الدوائر الانتخابية

 

صالح عاشور

 

 

ان تعديل الدوائر الانتخابية او التقسيمة الجغرافية للمناطق الانتخابية يدخل في صلب العملية الانتخابية في الدول الديموقراطية ولذلك يهتم به جميع المعنيين بالعملية السياسية من حكومات وأحزاب وتنظيمات سياسية وأفراد بالاضافة الى الاعلام لأن الجميع سوف يتعاملون مع مخرجات ونتائج هذه التعديلات على المناطق الانتخابية والكل يسعى الى ان يصب في النهاية التعديل لصالحه ومن هنا نرى بوضوح المقترحات المتعددة للدوائر بين الدائرة الواحدة والخمس والعشر والبقاء على الخمس والعشرين والثلاثين دائرة بل هناك اكثر من مقترح في كل تقسيمة من هذه التقسيمات المتنوعة.

وترجع فكرة تعديل الدوائر الانتخابية الى «جيري ماند» الأمريكي حاكم ولاية مانشيو ستس في عام 1812م الذي استطاع من خلال تعديله فوز تحالف الديموقراطيين والجمهوريين الذين حصلوا على 164.50 وضمنوا 297 مقعدا على الفيدراليين الذين حصلوا 766.51 صوتا وحصلوا على 110 مقاعد فقط ومن ثم سمي التعديل باسم تعديل «جيري ماند» واستخدمه كذلك اللوبي الصهيوني عام 1992 في ولاية الاباما لضمان فوز مرشحهم «نارشرد» المؤيد لاسرائيل على «اريل هيلارد» المؤيد والمتعاطف مع العرب واستخدم الرئيس الفرنسي ديغول تعديل الدوائر الانتخابية لصالحه عام 1958 لضمان فوز المحافظين ولكن تدخل القضاء الدستوري الفرنسي وأصدر حكما بأنه لا يجوز الفرق بين دائرة واخرى اكثر من %20 من عدد الناخبين في كل دائرة انتخابية.

اما في الكويت فقد ادخل التعديل على الدوائر الانتخابية في الكويت عام 1980 في غياب مجلس الامة وتم تقسيم الكويت الى 25 دائرة انتخابية بدلا من عشر دوائر انتخابية المعمول به منذ عام 1963 الى عام 1975 وذلك من اجل عدم وصول قوى المعارضة السياسية المعروفة ولأسباب اخرى.

وكذلك قامت البحرين عام 2002 بتعديل المناطق الانتخابية واعادة توزيعها حتى تحد من قوة المعارضة وتخفض عددها بالبرلمان وهذا ما حدث.

وتأتي المطالبة بتعديل الدوائر الانتخابية اليوم في الكويت نتيجة فشل وصول رموز معينة محسوبة على تيارات سياسية في انتخابات عام 2003 وخوف آخرين من عدم الوصول في انتخابات 2007 وزيادة نجاح المرشحين المستقلين وبالتالي استمرار الوضع الحالي ليس لصالح التيارات السياسية الحالية.

وبالاضافة الى اعتقاد البعض بأن تعديل الدوائر خطوة الى الامام للقضاء على الفساد وعلى سلبيات العملية الانتخابية مثل الانتخابات الفرعية وشراء الاصوات والطائفية والقبلية والعائلية، علما بأن كل هذه المسببات كانت موجودة مع العشر دوائر السابقة ومع العشر الحالية في انتخابات المجلس البلدي.

وأوضح اليوم ان الجميع مع التعديل ولكن مع التعديل الذي يصب في النهاية لصالحه، ولذلك وحتى لا يتم الاعتراض على اي تعديل قادم يجب ان يراعي المواد 7، 8، 29 من الدستور والتي تنص على العدل والمساواة ومبدأ تكافؤ الفرص وعدم التمييز بين المواطنين بسبب الجنس او اللغة او الدين، ولهذا لا يمكن القبول تحت اي ذريعة ان يكون الفرق بين دائرة واخرى اكثر من %30 بحجة النسيج الاجتماعي وتجاوز الكثافة السكانية، علما بأن النسيج الاجتماعي الحقيقي في الكويت هو ما نشاهده في المناطق الاسكانية الجديدة في القيروان وعبدالله المبارك وشرق الصليبيخات وكذلك في المناطق القادمة مثل جابر الاحمد وسعد العبدالله حيث انها ستضم من ابناء الكويت كافة ومن جميع الشرائح حضر وبدو ومن المناطق الداخلية والخارجية ومن الشيعة والسنة.

واعتقد ان افضل حل لموضوع الدوائر هو ان نتجاوز قضية التقسيمة الجغرافية ونفكر في حل اخر يهدف للقضاء على معظم السلبيات وفي الوقت نفسه نطور العملية الانتخابية من خلال الانتخابات النسبية والتي تجري في معظم دول العالم على اساس القوائم والترشيح الفردي، وذلك من خلال تقسيم عدد الناخبين المصوتين على عدد المقاعد ومن يحصل على هذا الناتج يكون عضوا في البرلمان ويمثل الشعب الكويتي، وتساعد هذه الطريقة المرأة الكويتية لضمان دخولها البرلمان اذا حصلت القائمة المشاركة فيها على مضاعفات الناتج وخصوصا اذا كان وضعها في الاسماء المتقدمة.

والأهم في هذه العملية ان الناخبين سوف يصوتون للقائمة وليس للاشخاص وبالتالي على القائمة سواء كانت «وطنية او اسلامية او مستقلة او ليبرالية» ان تجعل لنفسها برنامجا انتخابيا واضحا يهدف الى التنمية الحقيقية وتحقيق مشاريع منتجة بالاضافة الى القضاء على الفساد وسلبيات الانتخابات الحالية.

ومن هنا نكون قد تجاوزنا معركة الدوائر الانتخابية ومشكلة نقل الاصوات وشراء الذمم والانتخابات الفرعية، ومن خلال اسلوب جديد للانتخابات يعتمد على التمثيل النسبي من خلال تجارب ناجحة في دول ديموقراطية متعددة.

فهل نخطو هذه الخطوة الجريئة من اجل الكويت ومستقبل الاجيال القادمة؟

أتمنى ذلك ولو أني أشك في تحقيق هذه الأمنية.

المصدر: الوطن الكويتية-14-5-2006