بدائل دعم الديموقراطية مخيفة 

 

مادلين أولبرايت

 

 

أثارت الأحداث الأخيرة في العراق والشرق الأوسط عاصفة جديدة من الجدال الأكاديمي بين من يعرفون بالواقعيين والمثاليين في السياسة الخارجية الأميركية. فالواقعيون من كلا الحزبين الجمهوري والديموقراطي على التباين الحاصل بينهما يعتقدون أن إدارة بوش كانت ساذجة في محاولتها نشر الديموقراطية في الدول العربية ، ويستشهدون بما يجري من عنف في العراق والمكاسب التي حققها الإسلاميون في الانتخابات البرلمانية الأخيرة في مصر وكذا فوز حكومة حماس في الانتخابات الفلسطينية.

ويرى هؤلاء أن نشر الديموقراطية في الشرق الأوسط لن يقلل بحال من انتشار الإرهاب كما تنبأ بوش بل على العكس سوف يزيد الموقف اشتعالا.وقد اعتاد السياسيون والمراقبون أن ينأوا بأنفسهم بعيدا عن المسؤولين الذين يقفون وراء كبوات السياسة الخارجية. وأكثر ما أخشاه أن تكون رؤية التوجه الجديد أن نشر الديموقراطية في الشرق الأوسط عمل خاطئ ، وهي ليست كذلك.

وعلينا أن نتذكر أن بدائل دعم الديموقراطية هي التورط في مساندة أنظمة تفتقد التأييد الشعبي. وهذا التوجه يخلط ما بين تحقيق الاستقرار والواقع كما أنه يغرر بدعاة الديموقراطية العرب ويشتم منه رائحة التآمر.فالولايات المتحدة لا يسعها أن تزيد سمعتها المتردية سوءا أو أن تنال من مكانتها في زعامة العالم بتخليها عن أخص ما يميزها عن أطراف أخرى مثل الصين أو روسيا.وفي الوقت نفسه يجب ان نضع حدودا لتوقعاتنا المرجوة وراء ذلك. فقد قال بوش في السابق أن دعوات من وراء النجوم تأتيه لنشر الحرية في ربوع العالم. كما أن وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس تقول ان التحول الديموقراطي في الشرق الأوسط هو الطريق الوحيد لضمان عدم تكرار تفجير الطائرات في المباني. والواقع فإن مثل تلك الدعوى لا تعدوا كونها مجرد كلام أجوف. وتماما كما ان إنكار الحرية السياسية هو شئ سيئ فذلك لا يعني بالضرورة أن وجود الحرية سوف يكون ميزة لصالحنا. فالديموقراطية هي إحدى صور الحكم وهي ليست بطاقة مرور إلى مدينة فاضلة ينحسر عنها كل الشرور ويتفق جميع من فيها معنا على طول الخط.فإذا ما تطورت الديمقراطية في العالم العربي فسوف يكون ذلك لصالح تطلعات الشعوب العربية مستندا على المفاهيم الخاصة لتلك الشعوب حول التاريخ والعدل. فالحق في الإدلاء بالصوت الانتخابي وتولي المناصب المختلفة لا يعني تلطيف التوجهات العربية نحو إسرائيل او إنهاء أي عنف محتمل كما أن الديموقراطية لم تحل دون تكوين الخلايا الإرهابية في الغرب.وعلى أية حال فالديموقراطية يجب ان تفتح آفاقا أرحب للمناقشة والجدال داخل الدول العربية. وعلى الرغم من تخوف البعض من ذلك ، يجب أن ترحب أميركا به. وإذا ما أخفقنا في إعطاء حرية التعبير ما تستحقه من تقدير فإننا بذلك ننسى تاريخنا.والحقيقة ان الواقعيين معهم الحق في التحسر على غزو العراق ، غير أن تلك العملية المضللة لا يمكن أن تلقي بلائمتها على نشر الديموقراطية. فهدف الغزو كان الكشف على أسلحة دمار شامل لم تكن موجودة في الأصل إلى جانب قطع العلاقة المتوهمة بين صدام حسين والقاعدة. والفشل كان من نصيب القيادة والاستخبارات وليس من الإفراط في الالتزام بالديموقراطية.ففي مصر استطاع النواب المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين المحظورة تحقيق نجاحا ساحقا في الانتخابات التشريعية العام الماضي. وجاء الرد من قبل الحكومة في فرض قيود أكبر ضد المعارضة الدينية والعلمانية على السواء. ويبدو أن الرئيس مبارك عاقد العزم على توريث السلطة لنجله. فإذا ما كانت اميركا تقدر حقيقة وقوفها إلى جانب الشعب المصري - ويجب أن تكون كذلك - فعليها ان تواصل دعمها لعملية الإصلاح الديموقراطي .وبالنسبة للفلسطينيين فالانتخابات لم تصنع حماس ولكن الناخبين أعطوا أصواتهم لتلك المجموعة ( الإرهابية ) لأن الحكومة الفلسطينية السابقة لم تقم بدورها المرجو. اما الآن وبعد أن انتخبت حماس فقد أصبح أداؤها على المحك كما لم يحدث من قبل، وهذا من شأنه أن يخلق ضغوطا على المنظمة وان تحجم عن العنف وأن تتبنى كذلك سياسات معتدلة نحو إسرائيل. فالديموقراطية لم تصنع حماس بيد أنها قد تؤدي إما إلى تغيير حماس او إلى فشلها. وفي كلتا الحالتين ستكون النتيجة تحسين الوضع الراهن.وقد جاء وقت التطلع إلى القيادة التالية التي ستعقب إدارة بوش. فقادتنا الجدد من أي حزب كانوا سيواجهون تحديات خطيرة بما في ذلك إعادة تعريف الموقف الأميركي على الصعيد العالمي. ومن المؤكد ان جدول عملهم سيتضمن تحقيق الفوز في معركة الأفكار - كما كان يتوجب علينا فعله قبل وقت طويل - ضد أسامة بن لادن وأبي مصعب الزرقاوي وكبح جماح الانتشار النووي وإدارة سياسة الطاقة بطريقة أكثر وعيا واستعادة سمعة أميركا كمساعدة ومؤيدة للقانون الدولي وحقوق الإنسان. وفي مقدمة أولويات القيادة القادمة يجب أن يأتي إعادة التأكيد على التزام أميركا بالحرية واحترام كرامة جميع أفراد الجنس البشري ، فبدون ذلك الالتزام سيذهب كل ما عداه سدى.

وزيرة الخارجية الاميركية في ولاية كلينتون ورئيسة معهد الديموقراطية الوطني

و كل ذلك بحسب راي مادلين أولبرايت في المصدر المذكور .

المصدر : ICAWS - خدمة واشنطن بوست خاص بالوطن – 16-5-2006