نموذج مصري جديد للحوار السياسي

 

 

د. إبراهيم البحراوي

 

 

في خضم الجدل السياسي العلني والمفتوح بين مختلف الجبهات السياسية المصرية، ظهر فجأة نموذج جديد للحوار السياسي بين فرقاء يمثلون معظم القوى العاملة على الساحة الداخلية. فلقد كشف النقاب عن أن حواراً جرى بشكل سري في الثاني من شهر مايو الحالي بين قيادات عليا من الحزب الوطني الحاكم، مثلها د. محمود محفوظ وزير الصحة السابق ود. حسام بدراوي عضو الأمانة العامة للحزب، وبين قيادات من "الإخوان المسلمين"،، وبين التيار الإسلامي العام ومثله الشيخ عبدالهادي القيادي بالجمعيات الشرعية. لم يقتصر الحوار على هذه التيارات بل شمل أيضاً جورج إسحاق المنسق العام لحركة" كفاية" والدكتور إجلال رأفت عضو الهيئة العليا لحزب "الوفد" وعدداً من ممثلي رجال الأعمال والكتَّاب المستقلين.

في تقديري أن هذا النموذج الجديد للحوار يمثل محاولة إيجابية لمدّ الجسور بين القوى المصرية، وإحداث حالة انفراج تقوم على التوافق الوطني حول القضايا الرئيسية التي تشغل المصريين، وفي مقدمتها قضايا الإصلاح السياسي والاقتصادي ومعالجة أسباب الفتنة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين ومواجهة ظاهرة الإرهاب وعلاج مشكلة الفقر والبطالة. إن مشاركة اثنين من قيادات الحزب الوطني الحاكم المنتمين للتيار الإصلاحي والمنفتحين على كافة التيارات السياسية، هي في رأيي مشاركة ذات دلالة على حرص التيار الإصلاحي في الحزب الحاكم على مبدأ المشاركة السياسية الفعالة واستطلاع وجهات نظر القوى المتعددة في الساحة السياسية في كيفية تفعيل برنامج الرئيس الإصلاحي الشامل. وشهدت الساحة المصرية اجتماعات عديدة ضمت القوى المعارضة دون مشاركة من الحزب الحاكم خلال العام الماضي والشهور المنصرمة من العام الحالي، في الوقت الذي كانت فيه لجان أمانة السياسات بالحزب الوطني الحاكم تواصل اجتماعاتها على حدة لطرْق موضوعات الإصلاح ذاتها التي تناقشها اجتماعات المعارضة.

كان مشهد الحوار الإصلاحي من قبل منقسماً إذن إلى خطين متوازيين، أحدهما في اجتماعات الحزب الوطني والثاني في اجتماعات المعارضة، وبالتالي فإن الحوار الجديد يقدم حالة جديدة من التلاقي بين الخطين. لقد دعا إلى هذا الحوار الجديد وقام بدور المنسق بشأنه الدكتور عزيز صدقي رئيس "الجبهة الوطنية للتغيير"، وهي جبهة تضم مفكرين وممثلي مجموعات يشاركون بصفتهم الشخصية، وهو رئيس وزراء مصر الأسبق ووزير الصناعة في عهد الرئيس جمال عبدالناصر.

وبقدر ما كان دور الداعي والمنسق إيجابياً في لمِّ الشمل وعقد الاجتماع، بقدر ما أظهر سلوكه مشكلة كبرى كامنة في أنماط السلوك السائدة بين النخب المثقفة الداعية للإصلاح، ذلك أنه تبيَّن حسب التقارير الواردة عن الاجتماع، وفي مقدمتها تقرير صحيفة "المصري اليوم" أن أزمة قد حدثت في بداية الاجتماع. فلقد افتتح الدكتور عزيز صدقي الاجتماع وطالت كلمته الافتتاحية حتى استغرقت ساعة ونصف تقريباً من زمن الاجتماع المقرر وهو ساعتان، وعندما حاول منسق الجلسة سمير عليش أن يطلب من الدكتور صدقي إنهاء كلمته لإعطاء الفرصة لسائر المتحدثين، انفجر الدكتور غاضباً ومحتجاً على مطالبته بإنهاء الكلمة، مؤكداً أنه أكثر الناس إحساساً بنبض الشارع وأكثرهم قدرة على التعبير عنه.

وتفيد تقارير بعض الحاضرين أن الدكتور صدقي قد انصرف من الاجتماع تعبيراً عن غضبه رغم أنه الداعي للحوار، ورغم أن الاجتماع قد تواصل فإن هذا النمط من التصرف والرغبة في احتكار الكلام من البعض، وعدم الاستعداد للاستماع للآخرين بادعاء الحكمة والمعرفة، يتطلب في تقديري مراجعة ذاتية، خاصة أنه يمثل نمطاً شائعاً بين المثقفين يحول الحوار إلى إملاءات وحوار طرشان.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر : الإتحاد الإماراتية-15-5-2006