أسئلة كثيرة أمام مجلس الأمن الوطني المقترح

 

 

 المحامي طارق حرب*

 

هل هو نسخة صغيرة من البرلمان وما هي صلاحياته ؟

يثير الاتفاق الذي حصل بين قادة الكتل السياسية حول تشكيل مجلس أمن وطني يتشكل من (19) عضوا يكون فيه للعرب الشيعة (9) ممثلين و(4) ممثلين لكل من العرب السنة والتحالف الكورستاني وممثلين اثنين من الليبراليين وتصدر قراراته باغلبية الثلثين اسئلة كثيرة منها:

1- انه استحداث لسلطة جديدة لم ينص عليها الدستور ذلك ان الدستور حدد هذه السلطات وهي السلطة التشريعية ممثلة بمجلس النواب والسلطة التنفيذية ممثلة بمجلس الرئاسة ومجلس الوزراء والسلطة القضائية ممثلة بمجلس القضاء الاعلى. اذ جرى العرف الدستوري على ان يكون النظام الحكومي في كل دولة في هذه السلطات فقط وما قيل عن وجود سلطة رابعة باسم الصحافة وسلطة خامسة باسم منظمات المجتمع المدني لا وجود له الا في مخيلة البعض ممن يجهلون علم السياسة او ان وصف هذه الجهات بالسلطة الرابعة والسلطة الخامسة يماثل في لغتنا وصف الاعمى بصيرا والاطرش سميعا. نعم ان هنالك في بعض الانظمة الدستورية القليلة جدا هيئات تتولى اتخاذ بعض القرارات مما يدخل في صلاحيات السلطات الثلاث او انها تتحول سلطة نقض قرارات السلطة التنفيذية خاصة نحو الاعتراض على قانون او عدم الموافقة على ترشيح شخص ما لمنصب وزاري او سواه ولكن ذلك ليس بالقاعدة العامة المقررة في الانظمة الدستورية في العالم اولا كما ان لتلك الهئيات سندا دستوريا يتمثل في ان الدستور قد منحها هذه السلطات. ومن هذه الهيئات مجلس الامن القومي التركي ومجلس الشورى المصري ومجلس تشخيص مصلحة النظام الايراني. غير ان مجلس الامن الوطني العراقي المزمع انشاؤه لا يوجد سند دستوري له. إذ لا يوجد نص في الدستور الجديد يذكر مثل هذا المجلس وما ذكره البعض من ان انشاء هذا المجلس يجد متكئا له في المادة (108) من الدستور هو الاخر لا يشفي علة ولا يكفي غلة ذلك ان هذه المادة نصت على (يجوز استحداث هيئات مستقلة حسب الحاجة والضرورة بقانون) والقانون يصدر من مجلس النواب اي ان مجلس النواب هو أب المجلس الوطني ولا يجوز دستوريا ان يخول مجلس النواب هيئة يقوم (بولادتها) صلاحياته المقررة في الدستور ولا يجوز عقلا ومنطقا ان يخول الأب (مجلس النواب) الأبن (مجلس الامن الوطني) صلاحيات تفوق صلاحياته او تخوله جميع الصلاحيات، فالقاعدة ان تفويض السلطة مقيد جدا في القضايا التي تدخل في اختصاصات مجلس النواب!؟.

نسخة من مجلس النواب

2- اذا اخذنا بما ذكرته وسائل الاعلام من ان المجلس الوطني الجديد سيتألف من تسعة اعضاء يمثلون الائتلاف واربعة اعضاء من العرب السنة واربعة اعضاء يمثلون التحالف الكوردستاني واثنين يمثلون التيار الليبرالي فان ذلك يعني ان مجلس الامن الوطني سيكون نسخة طبق الاصل من مجلس النواب بالنسب التي حصلت عليها تلك الكيانات في هذا المجلس. واذا كان الامر كذلك فلماذا هذا المجلس اذن ولماذا يتم منحه صلاحيات اذ بامكان مجلس النواب التصدي للامر واتخاذ الاجراء اللازم بشأنه او على الاقل ان يتم تشكيل لجنة في مجلس النواب بالاعداد المقترحة للمجلس الوطني وبالنسبة ذاتها لدراسة الامور التي تدخل في اختصاص المجلس الوطني واصدار توصيات ومقترحات بشأنها لمجلس النواب كي يتخذ القرار المناسب بشأنها ومن ثم لا حاجة للمجلس الوطني المقترح لاسيما وان ايجاد مثل هذا المجلس سوف لن يكون بمنأى عن رقابة مجلس النواب بحكم السلطة المخولة له على وفق احكام المادة (61) من الدستور. اذ ان مهمة مجلس النواب هي رقابة  السلطة التنفيذية ومجلس الامن الوطني لا يمكن ان يكون خارج رقابة مجلس النواب.

صلاحيات المجلس

3- ان اناطة بعض الصلاحيات لمجلس الامن الوطني واشتراط موافقة ثلثي اعضاء المجلس على القرارات التي يصدرها سيزيد الامر سوءا ذلك ان القاعدة العامة في مجلس النواب ان قراراته على وجه العموم تكون بموافقة الاغلبية البسيطة اي (50%) +1 وحتى بعض المسائل الخطيرة تصدر من مجلس النواب بهذه الاغلبية مثاله سحب الثقة عن مجلس الوزراء واقالته على وفق احكام المادة (61) من الدستور او تعيين رئيس الوزراء والموافقة على التشكيلة الوزارية طبقا لاحكام المادة (76) من الدستور فهل من المقبول عقلا ومنطقا ان تصدر قرارات مثل هذه بهذه الاغلبية في حين يحتاج مجلس الامن الوطني الى اغلبية الثلثين (66.34%) لجميع القرارات التي يصدرها!؟ ثم بما ان كتلة الائتلاف العراقي الموحد ممثلة بتسعة اعضاء وهي اكثر من الثلث وذلك يعني عدم صدور اي قرار من مجلس الامن الوطني ما لم توافق عليه قائمة الائتلاف العراقي الموحد طالما انها تملك اكثر من ثلث الاصوات وقد يرد علينا قائل ويقول سائلا ان بعض اعضاء مجلس الامن الوطني الممثلين لقائمة الائتلاف في مجلس الامن الوطني لا يتمسكون احيانا برأي الائتلاف ولهم رأيهم الشخصي. وهذا ايضا ينم عن عدم الاحاطة بجوهر الائتلاف ومغازيه ذلك ان ممثلي هذه القائمة وحدة الكلمة سواء اثناء دورة الجمعية الوطنية او عند اجراء المفاوضات للعملية السياسية الجديدة إذ ذهبت مراهنات البعض عن تفكك كلمة قائمة الائتلاف ادراج الرياح وكان قائلها والمعول عليها كالنافخ في قربة مثقوبة او كالسائر خلف السراب الذي خاب من ترجاه واخلف من تمناه وخذل من ناداه.

4- تبقى الصلاحيات والسلطات المخولة لمجلس الامن الوطني هي الاساس الذي سيكون القاعدة لسير المجلس وعمله وامكانية اصدار قراراته فاذا كانت قرارته تتصف بالالزام ووجوب التنفيذ من السلطة التنفيذية فان هذه القرارات سوف لن تتعدى المناقشة فقط في المجلس لصعوبة اصدارها باغلبية الثلثين ان لم نقل من المحال اصدارها قطعا، اما اذا كانت قرارات مجلس الامن القومي لا تتصف بالالزام ووجوب التنفيذ وانما هي نصائح وارشادات وفتاوى ومشورة للسلطة التنفيذية فانها لا قيمة دستورية وقانونية لها ذلك ان النصيحة والارشاد تترك لتقدير من وجهت اليه والفتوى هي اخبار بالحكم من غير الزام كما يقول الفقهاء. والمشورة والرأي مقبولة ذلك ان الحكمة تقول ما خاب قط من استشار ولا ظل من طلب فتوى ومن شاور القوم شاركهم في عقولهم وقال اعرابي لئن اخطأت وقد استشرت خير لي من ان اصيب وقد استأثرت اي انفردت في الرأي ولم استشر والذي نراه حلا لهذا الاشكال الدستوري والاعضال القانوني الذي ظهر بسبب التأثيرات الخارجية ورغبة البعض من مجانبة الاحكام الدستورية اصدار قانون من مجلس النواب يتضمن تشكيل مجلس الامن الوطني بالشكل الوارد سلفا وتصدر قراراته بالاغلبية المذكورة سابقا وتحديد صلاحياته بحيث تكون استشارية على ان ينص في القانون وهذا هو الاكثر اهمية على ان عدم الالتزام بالقرار الذي يصدره مجلس الامن الوطني يجب ان يكون لاسباب وحيثيات ومبررات يلتزم بابدائها من وجهت اليه قرارات المجلس ويكون المستقبل فيصلا في صحة رفض الاستشارة لاسيما وان ذلك اثره في تقرير مجلس النواب في سحب الثقة عن الوزارة من عدمه طبقا لصلاحيته الدستورية.

*رئيس جمعية الثقافة القانونية العراقية

و كل ذلك بحسب رأي المحامي طارق حرب في المصدر المذكور.

المصدر: الصباح- 25-3-2006