنادون بالدوائر الخمس يرون في ذلك طريقاً نحو القضاء على الفساد الذي استشرى في الآونة الأخيرة، والرافضون للمشروع يجدون في التعديل تقليصاً لمصالحهم، بل ربما نهاية حياتهم البرلمانية. الصراع الدائر في الساحة الكويتية لن ينتهي إلا بحل مجلس الأمة أو الحكومة، ويبدو أن حدة الصعيد وصلت إلى نقطة اللاعودة، خصوصاً بعد تلويح النائب أحمد السعدون باستجواب رئيس الحكومة.

وبصرف النظر عن إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية، هناك ما يعتبره البعض إجماعاً على تردي الأوضاع وعلى حالة استرخاء تعيشها البلاد، مما يعرض الكويت لأزمة قد تكون خانقة ويدفع ثمنها الجميع. مجلس الأمة لم يعد المجلس الذي عرفناه بل تحول إلى أكبر مصدر لتعطيل مشاريع حيوية تهم المواطن. وقد لا نبالغ إذا ما وصفنا مجلس الأمة بأنه جهة تساهم في تفشى الفساد، مما أثار نقمة المواطنين ودفع البعض إلى المطالبة بتعطيل البرلمان الكويتي.

لا خلاف على أن السلطة التنفيذية مشتركة في المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع، إلا إن السلطة التشريعية بتكوينها الحالي، تمثل حاجزاً في بلد لم يحسم خياره الديمقراطي بعد. فالصراع المكشوف ضد الديمقراطية من قبل بعض الدوائر التنفيذية معروف, وتفريغ الديمقراطية من محتواها عملية مستمرة, والواقع أننا نقتطف أسوأ ثمارها؛ فالسلطة التنفيذية ليست نتاج العملية الانتخابية، كما في الديمقراطيات الغربية, ونائب الأمة نائب طائفي أو قبلي أو فئوي, ليس لأن ذلك هو التمثيل الوطني الأفضل, ولكنه التفتيت الذي يسهل عملية التأثير في نتائج الانتخابات، حتى ولو كان ذلك على حساب أمن البلد الوطني ومستقبله. وتدريجياً يتحول مشروع مجلس الأمة إلى مجموعة متزايدة من نوابه ممن يصلون بشراء الأصوات وبدعم من أصحاب النفوذ الاقتصادي الذين لا يرون في الكويت سوى مصالحهم الآنية، وبذلك يتحول الإصلاح إلى سراب تكثر رؤية أطيافه ولكن الإمساك به شبه مستحيل!

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-18-5-2006