دستورية حكومة الوحدة الوطنية

 

المحامي طارق حرب *

 

تنادى غير واحد واكثر من جهة في تشكيل حكومة وحدة وطنية او حكومة شراكة او حكومة اتفاق بين جميع الكتل البرلمانية ويبدو هذا النداء عاليا من الكتل البرلمانية التي حصلت على عدد من المقاعد في مجلس النواب تقل عن عدد المقاعد التي قطفتها قائمة الائتلاف العراقي الموحد واستجاب لهذا النداء وردده زعماء سياسيون في خارج العراق كالرئيس بوش ورئيس الوزراء البريطاني بلير وبيسير القول نذكر ان حكومة الوحدة الوطنية هي مجلس وزراء  يضم ممثلين عن جميع الكتل البرلمانية الموجودة في مجلس النواب التي فازت في الانتخابات يوم 2005/12/15 واذا طبقنا ذلك وتم حسابه بالنتائج التي حصلت عليها تلك الكيانات في مجلس النواب فان النتيجة باعتبار ان عدد اعضاء مجلس النواب (275) عضواً كالآتي: الائتلاف العراقي 130 مقعداً وبنسبة 47% و العدد الذي يستحقه من الوزراء17 وزيراً، التحالف الكوردستاني 54 مقعداً بنسبة 19% و8 وزراء، جبهة التوافق 45 مقعداً وبنسبة 16% و5 وزراء، العراقية 25 مقعداً بنسبة 9% و4 وزراء، الحوار الوطني 11 مقعداً وبنسبة 4% ووزير واحد.

ان ما سبق هي تشكيلة مجلس الوزراء التقريبية اذا اعتمد القادة السياسيون تشكيل حكومة وحدة وطنية وعلى وفق الوزن السياسي لكل كيان سياسي في مجلس النواب التي تمثل قيمة كل كيان سياسي من الناحية الشعبية اي عدد افراد الشعب الذين يؤيدون كل كيان في الشارع العراقي الذي تم التعبير عنه في الانتخابات السابقة او ما يسمى بالاستحقاق الوطني او السكاني او الشعبي او ما يسمى بالشراكة الوطنية والاتفاق.

ان الدول تلجأ الى هذا الضرب والنوع من الحكومة خاصة في اوقات الازمات التي تمر بها الدول في فترة الازمات وزمن الصعوبات الخطيرة كزمن الحرب وزمن الاضطرابات واوقات الظروف الاستثنائية جدا ذلك ان هذا النوع من الحكومات قليل او نادر في الانظمة الدستورية للدول الديمقراطية واوطان الحرية ان لم تكن معدومة وغالبا ما تلجأ الى ذلك اسرائيل في ظروف الحرب.

اما النوع الثاني من الحكومات وهو النوع السائد والشائع في جميع الدول وخاصة الدول المتطورة والمتحضرة فهي الحكومة الدستورية او ما نسميه بحكومة الاستحقاق الانتخابي والحكومة التي تمثل النسبة المطلوبة بموجب الدستور وهي عادة الاكثرية البرلمانية التي تمثل اكثرية الشعب على وفق التصويت الذي جرى يوم الانتخابات باعتبار ان مجلس الوزراء الذي يتم تشكيله يتم منحه الشرعية الدستورية طبقا للنسبة التي قررها الدستور للثقة في مجلس الوزراء الذي تم تشكيله ولا يتطلب ذلك اشراك الكتل البرلمانية الاخرى طالما ان الحكومة ضمنت عدد الاصوات التي تمكنها من النجاح في الاختبار البرلماني بحصولها على اصوات (50%+1) من عدد اصوات البرلمان فهي ليست بحاجة الى عدد اصوات اخرى نحو ما هو مقرر في حكومة الوحدة الوطنية حيث تصل النسبة الى (95%) من عدد اصوات مجلس النواب بالشكل الوارد في النوع الاول الذي تم حسابه بتشكيل حكومة تضم الكتل الخمس في مجلس النواب وهي الائتلاف والتحالف الكوردستاني والتوافق والعراقية والحوار. ذلك ان الدستور الجديد اشترط موافقة الاغلبية المطلقة لمنح الثقة في مجلس النواب واجازة مجلس الوزراء على وفق احكام المادة (76) من الدستور وذلك يعني موافقة (50% +1) من عدد اعضاء مجلس النواب وبمثال عملي نقول:

الائتلاف العراقي عدد المقاعد 130 بنسبة 47%، الحوار الوطني 11 مقعداً وبنسبة 4%.

وذلك يعني انه بامكان قائمة الائتلاف العراقي الموحد وقائمة الحوار الوطني تشكيل مجلس الوزراء الجديد كما اشترط الدستور ذلك اذ ان عدد اعضاء مجلس النواب الذين يؤيدون الحكومة ويمنحونها الثقة (130+11)=141 صوتاً وعدد الاصوات هذه اكثر من (138) صوتاً المطلوبة للموافقة على مجلس الوزراء الجديد ومنحه الثقة ومن ثم فان هذه الاصوات تشكل (50%+1) او اكثر كما اشترط الدستور لاجازة الحكومة الجديدة. والامر نفسه يقال عن اتفاق الائتلاف بامكانها السير في العملية السياسية وتشكيل الحكومة عند اتفاقها مع اية كتلة برلمانية اخرى لوحدها فقط. كالاتفاق بين الائتلاف وقائمة التحالف الكوردستاني او مع قائمة التوافق او مع القائمة العراقية (الدكتور اياد علاوي). اذ يستطيع الائتلاف العراقي الموحد مع كتلة واحدة فقط من تلك الكتل ولا حاجة له بالكتل البرلمانية الاخرى اذ انه الورقة البرلمانية الرابحة في العملية السياسية طالما حصل على نسبة (47%) من مقاعد مجلس النواب.

واذا كانت حكومة الوحدة الوطنية وحكومة الاستحقاق الانتخابي او الحكومة التي تجمع بين الوحدة الوطنية والاستحقاق الانتخابي هي حكومة موافقة لاحكام الدستور طالما ان مجلس النواب سيمنحها الثقة ويوافق عليها واذا كانت ايضا حكومة الوحدة الوطنية تمثل قاعدة برلمانية كبيرة بحيث تشمل جميع الكتل وتكون قاعدتها واسعة وتمثل الشعب باجمعه طالما ان جميع الكتل البرلمانية تؤيدها بما يمثله ذلك من سهولة اتخاذ القرارات وبعدها عن مسألة البرلمان او حتى سؤاله لها عن كيفية اتخاذ القرارات ومقاصدها وتنفيذها بحكم ان جميع الكتل تؤيدها كذلك ان حكومة الوحدة الوطنية لازمة للظروف الخطيرة جدا كالحرب فان لهذه الحكومة اثاراً خطيرة وضارة كثيرة منها ضعف سيطرة مجلس النواب عليها ووهن رقابته عليها لسبب بسيط ان جميع الكتل البرلمانية ممثلة فيها ومن ثم فلا يمكن لتلك الكتل مساءلة ممثليها في تلك الحكومة بحكم المحاباة اذ لا يمكن ان يكون الكيان والكتلة البرلمانية محلا للنقد بحكم نقد ممثليها مما يقود الوزراء في الحكومة الى القيام باعمال غير دستورية طالما ان الوزراء ضمنوا الاغلبية المطلوبة في مجلس النواب وهذا يترتب عليه ضعف الرقابة البرلمانية على مجلس الوزراء وهذه السلطة اهم السلطات التي يملكها مجلس النواب لتقويم سلطة مجلس النواب وتوجيهه نحو الاتجاه السليم والمسلك المستقيم بحكم ان جميع الكتل في مجلس النواب ممثلة في حكومة الوحدة الوطنية كما ان تشكيل مثل هذه الحكومة سيترتب عليه سحق الكتل البرلمانية الصغيرة وسحق الاقليات التي تمثلها في مجلس النواب بمقاعد قليلة ذلك ان الاكثر وهي حكومة  الوحدة الوطنية لا تستمع الى الاقل في حين ان حكومة الاستحقاق الانتخابي لابد ان تراعي الاقليات بسبب ان اكثريتها البرلمانية محددة باصوات الاقليات في هذا المجلس او على الاقل تستمع لهذه الاقليات وتستجيب لطلباتها ثم ان حكومة الوحدة الوطنية ستفتقد اهم عناصر الديمقراطية وهي وجود معارضة قوية في مجلس النواب طالما ان تشكيلها يستغرق جميع الكتل البرلمانية ومن ثم فان النظام الدستوري العراقي ستغيب عنه ما يسمى بحكومة الظل Shadowo-fantom cabinet ثم ان تشكيل هذه الحكومة سيؤدي الى الاختلاف في تحديد ممثلي الكتل لاشغال المناصب الوزارية فاية كتلة ستتولى الوزارات الخدمية واية كتلة سيتولى ممثلوها الوزارات السيادية والسياسية والامر يزداد اهمية عند تحديد الشخص الذي سيشغل منصب رئيس الوزراء ذلك ان المادة (139) من الدستور اوجبت وجود نائبين لرئيس الوزراء.

والرأي في ذلك هو تشكيل حكومة وحدة وطنية للظروف العراقية الحالية على الا يتم التمادي في ذلك بحيث يكون الاستحقاق الانتخابي هو الاولوية والاسبقية على سواه لتدارك السلبيات المذكورة ولاجل التوفيق بين احكام الدستور من وجه والتوفيق مع متطلبات الواقع العراقي من وجه اخر على ان يكون العراقي المواطن والعراق الوطن هي الاساس والمصدر والقاعدة وشريطة عدم الاغراق ان تشكيل هذه الحكومة والابتعاد بها عن الاحكام السالفة بحيث لا يبعدها عن رقابة البرلمان (مجلس النواب).

*رئيس جمعية الثقافة القانونية العراقية

وكل ذلك بحسب رأي المحامي طارق حرب في المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح-1-4-2006