بوادر حكومة انقاذ وطني في العراق

  

عباس الامامي

 

بعد أن تخطى الشعب العراقي كل الصعوبات بعد سقوط النظام البعثي في 9/4/2003 وأنجز عمليتي انتخابات واستفتاء للدستور(الذي بحاجة الى إعادة نظر في بعض مواده القابلة لتأزيم أوضاع البلاد في اي وقت من الزمان) ليصل به الأمر الى تشكيل حكومة منتخبة دائمية بالمعنى الدستوري لتتمكن هذه الحكومة من حل الكثير من المشاكل العالقة في البلاد من مختلف نواحيها، وليهنأ الشعب والبلاد بنوع من الاستقرار والأمن والخدمات ودعم مسيرة البناء والانتاج وتقليل البطالة ولتأخذ البلاد طريق الازدهار والتقدم والنمو.

وإن الشعب العراقي آمن واشترك بسرعة مذهلة بالعملية الديمقراطية لأنه كان متعطشا لها لما مرّ من ظروف قاسية بحكومات وأنظمة دكتاتورية فردية وفاشية لعقود من الزمن.

ولكن ما إن إشترك هذا الشعب الجريح في الانتخابات وأعطى رأيه وانتخب ممثليه لمجلس النواب وظهرت النتائج الانتخابية أظهر البعض إمتعاضه لهذه النتائج سواء في داخل أو في خارج العراق، وحينها بدأت المحاولات السياسية بصورة سلبية تظهر على الأفق السياسي في الساحة العراقية من خلال التدخل بالشؤون الداخلية للكتلة الكبيرة الفائزة في الانتخابات لمجلس النواب.

وحينما أعلنت الكتلة الكبيرة والمؤهلة دستوريا لترشيح مرشحها لرئاسة الوزراء أظهر الجميع عدم رضائهم للمرشح المعلن ديمقراطيا بوسائل شتى منها سياسية ومنها إرهابية وكان أحدها تفجير مقام الامامين العسكريين   (عليهما السلام) في سامراء وأدّت الى أعمال عنف دموية في طول البلاد وعرضها كادت أن تقوم بحرب طائفية وأهلية كبيرة يصعب إيقافها لطول من الزمن، وفقد الكثيرون حياتهم ثمنا للعمليات الارهابية مقابل إرضاخ الكتلة الكبيرة في مجلس النواب لمطاليب الرافضين لمرشح الإئتلاف لرئاسة الوزراء.

ولحد يومنا هذا لم تجتمع الآراء على مرشح الكتلة الكبيرة في مجلس النواب لرئاسة الوزراء وكل يصرّح حسب ما تشتهيه وتملي عليه مصالحه السياسية والطائفية والقومية والحزبية والشخصية دون النظر الى مصلحة العراق كبلد جريح بحاجة الى مداواة جرحه العميق.

وبدأنا نسمع في الأفق السياسي العراقي طرحا جديدا في العملية السياسية ما سمّوه بتشكيل حكومة إنقاذ وطني.

طبعا يوم الأثنين القادم المصادف 17/4/2006 وكما أعلن في وسائل الاعلام المختلفة سيجتمع مجلس النواب للمرة الثانية إمتدادا لجلسته الأولى لإنتخاب رئاسة البرلمان ونائبيه، ورئيس الجمهورية ونائبيه، وفي هذه الحالة لا أتوقع شخصيا أن يصل مجلس النواب الى الاعلان عن الوصول الى التوافق الى مرشح رئاسة الوزراء ليكلفه رئيس الجمهورية بتشكيل الحكومة دستوريا.

في هذه الأثناء سيتم النقاش حول ضرورة تشكيل حكومة انقاذ وطني ، أو سيكلف المرشح بعد أيام لتشكيل الحكومة ولكن توضع أمامه العراقيل والصعوبات بحيث تنتهي المدة المسموحة له في تشكيل الحكومة وحينها يعلنون عن ضرورة تشكيل حكومة انقاذ وطني.

ولا نخفي سلبيات حكومة الانقاذ الوطني إن تم تشكيلها بالنقاط التالية:

تعتبر هذه الحكومة إن شكلت إنقلابا أسودا على الدستور الذي صوّت عليه أكثرية الشعب العراقي، وإن كنا لانوافق على كل ما جاء فيه وبحاجة الى تعديل ورفع المفرقعات المؤقتة من أنحائه ليبعد الوطن والشعب في المستقبل عن مشاكل وهو في غنى عنها.

2ـ تعتبر هذه الحكومة ان تم تشكيلها مخالفا لآراء أكثرية الشعب العراقي الذي تحدّى الارهاب واشترك في الانتخابات وأعطى صوته في إنتخاب من يمثله في مجلس النواب ومن يقوده الى برّ الأمان، بعد أن عاش طويلا تحت الظلم والاجحاف والاستبداد.

3 ـ الخروج على مفاهيم الديمقراطية التي دعى اليها كل القادة والسياسيين العراقيين وبلا إستثناء، فإن لم يطبقوا هذه الدعاوى التي جاؤوا بها للشعب العراقي ونادوا اليها في هذه اللحظة التي يمر بها الشعب العراقي فمتى سيطبقونها إذن؟ وإن الدعوات المعادية لتطلعات الشعب العراقي من ضرورة حكم الدكتاتورية لتطبيق الديمقراطية نوع من القفز على آراء الشعب وهدم للمبادئ الديمقراطية والحرية وإحترام رأي الأكثرية الذي تقام كل الحكومات في البلدان التي تؤمن بالديمقراطية وسيلة للوصول الى السلطة والحكم.

4 ـ عدم تقدير واحترام آراء أكثرية الشعب العراقي الذي حضر ورقص في العرس الانتخابي لإنتخاب ممثليه لمجلس النواب، ومعلوم ضرورة أن ولاية الأمة لا يمكن تجاوزها في حال من الأحوال ومن أي طرف كان، وإن تشكيل حكومة إنقاذ وطني تجاوز على هذه الولاية التي أعطاها ووهبها الله تعالى للأمة وجعل أفرادها خليفة له تعالى.

5 ـ تعقيد الأوضاع السياسية أكثر مما يلزم ان تم تشكيل حكومة الانقاذ الوطني بحيث يصعب حلّـها الى سنوات مقبلة وتنجرّ آثارها السلبية الى الأجيال القادمة من أبناء الشعب العراقي وتكون سنة سيئة في مصادرة مفاهيم الديمقراطية والحرية رأي الأمة.

6ـ وأن هذه الحكومة المسماة بحكومة انقاذ وطني المراد تشكيلها سوف لاتكون حكومة انقاذ بل حكومة إرهاق للبلد والشعب، ولسوف تجلب للبلد مشاكل معقدة من نوع جديد لاقبل  للشعب العراقي بها من قبل مطلقا، وهي نوع من إرضاخ للجماهير لتعديل آرائها في ممثليها الواقعيين، والقبول بالأمر الواقع المر والذي لابد منها حسب رأي المنادين لتشكيل حكومة الانقاذ الوطني.

7ـ وان عملية تكيل حكومة انقاذ وطني سوف تسلب مجلس النواب جميع صلاحياته المنصوص عليها في الدستور باعتباره أكبر سلطة في البلد وبيده إقرار الحكومة المنتخبة أو عزلها، ومراقبتها، فشعار حكومة انقاذ وطني لا تعني غير الرجوع الى المربع الأول في العملية السياسية، ونوع تهميش لرأي أبناء الأمة ونزع حقوقها التي منحها الله تعالى إياها، واستعباد للشعب بعنوان ولباس جديدين. 

ولحل هذه المعضلة الكبيرة التي يمر بها شعبنا ووطنا العزيزين أن يؤمن الجميع بحق الأمة في ولايتها على نفسها التي منحها ووهبها الله تعالى إياها، ويمنع منعا باتا سلب هذا الحق الالهي من الشعب العراقي، والالتزام بمفاهيم الديمقراطية التي نادوا بها جميعا أنفسهم، وأن يقبلوا بنتائج هذه العملية الديمقراطية التي إشترك فيها الجميع أيضا، بقبول مرشح الكتلة الكبيرة وإعطائه الفرصة لتشكيل حكومته ليثبت جدارته وقدرته في قيادة البلد حسب الاتفاقيات التي إتفقت الكتل الانتخابية وما أسموها بالبرنامج السياسي للكتل السياسية المؤتلفة لتشكيل الحكومة العراقية، وبعد ما شكلوا المجلس السياسي للأمن الوطني،(خروجا على الدستور الذي وضعوه هم بأنفسهم) وكل هذه المحاولات السياسية حسب ما زعموا إنها ضانات للجميع لسير العملية الديمقراطية وإدارة الحكومة بشكل سليم من دون سيطرة جهة واحدة على مواقع القرار السياسي والاقتصادي والأمني ...الخ.

وإن إعطاء الفرصة لمرشح الكتلة الكبيرة لتشكيل حكومته خطوة صحيحة نحو التقدم للأمام، وإلاّ لا يمكن أن تتوقف العملية السياسية ترواح مكانها بعد مضي مدة غير مقبولة من قبل الشعب على الانتخابات.

وتقديم العملية الديمقراطية نحو الأمام لا يقام بتشكيل حكومة تحت عنوان انقاذ وطني، (وهي كلمة حق يراد بها باطل وأن الشعب العراقي الذي قد تحرر من الاستبداد لايمكن بأي ثمن كان أن يقبل بالاستبداد من جديد بأي شكل من أشكاله مطلقا) بل بتشكيل حكومة الأكثرية وفقا لما جاء بالدستور الذي صوتت عليه الأمة، وحفاظا على الحق الالهي بولاية الأمة على نفسها وحريتها في انتخاب ممثليه وقيادته، وآراء الناخبين، واحتراما للشعب العراقي أجمع، وحفظا لآليات العمل الديمقراطي في تداول السلطة سلميا.

وكل ذلك بحسب رأي عباس الامامي في المصدر المذكور.

المصدر: البديل الديمقراطي-15-4-2006