سؤال حرج يطرحه أمير طاهري :

                                               هل يساعد الانقسام الشيعي ديمقراطية العراق الجديدة ؟

 

أمير طاهري

 

هل الائتلاف الشيعي العراقي على وشك الانهيار؟

وإذا كان الأمر على هذا النحو:

 فهل سيحبط آمال حدوث تقدم في العراق؟

هذان هما السؤالان المثيران للجدل داخل العراق وخارجه، بينما يستمر التأخر في تشكيل حكومة جديدة.

والجواب عن السؤال الأول هو بالإيجاب. فالائتلاف العراقي الموحد لا شيء سوى تحالف انتخابي، وترتيب مؤقت، هدفه مساعدة الجماعة الشيعية على ضمان أغلبية المقاعد في الجمعية الوطنية. ومع انتهاء الانتخابات فقد مبرره. وعلى الرغم من انه الكتلة الأكبر فان الائتلاف الشيعي الموحد اخفق في الحصول على ما يكفي من المقاعد ليصبح أغلبية في البرلمان الجديد.

وهذه يعني ان الائتلاف لا يستطيع ان يشكل حكومة بدون شركاء في التحالف. وذلك يعني، بالمقابل، ان الائتلاف العراقي الموحد لا يمكن أن يفرض خياره لرئيس الوزراء، أو في الواقع اعضاء اساسيين آخرين في الحكومة.

حسنا نحن نعرف الآن ان الائتلاف العراقي الموحد لن يجد شركاء في التحالف طالما انه يصر على ابراهيم الجعفري كمرشح لرئاسة الوزراء. واذا ما أصرَّ الجعفري ومؤيدوه، وخصوصا مقتدى الصدر، على ترشيحه، فان انشقاقا في الائتلاف العراقي الموحد قد يكون حتميا.

لنتحول الآن الى السؤال الثاني: ما اذا كان الانقسام الشيعي سيلحق ضررا بالآفاق الديمقراطية في العراق؟ والجواب بالنفي. على العكس من ذلك فمثل هذا الانقسام يمكن ان يعتبر طبيعيا ومنشود( !! ). وهو طبيعي لأن الفكرة الشيعية ليست مذهبا وليست آيديولوجيا سياسية. ويمكن للشيعي ان يتبنى اية آيديولوجيا سياسية من الليبرالية الى الشيوعية ( !! ) .

وبمعنى ما، فان الانقسام في الائتلاف العراقي الموحد سيكون جيدا بالنسبة للشيعة وبالنسبة للعراق ككل. وسيكون جيدا بالنسبة للشيعة لأنه يمكن أن يسمح لهم بصياغة تحالفات سياسية مع جماعات عراقية اخرى، بينما يبقون محافظين على موقعهم باعتبارهم الجماعة الأكبر داخل النظام الديمقراطي. وسيكون جيدا للعراق لأنه يمكن أن يبعد خطر الموقف السياسي الطائفي ويعزز نمو احزاب توفر طائفة من الخيارات للناخبين.

وكما نجد في الوقت الحالي فان القوى السياسية في العراق منقسمة على اساس اربع قضايا اساسية.

الأولى؛ يمكن تلخيصها تحت اسم «الفيدرالية». فبعض الأحزاب تفضل حكومة مركزية قوية مع أدنى حد ممكن من الحكم الذاتي للجماعة الكردية. ويريد آخرون نظاما فضفاضا تمنح فيه السلطة الى اقاليم مع سلطة مركزية يمارسها البرلمان بصورة أساسية.

المسألة الثانية؛ تخص النموذج الاقتصادي الذي يحتاج إليه العراق للتطور جنبا إلى جنب مع نظامه السياسي الجديد. وتأمل بعض الأحزاب أن تطور نظام ضمان اجتماعي شبيها بما ابتكرته الأحزاب الاجتماعية الديمقراطية في أوروبا، حيث تعمل الحكومة باعتبارها وكالة توزع الدخل الوطني مع اهتمام خاص بالفقراء والضعفاء. بينما هناك أحزاب أخرى تدعم نموذج الرأسمالية الليبرالية حيث المشروع الحر هو الأساس لا التخطيط المركزي يحدد شكل التطور الاقتصادي.

أما المسألة الثالثة؛ فهي دور الدين في المجتمع والعلاقة بين المؤسسة الدينية الممثلة بالدرجة الأولى بعلماء الدين شيعة وسنة وبين الدولة. فبينما تقف بعض الاحزاب موقفا علمانيا حازما وتصر على فصل المسجد عن الدولة، يفضل آخرون علاقة عضوية ما بين علماء الدين وصناع القرار السياسي. وهذه المسألة الواسعة تغطي أيضا عددا من السياسات الاجتماعية والثقافية لها علاقة بالحريات وأساليب العيش الفردية.

وأخيرا، تنقسم الأحزاب حسب تركيز كل طرف فيها على هذه الجانب أو ذاك من حيث علاقته بالهوية العراقية. فالبعض يأمل أن يكون التركيز على عروبة العراق بينما يشعر آخرون أنهم أكثر ارتياحا مع مبدأ العروقة. بينما هناك من يأمل في تجاوز العروبة والعروقة إلى ما يسميه يورغان هابرماس بـ«الوطنية المدنية»، والتي يكون المرء مواليا فيها إلى مجموعة من القيم الأساسية مثل حقوق الإنسان والديمقراطية بدلا من الدم والأرض. وإذا كان ممكنا للأحزاب السياسية العراقية لأن تنقسم وفق تلك الخطوط فإن ذلك يجري بالضبط لأنها جميعا تتفق على نقطتين جوهريتين؛ الأولى، هي وحدة العراق، والثانية هي الإيمان بأن السلطة السياسية يجب الحصول عليها عبر الانتخابات.

بل حتى الأحزاب الكردية التي تتهم بأنها تخفي أحلاما بالانفصال، أظهرت أنها مستعدة للبقاء ضمن العراق في حالة تحوله إلى نظام جمهوري ديمقراطي فيدرالي. وفي الطرف الآخر من الطيف، هناك حتى مقتدى الصدر الذي يعتبر نفسه الآن سياسيا أكثر منه زعيم مليشيا لم يرفض الانتخابات الديمقراطية باعتبارها الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الحكم. والآن دعونا نرى أي طرف سيتحالف في نهاية الأمر مع أي طرف حول هذه المسائل الأربع.

فحول الفيدرالية، قد يجد الصدر وجناح الدعوة الموالي للجعفري نفسه إلى جانب الأحزاب السنية المناصرة للقومية العربية. وقد يجد المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق نفسه أقرب إلى الأحزاب الكردية والمجاميع العربية السنية المنتمية إلى الوسط.

فيما يتعلق بالقضية الثانية، أي النموذج الاقتصادي، سيكون الجعفري والصدر أقرب الى الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة جلال طالباني والعرب السنة من البعثيين الجدد الذين يريدون ان تلعب الدولة دورا رئيسيا. اما الحزب الديمقراطي الكردستاني، بقيادة مسعود البرزاني، فسيكون اقرب الى المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق لأن كليهما يفضل ان يلعب اقتصاد السوق دورا اكبر.

وفيما يتصل بالعلاقة بين الدين والدولة، قد تتمكن الكتلة التي يقودها رئيس الوزراء السابق إياد علاوي، وهو شيعي، من العثور على محاورين في الحزبين الكرديين الرئيسيين بالإضافة الى البعثيين الجدد وسط العرب السنة. وفي نفس الوقت سيظهر المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في ايران كخيار مفضل في التأثير الديني فيما يتعلق باتخاذ القرار مقارنة بفصيلي مقتدى الصدر والجعفري.

وأخيرا، ربما يساعد كل ذلك في تعريف الحدود الآيديولوجية للأحزاب العراقية. ففيما من المحتمل ان يكون عبد العزيز الحكيم والمجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق اقرب الى معسكر العروقة، ربما يشعر الصدر وعلاوي بالارتياح ازاء معسكر العروقة.

وكما اظهرت التحليلات، فإن خطوط الاختلاف والاتفاق وسط الأحزاب السياسية ليست مرسومة بوضوح، إذ ان نفس الأحزاب ربما تجد نفسها في معسكر محدد فيما يتعلق بقضية محددة وفي المعسكر المضاد فيما يتعلق بقضية اخرى. رغم ذلك، سيتعين على الاحزاب جمعيها تحديد الجهة التي تأتلف معها. لقد حث كل من وزير الخارجية البريطاني جاك سترو ونظيرته الاميركية كوندوليزا رايس لدى زيارتها الأخيرة الى بغداد الجهات المعنية على تشكيل «حكومة وحدة وطنية» بمشاركة كل الأحزاب في البرلمان الجديد. إلا انه من الصعب التكهن بمنطق هذه النصيحة.

تشكيل مثل هذا الائتلاف الواسع يتطلب ان تتجاوز كل الأحزاب او تخفي الجوانب الأساسية لأيديولوجياتها وبرامجها، بغرض إرضاء التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة. الائتلاف المقترح سيجعل البرلمان بلا معارضة برلمانية، وهذا بدوره ربما يؤدي الى دفع التمرد و«الشارع» الى الطريقة الوحيدة المتاحة لمعارضة الحكومة.

لعله من العقل والحكمة إفساح المجال أمام الأحزاب العراقية للتمايز على اساس الآيديولوجيات والبرامج. بمجرد حدوث ذلك ستشكل بعض الأحزاب حكومة ائتلافية، فيما ستعمل اخرى كمعارضة برلمانية. وكما هو معرف، فإن المعارضة لا تقل اهمية عن الحكومة في النظام الديمقراطي.

الأمر المهم هو ايجاد نظام يكون فيه لدى المعارضة امل بأن تصبح حكومة الغد، وهذا امر ممكن في العراق الجديد رغم كل العنف والصعوبات التي يتسبب فيها.

فلماذا لا يُسمح للنظام الجديد بتطوير إمكاناته إذن؟

وكل ذلك بحسب المصدر ونصا .

المصدر :الشرق الأوسط – 7-4-2006  

ملاحظة : ماهو محصور بين قوسين ليس من الأصل